|
كيف اغتيلت دولة زنجبار المسلمة؟ 03/02/2009
ألف عام أو أكثر عاشتها زنجبار دولة مسلمة بعد أن دخلها العرب المسلمون ومعهم دينهم الإسلامي الحنيف بأنواره وحضارته ولغته العربية، فصنعوا منها لؤلؤة لامعة في جبين إفريقية، وصارت مركزاً.. |
![]() |
|
|
|
| قراءة : 1547 | طباعة : 177 | إرسال لصديق : 1 | عدد المقيمين : 5 |
ألف عام أو أكثر عاشتها زنجبار دولة مسلمة بعد أن دخلها العرب المسلمون ومعهم دينهم الإسلامي الحنيف بأنواره وحضارته ولغته العربية، فصنعوا منها لؤلؤة لامعة في جبين إفريقية، وصارت مركزاً تجارياً دولياً مهماً، وكانت تبسط نفوذها القوي على أرجاء شرق إفريقية بأسطولها الكبير الذي وصل في رحلاته إلى الهند وبلاد الشمس المشرقة في الشرق، ومرسيليا والبندقية في الغرب حتى عام 1964م، فانتهى الوجود العربي بمأساة .
طرح علماء الدين في زنجبار الإسلام حلاً سياسياً في الإقليم، كما أوصى مؤتمر مستقبل الإسلام في إفريقيا الذي عُقد عام 2000م، بضرورة مخاطبة منظمة «العواصم والمدن الإسلامية» لضمّ مدينة زنجبار وغيرها من المدن الإسلامية الإفريقية التاريخية لصيانة آثارها والجوانب المعمارية والأثرية التي تموج بها.
ونحن هنا نلقي الضوء على إقليم زنجبار وموقف المسلمين المقيمين داخل هذا الإقليم، والمآسي التي تواجههم من قِبَل التيار التنصيري المدعوم من الغرب في محاولة للقضاء على الوجود الإسلامي المتصاعد في شرق أفريقيا.
والآثار العمرانية الاقتصادية والإسلامية في زنجبار ما زالت شاهدة على الأخوة الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ بين الأرضين العمانية والزنجبارية، ومن المؤسف جهل الكثير من أبناء الإسلام بتاريخ وموقع الجزيرة.
تشرفت زنجبار بنور الإسلام عن طريق الهجرات العربية والشيرازية إلى شرق القارة الأفريقية في نهاية القرن الأول الهجري، يوم أن قام (الحجاج بن يوسف الثقفي بمحاولة ضم عمان إلى الدولة الأموية، وكان يحكم عُمَان آنذاك الأَخَوان: (سليمان وسعيد ابنا الجلندي) وقد امتنعا على الحجاج، فأرسل الحجاج إلى عُمَان جيشاً كبيراً لا حول لهما به، فآثرا السلامة وخرجا بمن تبعهما من قومهما إلى (بر الزنج) شرق أفريقيا وهي ما يعرف اليوم بـ (زنجبار) واستدل المؤرخون من خلال هذه الحقيقة التاريخية على أن الوجود العربي في (زنجبار) سبق ظهور الإسلام؛ لأن رحيل حاكمي عمان إليها بعُدَدهم وعتادهم لا بد أن يستند إلى وجود سابق لهما يأمنان فيه على حياتهما وأموالهما وذويهما.
بعد المذبحة تولى الحكم (عبيد كرومي) الذي حكم زنجبار باعتبارها تابعة لاتحاد تنزانيا الذي أُعلن عقب الانقلاب، وتكوَّن من زنجبار وتنجانيقا، مع توسع النشاط التنصيري، حتى أصبح في البلد 100 كنيسة ولم يكن عدد النصارى يتعدى 3%، وصار اقتصاد البلاد بأيديهم وكذلك الوظائف الحكومية المرموقة، وأصبحت زنجبار تحت وطأة الحكم العلماني الذي انتهجته تنزانيا مما أضعف كثيراً من معرفة الأجيال الجديدة بتاريخها وإسلامها.
ولعلَّ من الصعب تخيُّل ما حدث للعرب المسلمين على يد مسلمين مثلهم بعد أن عاشوا سوياً قرابة مائة عام يربط بينهم عامل واحد هو الدين يرفعونه فوق كل اعتبار، لكن بالنظر إلى الأسباب التي رسمت هذه الواقعة، فإننا نجدها تعود إلى أسباب خارجية متمثلة في النشاط التنصيري الذي عمل على إثارة النعرة العنصرية بين المسلمين خاصة بعد أن أشاع الاستعمار أن العرب كانوا من تجار الرقيق في تجاهُل للاتفاقية التي وقَّعها (السلطان سعيد بن سلطان) مع بريطانيا لإلغاء هذه التجارة التي كان يقوم عليها الغزو الغربي، ومطامع دول الجوار وخاصة كينيا وتنزانيا في ضم زنجبار إليها واستقطاعها من حكم الدولة العمانية، بجانب رغبة الدول الغربية في تقويض الإسلام في زنجبار وخاصة نظام الحكم؛ لأنها كانت بوابة أفريقيا الشرقية ومنها دخل الإسلام لأغلب الدول الأفريقية الشرقية والوسطى.
أما الأسباب الأخرى فهي أسباب داخلية تمثلت في أخطاء سلطان زنجبار في سياسة حكمه للطوائف؛ حيث فتح باب التنصير دون رقابة، فتغلغل وشوَّه تاريخ العرب؛ إلى جانب توثيق العائلة الحاكمة لعلاقاتها ببريطانيا منذ عهد (السلطان سعيد بن سلطان) مما أثار سخط المسلمين الأفارقة الذين شعروا بأن العرب هم من جلب الاحتلال الغربي إلى بلادهم.
بعد التعرُّف على طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية في زنجبار، نشير إلى ملاحظة غاية في الخطورة، وهي أنه في الوقت الذي يتعمد الإعلام الغربي اتباع سياسة التعتيم على ما حدث وما يحدث في زنجبار من انتهاكات واعتداءات ضد المسلمين، نجد أن الإعلام العربي الإسلامي يتجاهل - بتعمد أو بدونه - إلقاء الضوء على هذه المجازر والانتهاكات التي تتكرر بشكل مستمر في زنجبار المسلمة، فعادةً مَّا تُستخدم الانتفاضة الفلسطينية للاستدلال على انحياز الخطاب الإعلامي الغربي ضد قضايا العرب والمسلمين، ويُفَسَّر في العادة هذا الانحياز على أنه نتيجة الهيمنة الصهيونية على وسائل الإعلام الغربي، غير أن هذا الانحياز لا يقف عند حدود الصراع العربي الصهيوني؛ فالخطاب الإعلامي الغربي يكاد يتبنى النهج نفسه في كل قضية طرفها عرب أو مسلمون، وما حدث مؤخراً في زنجبار شاهد آخر على هذا الانحياز؛ فهي جزء من ذلك الشريط العربي الممتد على الساحل الشرقي من القارة الأفريقية، يرتبط معظم سكانها بصلات قربى ونسب مع عرب الساحل الجنوبي من الجزيرة العربية، غير أنها جزء يتعمد التاريخ إغماض عينيه عنها ويشيح الضمير الدولي بوجهه عن مآسيها؛ إذ لم يكتفِ المجتمع الدولي بصمته إزاء مجازر عام 1964، التي صاحبت استيلاء تنجانيقا (تنزانيا حالياً) على الجزيرة، بل ما زال يصر على صمته إزاء المذابح التي يواجهها المسلمون وهي تتجدد بعد ربع قرن من الزمان.
ما حـدث في زنجـبار يكشـف نفاق الإعلام العالمي، الذي لا يلتفت إلا للمآسي والمذابح التي تتعارض مع السياسات الغربية، أو تلك التي يتجاوز مداها حدود الصمت والتعتيم كما حدث ويحدث في الشيشان وفلسطين مثلاً.
أمام هذا التجاهل الإعلامي الغربي والعربي، أبى مسلمو زنجبار إلا أن يكون لهم وجود في الإقليم الذي يبلغ عدد المسلمين فيه أكثر من 98% من سكانه، حيث سعى المسلمون إلى أن يكون لهم دور حيوي في الانتخابات التي جرت في أكتوبر 2005م، فيما يشبه صحوة إسلامية في الإقليم.
وقد ترعرعت جهود الصحوة الإسلامية من إرشاد ووعظ ومعونات وكفالات للفقراء والمحتاجين، وبدت مظاهرها في تزايد أعداد المترددين على المساجد وعدد مرتديات الحجاب الإسلامي وسط دعوات من القيادات الإسلامية بأنَّ إقرار القيم الإسلامية هو الحل الأمثل لكل «المآسي» التي يعيشها الإقليم، وأنَّ الإسلام هو العامل الوحيد الذي يوحِّد الناس في الجزيرة، ويعرض العلماء الشريعةَ الإسلامية بديلاً للديمقراطية.
وتواجه هذه الصحوة الإسلامية في زنجبار العديد من المصاعب، أهمها الفقر، وحملات التنصير، وتنازع بعض الفرق الإباضية والزيدية؛ وفي خضم هذه الظروف والأوضاع المتشابكة، طرحت الأوساط الإسلامية في زنجبار جملة من المطالب، وتعتبر تلبيتها ضرورية لإحداث أي تطور إيجابي للأوضاع العامة، والعلاقات بين الطوائف الأخرى في البلاد، وأهم تلك المطالب: جعل يوم الجمعة عطلة أسبوعية رسمية بدلاً من الأحد، تداول رئاسة الدولة بين المسلمين والنصارى، منح المشايخ الأئمة والعلماء المسلمين حقوقاً سياسية متساوية مثل نظرائهم من رجال الدين النصراني للتمثيل والترشيح في البرلمان والمجالس المحلية، إيقاف استغلال المناصب الحكومية لممارسة الضغوط والاضطهاد على الشباب المسلم في المؤسسات التعليمية والأكاديميات العليا، فتح المجال أمام الشباب المسلم كغيرهم في الحصول على منح دراسية في العلوم الحديثة، والتساوي في توزيع الحقائب الوزارية بين المسلمين والنصارى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد الطنيخي (مجلة البيان 255).