حدث في مثل هذا الأسبوع (27 جمادى الأولى-3 جمادى الآخرة)

625 0 60

وفاة الدكتور لبيب السعيد 3 جمادى الآخرة 1408 هـ (1988م)
إذا أراد الله بشخص خيرا استعمله في خدمة دينه وفتح عليه وألهمه الأفكار الكبيرة لمشاريع عظيمة الأثر والنفع وسخره وسخر له من يقوم على تنفيذ هذه المشاريع.
من هؤلاء الدكتور لبيب السعيد نحسبه كذلك فقد ألهم بفكرة إبداعية لمشروع إبداعي خرج إلى النور، وبلغ مشارق الأرض ومغاربها، حفظ الله به القرآن ويسره للذكر وخدم به الإسلام ونال صاحبه به الأجر المتوالي
.مشروع الجمع الصوتي الأول للقرآن الكريم (المصحف المرتل) شغل عقل الدكتور لبيب وقلبه، عاش من أجل تحقيقه، وعانى في التخطيط له و تنفيذه، وكانت ثمرته إذاعة أول تسجيل للمصحف المرتل منذ نزول القرآن الكريم، وإنشاء إذاعة خاصة به في مصر، ثم تلتها إذاعات أخرى في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي.
مشروع الجمع الصوتي للقرآن الكريم، من أعظم المشاريع العلمية النافعة للأمة المسلمة في هذا الزمن، ولما كان الدكتور لبيب السعيد صاحب فكرة هذا المشروع العظيم، وجب له علينا، لفت شيء من الأضواء حول حياته ومشروعه المبارك.

نشأته وحياته العملية
ولد الدكتور لبيب السعيد سليمان بمدينة المنصورة بمصر في 8 /12/ 1914م في بيئة دينية، نشأ علي حب القرآن واللغة العربية، وكان أبوه تاجر غلال وكان على درجة عالية من الحرص على تثقيف أبنائه فكانوا حوله على المائدة يقرأون بشغف كتب الأدب والفقه واللغة والشعر، ويتابعون باستمتاع الخلافات و المساجلات الأدبية التي كانت تنشر في مجلات الرسالة و المقتطف و البلاغ وغيرها في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي.
- تدرج في المراحل التعليمية الابتدائية ثم المتوسطة ثم الثانوية بالمنصورة.
- التحق بجامعة القاهرة فتخرج منها ثم حصل على الماجستير ثم الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة القاهرة.
- عمل في البداية بوزارة الزراعة ثم عين موظفا في المراقبة العامة للاستيراد في وزارة المالية المصرية.
- كتب في الأربعينات مقالات أدبية وعلمية في المجلات وخاصة مجلة الرسالة والثقافة والكتاب العربي.
- حاضر في علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة عين شمس و بكلية الدراسات الإسلامية للبنات جامعة الأزهر.
- ترأس جمعية المحافظة على القرآن الكريم بعد أن كان عضوا فيها.
- انتقل إلى وزارة الأوقاف المصرية للعمل بها ليشرف على تنفيذ مشروعه "الجمع الصوتي للقرآن الكريم" برعاية الدولة, وتولى فيها عدة وظائف ومهام فكان مقرر لجنة الإشراف على تحفيظ القرآن الكريم، وعمل مديرا عاما لتخطيط الدعوة الإسلامية و تدريب الدعاة كما عمل مديرا عاما لشؤون القرآن الكريم.
- عمل أستاذا لعلم الاجتماع الإسلامي ولعلوم القرآن في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية منذ عام 1973م وحتى 1985 م.
- كانت له مشاركات مرئية في برنامج دينية بالتليفزيون المصري، كما كانت له أنشطة متعددة في الإذاعات، أهمها سلسلة (معارف قرآنية) في إذاعة الرياض بالسعودية في السبعينات من القرن العشرين.
- كان الدكتور لبيب ممن تصدوا لدعاوى المستشرقين و خاصة فيما يتعلق بالقرآن والقراءات القرآنية وله في ذلك رسائل متعددة.

الجمع الصوتي للقرآن والحاجة إليه
‬في شهر شعبان من سنة 1378هـ، الموافق 1958م تقدم الدكتور لبيب السعيد بمذكرة إلى الجمعية العامة للمحافظة على القرآن الكريم ـ التي كان يرأسها ـ يوضح فيها اقتراحه بشأن تسجيل القرآن صوتيا بكل رواياته المتواترة والمشهورة وغير الشاذة، مبينًا أن أهم وسيلة لنقل القرآن الكريم عبر الدهور، كانت وما زالت: روايته وتلقينه مباشرة وشفاهًا، فمًا لفمٍ، وهذا هو المعتمد عند علماء القراءة، لأنَّ في القراءة ما لا يمكن إحكامه إلا عن طريق السماع والمشافهة.
ومتابعة للتطور، وتأكيدًا لطريقة النقل الشفوي، وتطويرًا لَها، يمكن الآن الاتجاه إلى تسجيل القرآن الكريم تسجيلاً صوتيًّا، ولعل هذا الأسلوب أن يكون هو أصلح أساليب العصر، وأكثرها تيسيرًا على المسلمين في تلقِّي الكتاب العزيز، مجوَّدًا ومتلوًّا بمختلف القراءات.
‬ويحكي‮ ‬صاحب المشروع أنه كان‮ ‬يتابع في‮ ‬حلقات المقارئ الكبرى الممتازين من علماء القراءات،‮ ‬وكان‮ ‬يؤلمه أنه إذا مات منهم حاذق خلفه من لا‮ ‬يعادله علما وإتقانا،‮ ‬وكان ذلك‮ ‬يعني‮ ‬ضياع ثروة إلى الأبد،‮ ‬لأنها لم تسجل،‮ ‬فهؤلاء القراء إنتاجهم‮ ‬غير إنتاج الآخرين من أصحاب العلوم والفنون،‮ ‬فهو تراث صوتي‮ ‬يضيع بموتهم ما لم‮ ‬يسجل‮. ‬وعلى الرغم من انتشار التسجيل حينذاك،‮ ‬فإن أحدا لم‮ ‬يهتم بعمل تسجيلات صوتية لهؤلاء،‮ ‬أصحاب هذا العلم الدقيق‮.‬
استفاد المسلمون من آلات التسجيل الصوتي منذ وصولها إلى بلاد المسلمين، فسُجِّلت بعض الخطب والكلمات للعلماء، وبعض التلاوات القرآنية لمشاهير القراء، ولعل أقدم ما وصل إلينا من التسجيلات القرآنية -تسجيلات القارئ الشيخ محمد رفعت.
على أن التسجيلات في ذلك الوقت لم تتجاوز ما كان يقرؤه القراء من أجزاء السور أو قصارها في الحفلات والمناسبات.
‮وشغل الرجل بكيفية الحفاظ على هذا التراث العلمي‮ ‬المبني‮ ‬على الرواية والسماع،‮ ‬وهداه تفكيره إلى مشروع‮ "‬الجمع الصوتي‮"‬،‮ ‬يجمع فيه القرآن الكريم صوتيا بكل رواياته المتواترة والمشهورة‮ ‬غير الشاذة‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

المصحف المرتل
اختمرت الفكرة ووضع الدكتور السعيد معالمها ولاقت قبولا واستحسانا، ورحب بها الأزهر الشريف، وأبدى الإمام الأكبر محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر ارتياحه ورضاه عنها.
وأراد الدكتور لبيب السعيد أن يأنس بقبول الرأي العام حول التلاوة المرسلة التي سيسجل بها الجمع الصوتي حيث لم تكن مشهورة وقتها؛ فطلب من الشيخ محمود خليل الحصري أن يقرأ بها في حفل أقيم بقاعة المحاضرات الكبرى بالأزهر، فلاقت هذه التلاوة قبولا عند الحاضرين.
احتاج تنفيذ المشروع الى تمويل مادي ضخم، ولم تكن جمعية "المحافظة على القرآن" ذات رصيد مادي يغطي نفقات المشروع، مما جعل الدكتور يعرض فكرة التنفيذ على الإذاعة المصرية فوافقت بشرط أن تبث ما يتم تسجيله على موجاتها حصراً.

فانتدب الدكتور لبيب السعيد ثلاثة من أشهر القراء والعلماء لتنفيذ مشروعه الكبير وهم: الشيخ محمود خليل الحصري، ليسجل القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم الكوفي، والشيخ مصطفى الملواني على أن يسجل رواية خلف عن حمزة ،والشيخ عبد الفتاح القاضي، وكان يشغل رئيس لجنة مراجعة المصاحف بالأزهر الشريف ، على أن يسجل قراءة أبي جعفر برواية ابن وردان ، وانتخب ليكون مشرفاً على التسجيل .
ولمّا لم يجد من يكمل التمويل ويتكفّله لضخامته ، قدّم السعيد طلباً الى وزارة الأوقاف المصرية لتكون هي الجهة الراعية للمشروع، وحصلت الموافقة وتشكلت لجنة عامة للإشراف على تنفيذه، وكانت تضم أساتذة فن التجويد والقراءات في مصر، الشيخ عبد الفتاح بن عبد الغني القاضي لكنه استعفي لأسباب منها بعد عمله عن القاهرة، والشيخ عامر السيد عثمان، والشيخ عبد العظيم خياط، والشيخ محمد سليمان صالح، والشيخ محمود حافظ برانق، وهؤلاء الأربعة من مدرسي معهد القراءات التابع للأزهر.

نجح لبيب السعيد في التسجيل، ورأى أن يمضي الشيخ محمود الحصري في تسجيل رواية حفص، وفق الشروط والضوابط التي وضعتها اللجنة المشرفة على التسجيل ولم يكن التسجيل هينا، فمع امتياز الشيخ الحصري في القراءة، فإن اللجنة كانت تستوقفه كثيرا ليعيد التسجيل على النحو النموذجي المطلوب.
وبعد الانتهاء من التسجيل بدأت مرحلة طبع أسطوانات المصحف المرتل، وانتهت في ( 10 صفر 1381هـ الموافق 23 يوليو 1961م) حيث بدئ في توزيع المصحف المرتل للمرة الأولى في تاريخ الإسلام.
وأذيع المصحف المرتل من الإذاعة المصرية بالقاهرة للمرة الأولى في صباح (الإثنين 8 من ربيع الآخر 1381هـ الموافق 18 سبتمبر 1961م) إيذانا بعهد جديد للمصحف الشريف، وإعلانا عن نجاح الخطوة الأولى في مشروع "الجمع الصوتي" للقرآن الكريم، ثم توالى بعد ذلك تسجيل المصاحف المرتلة لكبار القراء.

مؤلفاته:
الدكتور لبيب السعيد له إنتاج علمي كبير من كتب ودراسات وبحوث نذكر منها ما يلي:
1- الجمع الصوتي الأول للقرآن الكريم ( المصحف المرتل) بواعثه ومخططاته .
الناشر : دار الكاتب العربي ( القاهرة ) (1967م ، 640 صفحة)
2- (المقارئ والقراء (مطبعة السعادة،1976 م، 108 ص)
3- (الأذان والمؤذنون) (الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر،1970م، 140 ص)
4- (رسم المصحف - المشكلة والحل) (مجمع البحوث الإسلامية 1970، 52 ص)
5- (التغني بالقرآن) بحث فقهي تاريخي (الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1970م)
6- (دراسة إسلامية في العمل والعمال) (الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر،1970م، 141 ص)
7- (العلاقات العمالية الإنسانية في المجتمع الحديث)( دار الكرنك القاهرة،1961م، 203ص)
8- (دفاع عن القراءات المتواترة في مواجهة ابن جرير الطبري) (دار المعارف 1978م، 158 ص)
9- (الشيوعية في موازين الإسلام) (دار عكاظ جدة 1979م، 124ص)
10- (العمل الاجتماعي - مدخل إليه ودراسة لأصوله الإسلامية) (دار عكاظ جدة 1980م، 216 ص)
11- (الدراسة الأولى في مناهج البحث الاجتماعي في القرآن الكريم وعند علمائه ومفسريه) (دار عكاظ جدة ، 1980م، 183 ص).
12- (شريعة وعطاء) (نهضة مصر 1987م، 191 ص)
13- (ينابيع الوحي الإلهي: البنية الإيقاعية في السور المكية) تأليف بيير كرابون دي كابرونا، عرض ونقد الدكتور لبيب السعيد (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية،34ص) وغيرها.

وفاته:
توفى الدكتور لبيب السعيد رحمه الله يوم 3 جمادى الآخرة 1408هـ الموافق 22 يناير 1988م، عن عمر ناهز 74 عاما، نسأل الله تعالى أن يجزيه عن القرآن خير الجزاء وأن يجعل مثواه الفردوس الأعلى.
 

مواد ذات الصله



تصويت

الهوس بالهواتف والانشغال بمتابعة مواقع التواصل الاجتماعي أصبح ظاهرةً خطيرةً اجتماعياً ونفسياً، وذلك مع التسليم بعظيم منافعها من جهة أخرى. من خلال تجربتك ما هو أكبر سلبياتها بنظرك ؟؟

  • نشر الشائعات والأكاذيب
  • العزلة عن الواقع
  • التفكك الأسري
  • نشر الأفكار والمقاطع الهدامة
  • هدر الأوقات وتضييع الأولويات