|
وحدة الأمة..الأمل المنشود 06/02/2005
د/سعيد عبد العظيم
بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه ومن والاه ، أما بعد:
فيمر المسلمون بمرحلة تستوجب من كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، أن يسعى جاهدا ً.. |
|
|
|
| قراءة : 2359 | طباعة : 76 | إرسال لصديق : 1 | عدد المقيمين : 2 |
بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه ومن والاه ، أما بعد:
فيمر المسلمون بمرحلة تستوجب من كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، أن يسعى جاهدا ً لتحقيق الأخوة الإيمانية والوحدة الإسلامية ، سواءً كان حاكما ً أو محكوما ً ، رجلاً أو امرأة ، كبيراً أو صغيرا ً ، حتي نرضي ربنا ونؤدي واجبنا ورسالتنا ، ونكون يداً واحدة على عدو الله وعدونا ، المعرفة بالشرع والواقع تدعو كل مسلم أن يقوم لله بحقه نصحا ً وبيانا ً وحرصاً على سلامة هذه الأمة من التفكك وعوامل الانهيار ، فهي الأمة الخاتمة ، والمرحومة ، وهي خير أمة أخرجت للناس ، إن اعتصمت بالوحي الصادق واستقامت على كتاب ربها وسنة نبيها صلي الله عليه وسلم ، وكانت على مثل ما كان عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، وتابعت خير القرون فيما كانوا عليه من علم نافع وعلم صالح ، وحرص على تحقيق الأخوة الإيمانية و الوحدة الإسلامية ، قال تعالي : ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء : 92].
الترفع عن العصبيات:
عندما يرتفع الإنسان بإسلامه عن حضيض الحزبية و العصبية وسائر النعرات القبلية ، وتتسع نظرته باتساع دعوة الإسلام ، وتكون دوافعه وبواعثه إيمانية ، لا بد أن يقدر معنى التضامن الإسلامي حق قدره ، ويسعى في سبيل تحقيقه باذلاً الغالي والرخيص ومحتسباً ذلك عند من لا تخفى عليه خافية؛ لعلمه أن ذلك من أهم الواجبات والفرائض اللازمة . فلا يتم أمر العباد فيما بينهم ، ولا تنتظم مصالحهم ولا تجتمع كلمتهم ولا يهابهم عدوهم إلا بالتضامن الإسلامي الذي حقيقته :التعاون على البر والتقوى والتكامل والتناصر ، والتعاطف والتناصح ، والتواصي بالحق والصبر عليه .
تربص الأعداء:
نمر بوقت تتربص بنا فيه قوي الشر والكفر ، قد أعلنوها حرباً على الإسلام و أهله ، وكما اجتمعو قديما ً وقالوا : ( فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى) [طه : 64 ] ( وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ) [ ص : 6 ] فكذلك صنعوا اليوم فأقاموا النظم و الهيئات العالمية ، التي راح المسلمون يدورون في فلكها نتيجة تفرقهم وضعفهم بدلا من أن يسعوا لإقامة نظامهم العالمي الذي ارتضاه لهم ربهم وخالقهم: ( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) [الأعراف : 158] ( إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ* وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) [ ص : 87- 88] فنحن أصحاب رسالة ودين ، لا بد من إبلاغه الى الخلق كافة: ( لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ) [الأنعام : 19] ولا ننكر أن أسباب ضعفنا – التي مكنت الأعداء من رقابنا – كثيرة ، ودواعي فرقتنا الحاضرة عديدة ، ولكن هذا كله ، لا يمنعنا من الأخذ بالأسباب ، والاهتمام بالبدايات، فلا نجعل الخلاف بيننا في الأقوال والمذاهب وفي الملك والسياسات والأغراض الشخصية حائلاً بيننا وبين تحقيق الأخوة الدينية والرابطة الإيمانية .
مصلحة الاجتماع من أهم المصالح:
فمصلحة الاجتماع مصلحة كلية ، ومطالبة الدين أبناءه بالوحدة والألفة ومنعه لهم من التفكك والتشرذم يأتي مقدما على كل المصالح الجزئية أو الخاصة أجمع ويقدم على كل شئ ، وكما هو معلوم فالمصالح العامة تتبعها المصالح الخاصة ، ولا بد من نكران الذات ، وإحلال العقلية الجماعية مكانها اللائق بها ، فالإخاء الخاص لا يعني نسيان الإخاء العام ، والاهتمام بالمسجد لا ينبغي أن يشغلنا عن الاهتمام بأمور المسلمين في شتى بقاع الأرض ، والمحلية في حساباتنا لا تتعارض مع عالمية الدعوة ، و أن نكون على مستوي إسلامنا وديننا في كل آن وحين ، حتى و إن كنا مستضعفين ، فهذا لا يغير من الحقائق شيئا ً ، فالمستقبل لدين الله تعالي بغلبته وظهوره على الأديان كلها ، وهذا يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم ، وعلينا من الآن أن نسعي في إزالة الضغائن والعداوات الواقعة بينهم ، وأن يكون صوت المسلمين واحداً يتكلم به ويدعو إليه العلماء والكبراء ، ومما يسهل هذا الأمر أن نعلم أن هذا السعي ، هو من أفضل الأعمال ، إنه أفضل من استغراق الزمان بالنوافل من صوم وصلاة وغيرهما ، فأصل الجهاد اتفاق الكلمة وارتباط المسلمين بالأخوة الدينية ارتباطاً وثيقا: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) [الحجرات : 10 ].
الوحدة أهم أسباب النصر:
وهذا الارتباط من أعظم أسباب النصر : ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌَ) [الأنفال : 62- 63 ] فالتأييد هنا حدث بأمر سماوي وأمر معنوي , وهو اجتماع المسلمين و تآلف قلوبهم و حصول التحاب الذي يوجب لكل منهم أن يرى مصلحته و مصلحة إخوانه واحدة و الغاية واحدة , فالواجب على رؤساء الدين و الدنيا العمل لتحقيق الارتباط , لأنه من مقتضيات الإيمان , وكلما قوي إيمان العبد عرف مقدار نفع هذا الأمر , بل التفكك و التحزب و التعصب المقيت دليل ضعف العقل أيضاً , قال تعالى: ( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) [الحشر : 14 ] . وهذه- للأسف الشديد- هي حالة المجتمع الإسلامي اليوم في أقطار الدنيا , يضمر بعضهم لبعض العداوة , وإن جامل بعضهم بعضا فإنه لا يخفي على أحد أنها مجاملة , والسبب ضعف العقل وضعف الإيمان , فالناس إن لم يجمعهم الحق شعَّبهم الباطل , وإذا لم توحدهم عبادة الرحمن مزقتهم عبادة الشيطان , وإذا لم يستهويهم نعيم الآخرة تخاصموا على متاع الدنيا , يا قوم : إن الرابطة هي الإسلام , نصير به كالجسد الواحد, وبدونه نرتكس لمثل حالة الجاهلية الأولى أو أشد تفرقا و ضياعا .
التفرق من خصائص الجاهلية:
إن التفرق من خصائص أهل الجاهلية , فأين من يعقل قوله سبحانه : (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) [ آل عمران : 103 ] . وفي الحديث : " لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " [ متفق عليه]. إن رابطة الدين تتلاشى أمامها رابطة النسب و العصبية .
التفرق سبب الهزائم:
إننا كأمة لن نؤتى من قلة عدد , لكن نؤتى بسبب الذنوب و المعاصى ومن أعظمها التفرق و الاختلاف: ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:46)
|
تأبي الرماح إذا اجتمعن تكسرا ً |
وإذا افترقن تكسرت آحادا ً |
غزوة أحد ودرس الوحدة:
لقد كان درس الوحدة من أعظم الدروس التي خرج بها المسلمون من يوم بدر وأحد ، قال تعالي : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [الأنفال : 1] ولما قال البعض بعدما كثر القتل والجراحات في المسلمين يوم أحد: ( أَنَّى هَـذَا) [آل عمران : 165 ] كانت الإجابة : ( قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ) [ آل عمران : 165 ] , ثم شرعت الآيات توضح الأسباب : ( حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَة ) [ آل عمران : 152 ] ويوم بني قريظة , صف النبي صلى الله عليه و سلم من صلى في الطريق ومن لم يصل العصر إلا في بني قريظة – صفا واحدا ثم قاتل بهم الأعداء : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ ) [ الصف : 4 ] , فأين من يخرج هوى النفس و يقول : والله أنا كنت أظلم , أو يقول : حقي لأخي , و يمتثل قول النبي صلى الله عليه و سلم في المتخاصمين : " خيرهما من يبدأ بالسلام " , وأين أولو الأحلام و النهى على مستوى الفرد و الجماعة و الدولة , الذين يعظمون حرمات الله , ويسعون لسد الثغرات وإقامة الواجبات , ويصلون الدنيا بالآخرة و الأرض بالسماء , لا نشك أنهم كثير بإذن الله , سيبدأون مستعينين بالله ورعاية الله و توفيقه يحوطهم و يبارك سعيهم , حتى وإن كان الطريق محفوفا بالمخاطر و العقبات , فمسيرة آلاف الأميال تبدأ بخطوة واحدة , وبداية السيل قطرة , ولا يحقرن أحدكم من المعروف شيئاً , وابدأوا بأنفسكم- رحمكم الله- إصلاحا ً و تهذيبا ً وسيراً في طريق الوحدة والاتحاد ، وليكن الحق رائدكم، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها , و الحق يجب أن يكون أحب إلينا من الأشخاص واللافتات , ولا يجوز أن نكتفي بالحماسات و الشعارات , بل لابد من إعمال القواعد الشرعية لتحقيق الأخوة الإيمانية و الوحدة الإسلامية حتى تؤتي دعوتنا ثمارها بإذن الله ، و كل منا على ثغر من ثغور الإسلام , فليحذر أن يؤتى الإسلام من قبله ، و لنحسن التوكل على خالق الأرض و السموات , فقلوب العباد بيده سبحانه دون أحد سواه , وندعوه جل في علاه أن يجعل صمتنا فكراً , و نطقنا ذكراً , ونظرنا عبراً ، وأن يجمع كلمة المسلمين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.