الماتريدية

2002-01-01 00:00:00| الشبكة الإسلامية

التعريف :

      الماتريدية : فرقة كلامية ، تنسب إلى أبي منصور الماتريدي ، قامت على استخدام البراهين والدلائل العقلية والكلامية في محـاجة خصومهـا ، من المعتزلة والجهمية وغيرهم ، لإثبات حقائق الدين والعقيـدة الإسلامية .

التأسيس وأبرز الشخصيات :

    مرت الماتريدية كفرقة كلامية بعدة مراحل ، ولم تُعرف بهذا الاسم إلا بعد وفاة مؤسسها ، كما   لم تعرف الأشعرية وتنتشر إلا بعد وفاة أبي الحسن الأشعري ، ولذلك فإنه يمكن إجمالها في أربع مراحل رئيسية كالتالي :

مرحلة التأسيس : (000-333هـ ) : والتي اتسمت بشدة المناظرة مع المعتزلة وصاحب هذه المرحلة :

أبو منصور الماتريدي ( 000-333 ) : وهومحمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقنـدي ، نسبة إلى ( ماتريد ) وهي محلة قرب سمرقند فيما وراء النهر ، ولد بها ولا يعرف على وجه اليقين تاريخ مولده ، بل لم يذكر من ترجم له كثيراً عن حياته أوكيف نشأ وتعلم ، أو بمن تأثر ، ولم يذكروا من شيوخه إلا العدد القليل مثل : نصير بن يحيى البلخي ، وقيل نصر وتلقى عنه الفقه الحنفي وعلوم الكلام .

أطلق عليه الماتريدية ، ومن وافقهم عدة ألقاب تدل على قدرة وعلو منزلته عندهم مثل : ( إمام الهـدى ) ( إمام المتكلمين ) .
      قال عبد الله المرائي في كتابه ( الفتح المبين في طبقات الأصوليين ) : ( إن أبا منصور قوي الحجة ، فحماً في الخصومة ، دافع عن عقائد المسلمين ، ورد شبهات الملحدين ) ( 1/193،194 ) . وقال عنـه الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه ( رجال الفكر والدعوة ) : ( جهبذ من جهابذة الفكر الإنساني ، امتاز بالذكاء والنبوغ وحذق الفنون العلمية المختلفة ) ( ص139) بل كان يرجحه على أبي الحسن الأشعري في كتابه تاريخ الدعوة والعزيمة ( 1/114-115 ) .
    عاصر أبا الحسن الأشعري ، وعاش الملحمة بين أهل الحديث وأهل الكلام من المعتزلة وغيرهـم ، فكانت له جولاته ضد المعتزلة وغيرهم ، ولكن بمنهاج غير منهاج الأشعري ، وإن التقيا في كثير من النتائج غير أن المصادر التاريخية لا تثبت لهما لقاءً أو مراسلات بينهما ، أو اطلاع على كتب بعضهما .
    توفي رحمه الله تعالى عام 333هـ ودفن بسمرقند ، وله مؤلفات كثيرة ، في أصول الفقه، والتفسير ومن أشهرها : تأويلات أهل السنة أو تأويلات القرآن : وفيه تناول نصـوص القرآن الكريم ، ولا سيما آيات الصفات ، فأولها تأويلات جهمية ، ومن أشهر كتبه في علم الكلام كتاب التوحيد: وفيه قرر نظرياته الكلامية ، وبين معتقده في أهم المسائل الاعتقادية ، ويقصد بالتوحيد : توحيد الخالقية والربوبية ، وشـيء من توحيد الأسماء والصفات ، ولكن على طريقة الجهيمة ، بتعطيلٍ كثيرٍ من الصفات بحجة التنـزيه ونفي التشبيه ، مخالفاً طريقة السلف الصالح ، كما ينسب إليه شرح كتاب الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة، وله في الردود على المعتزلة رد الأصول الخمسة وأيضاً في الرد على الروافض : رد كتاب الإمامة لبعض الروافض وفي الرد على القرامطة : الرد على فروع مذهب القرامطة .

مرحلة التكوين ( 333-500هـ ) : وهي مرحلة تلامـذة الماتريدي ومن تأثر به من بعـده ، وصنفوا التصانيف متبعين مذهب الإمام أبي حنيفة في الفروع ( الأحكام ) فراجت العقيدة الماتريدية في تلك البلاد أكثر من غيرها ، ومن أشهر أصحـاب هذه المرحلة : أبو القاسم إسحـاق بن محمد بن إسماعيل الحكيم السمرقندي ( 342هـ ) عرف بأبي القاسم الحكيم لكثرة حكمه ومواعظه ، وأبو محمد عبد الكـريم بن موسى بن عيسى البزدوي ( 390 هـ ) .
ثم تلى ذلك مرحلة أخرى تُعتبر امتداداً للمرحلة السابقة ، ومن أهم وأبرز شخصياتها :

أبو اليسر البزدوي (421-493هـ ) : هو محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم ، والبزدوي نسبة إلى بزدوة ويقال بزدة ، ولقب بالقاضي الصدر ، وهو شيخ الحنفية بعد أخيـه الكبير على البزدوي ، ولد عام (421هـ ) .
تلقى العلم على يد أبيه ، الذي أخذه عن جده عبد الكريم تلميذ أبي منصور الماتريدي ، قرأ كتب الفلاسفة مثل الكندي ، وغيره ، وكذلك كتب المعتزلة أمثال الجبائي ، والكعبي ، والنظام ، وغيرهم وقال فيـها : ( لا يجوز إمساك تلك الكتب والنظر فيها ، لكي لا تحدث الشكوك ، وتوهن الاعتقاد ) ولا يرى نسـبة الممسك إلى البدعة ، كما اطلع على كتب الأشعري ، وتعمق فيها ، وقال بجواز النظر فيها بعد معرفة أوجه الخطأ فيها ، كما اطلع على كتب التأويلات ، والتوحيد للماتريدي فوجد في كتاب التوحيد قليل انغـلاق وتطويل ، وفي ترتيبه نوع تعسير فعمد إلى إعادة ترتيبه وتبسيطه مع ذكر بعض الإضافات عليه في كتـابه أصول الدين .
    أخذ عن الشيخ أبي اليسر البزدوي جمعٌ غفير من التلاميذ ، من أشهرهم : ولده القاضي أبو المعالي أحمد ، ونجم الدين عمر بن محمد صاحب العقائد النسفية ، وغيرهما .
    توفي رحمه الله تعالى في بخارى في التاسع من رجب سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة .
    مرحلة التأليف والتأصيل للعقيدة الماتريدية (500-700هـ ) : وامتازت بكثرة التأليف وجمـع الأدلة للعقيدة الماتريدية ، ولذا فهي أكبر الأدوار السابقة في تأسيس العقيدة ، ومن أهم أعيان هذه المرحلة:

- أبو المعين النسفي ( 438-508هـ ) : هو ميمون بن محمد بن محمد بن معتمد النسفي ، المكحـولي، والنسفي نسبة إلى نسف وهي مدينة كبيرة بين جيحون وسمرقند ، وله عدة ألقاب أشهرها : سيف الحـق والدين .
وهو بين الماتردية كالباقلاني والغزالي بين الأشاعرة ، ومن أهم كتبه تبصرة الأدلة ، ويعد من أهم المراجع في معرفة عقيدة الماتريدية بعد كتاب التوحيد للماتريدي ، بل هو أوسع مرجع في عقيـدة الماتريـدية على الإطلاق ، وقد اختصره في كتابه التمهيد ، وله أيضاً كتاب بحر الكلام ، وهو من الكتب المختصـرة التي تناول فيها أهم القضايا الكلامية .
    توفي رحمه الله تعالى في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة ثمانٍ وخمسمائة ، وله سبعون سنة .

نجم الدين عمر النسفي ( 462-537هـ ) : هو أبو حفص نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن لقمان الحنفي النسفي السمرقندي ، وله ألقاب عدة أشهرها : نجم الدين ، ولد في نسف سنة إحدى أو أثنين وستين وأربعمائه .
    كان من المكثيرين من الشيوخ ، فقد بلغ عدد شيوخه خمسمـائة رجل من أشهرهم : أبو اليسـر البزدوي ، وعبد الله بن علي بن عيسى النسفي ، وأخذ عنه خلقٌ كثير ، وله مؤلفات بلغت المائة منها : مجمع العلوم ، التيسير في تفسير القرآن ، النجاح في شرح كتاب أخبار الصحاح في شرح البخاري وكتاب العقائد المشهور بالعقائد النسفية ، والذي يعد من أهم المتون في العقيدة الماتريدية وهو عبارة عن مختصـر لتبصرة الأدلة لابن المعين النسفي قال فيه السمعاني في ترجمته له : ( كان إماماً فاضلاً متقناً ، صنف في كل نوع من التفسير والحديث.. فلما وافيت سمرقند استعرت عدة كتب من تصانيفه ، فرأيت فيها أوهاماً كثيرة خارجة عن الحد ، فعرفت أنه كان ممن أحب الحديث ، ولم يرزق فهمه ) .
توفي رحمه الله تعالى بسمرقند ليلة الخميس ثاني عشر من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة .

مرحلة التوسع والانتشار (700-1300هـ ) : وتعد من أهم مراحل الماتردية حيث بلغت أوج توسعها وانتشارها في هذه المرحلة ، وما ذلك إلا لمناصرة سلاطين الدولة العثمانية ، فكان سلطان الماتريدية يتسع حسب اتساع سلطان الدولة العثمانية فانتشرت في شرق الأرض وغربها وبلاد العرب ، والهند والترك ، وفارس ، والروم .
    وبرز فيها أمثال : الكمال بن الهمام صاحب المسايرة في العقائد المنهجية في الآخرة والذي ما زال يدرّس المتون ، والشروح ، والشروح على الشروح ، والحواشي على الشروح .
    وهناك مدارس ما زالت تتبنى الدعوة للماتريدية في شبه القارة الهندية وتتمثل في :

مدرسة ديوبند والندوية ( 1283هـ-00000) وفيها كثر الاهتمام بالتأليف في علم الحديث وشروحه ، فالديوبندية أئمة في العلوم النقلية والعقلية ، إلا أنهم متصوفة محضة ، وعند كثير منهم بدعٌ قبورية ، كمـا يشهد عليهم كتابهم المهند على المفند للشيخ خليل أحمد السهارنفوري أحد أئمتهم ، و هو من أهم كتب الديوبندية في العقيدة ، ولا تختلف عنها المدرسة الندوية في كونها ماتريدية العقيدة .
    مدرسة البريلوي ( 1272 هـ-0000) نسبة إلى زعيمهم أحمد رضا خان الأفغـاني الحنـفي الماتريدي الصوفي الملقب بعبد المصطفى (1340هـ ) وفي هذا الدور يظهر الإشراك الصريح ، والدعوة إلى عبادة القبور ، وشدة العداوة للديوبندية ، وتكفيرهم فضلاً عن تكفير أهل السنة .
    مدرسة الكوثري ( 1296هـ-0000) وتنسب إلى الشيـخ محمد زاهـد الكوثري الجركسي الحنفي     الماتريدي ( 1371 هـ) ويظهـر فيها شدة الطعن في أئمة الإسلام ولعنهم ، وجعلهم مجسـمة ومشبهة ، وجعل كتب السلف ككتب : التوحيد ، الإبانة ، والشريعة ، والصفات ، والعلو ، وغيرها من كتب أئمة السنـة كتبا وثنية وتجسيم وتشبيه ، كمـا يظهر فيها أيضاً شدة الدعوة إلى البـدع الشركية وللتصوف من تعظيم القبور والمقبورين تحت ستار التوسل ، انظر تعليقات الكوثري على كتاب الأسمـاء والصفات للبيهقي ، وكتاب مقالات الكوثري .

أهم الأفكار والمعتقدات :
من حيث مصدر التلقي : قسّم الماتريدية أصول الدين حسب مصدر التلقي إلى :
- الإلهيات ( العقليات ) : وهي ما يستقل العقل بإثباتها والنقلُ تابع له ، وتشمل أبواب التوحيد والصفات
- الشرعيات ( السمعيات ) : وهي الأمور التي يجزم العقل بإمكانها ثبوتاً ونفياً ، ولا طريق للعقل إليها مثل : النبوات ، وعذاب القبر ، وأمور الآخرة ، علماً بأن بعضهم جعل النبوات من قبيل العقليات .
ولا يخفى ما في هذا من مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة ، حيث أن القرآن والسنة والإجماع هي مصادر التلقي عندهم ، فضلاً عن مخالفتهم في بدعة تقسيم أصول الدين إلى : عقليات وسمعيات ، والتي قامت على فكرة باطلة أحلها الفلاسفة من أن نصوص الدين متعارضة مع العقل فعملوا على التوسط بين العقل والنقل ، مما اضطرهم إلى إقحام العقل في مجالات بحثه ، فخرجوا بأحكام باطلة تصطدم مع الشرع ألجأتهم إلى التأويل والتفويض ، بينما لا منافاة عند أهل السنة والجماعة بين العقل السليم الصريح والنقل الصحيح .
    بناءً على التقسيم السابق فإن موقفهم من الأدلة النقلية في مسائل الإلهيات ( العقليات ) كالتالي :
إن كان النص من نصوص القرآن والسنة المتواترة مما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة عندهم ، أي مقبولاً عقلاً ، خالياً من التعارض مع عقولهم ، فإنهم يحتجون به في تقرير العقيـدة ، وأما إن كان قطـعي الثبوت ظني الدلالة عندهم أي : مخالفاً لعقولهم ، فإنه لا يفيد اليقين ، ولذلك تؤول الأدلة النقلية بما يوافق الأدلة العقلية ، أو تفوض معانيـها إلىالله عز وجل . وهم في ذلك مضطربون ، فليست عندهم قاعـدة مستقيمة في التأويل والتفويض ، فمنهم من رجح التـأويل على التفويض ، ومنهم من رجـح التفويض ، ومنهم من أجاز الأمرين ، وبعضهم رأى أن التأويل لأهل النظر والاستدلال ، والتفويض أليق للعوام .
         والملاحظ أن القول بالتأويل لم يكن على عهـد النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحـاب القرون المفضلة ، وإنما هي بدعة دخلت على الجهمية والمعتزلة من اليهود والنصارى ، وإلى التأويل يرجع جميع ما أُحدث في الإسلام من بدع فرقت شمل الأمة ، وهو أشر من التعطيل ، حيث يستلزم التشبيه ، والتعطيل ، وإتهاماً للرسول صلى الله عليه وسلم بالجهل ، أو كتمان بيان ما أنزل الله .
    وأما القول بالتفويض فهو من أشر أقوال أهل البدع لمناقضته ومعارضته نصوص التدبر للقرآن ، واستلزام تجهيل الأنبياء والمرسلين برب العالمين .
     وإن كان من أحاديث الآحاد فإنها عندهم تفيد الظن ، ولا تفيد العلم اليقيني ، ولا يعمـل بها في الأحكام الشرعية مطلقاً ، بل وفق قواعدهم وأصولهم التي قرروها ، وأما في العقائد فإنه لا يحتج بها ، ولا تثبت بها عقيدة ، وإن اشتملت على جميع الشروط المذكورة في أصول الفقه .
     وإن وردت مخالفة للعقـل ولا تحتمل التأويل رُدت بافتـراء ناقله أو سهوه أو غلطه وإن كانت ظاهرة فظاهرهـا غير مراد ، وهذا موقف الماتريدية قديمـاً وحديثاً ، حتى إن الكـوثري ومن وافقه من الديوبندية طعنوا في كتب السنة بما فيها الصحيحين ، وفي عقيدة أئمة السنة : مثل حماد بن سلمـة راوي أحاديث الصفات ، والإمام الدارمي عثمان بن سعيد صاحب السنن ، وهذا قول مبتدع محدث ابتدعتـه القدرية والمعتزلة لأن الأحاديث حجة عليهم ، وهو مخالف لفعـل النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يبعث الرسل إلى الملوك والرؤساء فُرادى يدعونهم إلى الإسلام ، وكذلك فإن تقسـيم ما ورد عن النـبي صلى الله عليه وسلم إلى متواتر وآحاد لم يكن معروفاً في عصر الصحابة والتابعين .

      كما رتبوا على ذلك وجوب معرفة الله تعالى بالعقل قبل ورود السمع ، واعتبروه أول واجب على المكلف ، ولا يعذر بتركه ذلك ، بل يعاقب عليه ولو قبل بعثة الأنبياء والرسل . وبهذا وافقوا قول المعتزلة : وهو قول ظاهر البطلان ، تعارضه الأدلة من الكتاب والسنة والتي تبين أن معرفة الله تعالى يوجبها العقل ، ويذم من يتركها لكن العقاب على الترك لا يكون إلا بعد ورود الشرع ، لقول الله تعـالى : ( وما كـنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) ( سورة الإسراء : 15 ) وأن أول واجب على المكلف وبه يكون مسلماً : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، والبراءة من كل دين يخالف دين الإسلام على الإجمال ، ولهذا لمـا أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن لم يأمره بغير ذلك ، وكذلك الأنبياء لم يدعوا أقوامهم إلا بقول : ( اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) ( سورة الأعراف :59 ) .
    وقالوا أيضاً بالتحسين والتقبيح العقليين ، حيث يدرك العقل حسن الأشياء وقبحها إلا أنهم اختلفوا في حكم الله تعالى بمجرد إدراك العقل للحسن والقبح ، فمنهم من قال : إن العبـاد يعاقبون على أفعالهـم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسول ، كما سبق ومنهم من قال بعكس ذلك .
     وذهبت كذلك الماتريدية كغيرها من الفرق الكلامية إلى أن المجاز واقع في اللغة والقرآن والحديث ، ويقصدون بالمجاز بأنه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له ، وهو قسيم الحقيقة عندهم ، ولذلك اعتمـدوا عليه في تأويل النصوص دفعاً - في ظنهم - لشبه التجسيم والتشبيه وهو بهذا المعنى : قول مبتدع، محدث ، لا أصل له في اللغة ولا في الشرع . ولم يتكلم فيه أئمة اللغة : كالخليل بن أحمد ، وسيبويه فضلاً عن أئمة الفقهاء والأصوليين المتقدمين .
     مفهوم التوحيد عند الماتريدية : هو إثبات أن الله تعالى واحد في ذاته ، لا قسيم له ولا جـزء له ، واحد في صفاته ، لا شبيه له ، واحد في أفعاله ، لا يشاركه أحد في إيجاد المصنوعات ، ولذلك بذلوا غاية جهدهم في إثبات هذا النوع من التوحيد باعتبار أن الإله عندهم هو القادر على الاختراع . مستخدمين في ذلك الأدلة والمقاييس العقلية والفلسفية التي أحدثها المعتزلة والجهيمة ، وأساطين الكلام والفلسفة ، وبينوا أن الطرق التي دل عليها القرآن أصح . بين ذلك أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر، وابن رشد الحفيد في مناهج الأدلة ، وشيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل ، وأيضاً خالفوا أهل السنة والجماعة بتسويتهم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ، فالإله عنـد أهل السنة : المألوه المعبـود الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له ، وما أرسلت الرسل إلا لتقرير ذلك الأمر ، ودعوة البشرية إلى توحيد الله تعالى في ربوبيته ، وألوهيته وأسمائه وصفاته .
    أثبتوا لله تعالى أسماءه الحسنى ، فقالوا لا يسمى الله تعالى إلا بما سمى به نفسه ،وجاء به الشرع. وفي ذلك وافقوا أهل السنة والجماعة في القول بالتوقيف في أسمائه تعالى إلا أنهم خالفوهم فيما أدخلوه في أسمائه تعالى : كالصانع ، القديم ، الذات .. حيث لم يفرقوا بين الأخبار عن الله تعالى وباب التسمية .
    وقالوا بإثبات ثماني صفات لله تعالى فقط ، على خلاف بينهم وهـي : الحياة ، القـدرة ، العلم ، الإرادة ، السمع ، البصر ، الكلام ، التكوين . وعلى أن جميع الأفعال المتعدية ترجع إلى التكوين ، أما ما عدا ذلك من الصفات التي دل عليهـا الكتاب والسنة ( الصفات الخبرية ) من صفات ذاتية ، أو صفات فعلية ، فإنها لا تدخل في نطـاق العقل ، ولذلك قالوا بنفيها جميعاً ، أما أهل السنة والجمـاعة فهم كما يعتقدون في الأسماء يعتقدون في الصفات وأنها جميعاً توقيفية ، ويؤمنون بها ( بإثبات بلا تشبيه ، وتنزيه بلا تعطيل ، مع تفويض الكيفية وإثبات المعنى اللائق بالله - تعالى - لقوله سبحانه وتعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) .
     قولهم بأن القرآن الكريم ليس كلام الله تعالى على الحقيقة ، وإنما هو كلام الله تعـالى النفسي ، لا يسمع ، وإنما يسمع ما هو عبارة عنه ، ولذلك فإن الكتب وما فيها من القرآن مخلوقة ، وهو قول مبتـدع محدث لم يدل عليه الكتاب ولا السنة ، ولم يرد عن سلف الأمة ، وأول من ابتدعه ابن كلاب ، فالله تعالى يتكلم إذا شاء متى شاء بما شاء ، ولا يزال يتكلم كما كلم موسى ، ويكلم عباده يوم القيـامة ، والقرآن كلام الله تعالى على الحقيقة ، غير مخلوق وكذلك التوراة والإنجيل والزبور ، وهـذا ما عليه أهـل السنة والجماعة من سلف الأمة الصالح ومن تبعهم بإحسان .
     تقول الماتريدية في الإيمان : إنه التصديق بالقلب فقط ، وأضاف بعضهم الإقرار باللسان ، ومنعوا زيادته ونقصانه ، وقالوا بتحرم الاستثناء فيه ، وأن الإسلام والإيمان مترادفان ، لا فرق بينهما ، فوافقـوا المرجئة في ذلك ، وخالفوا أهل السنة والجماعة ، حيث إن الإيمان عندهم : اعتقاد بالجنان ، وقول باللسان ، وعمل بالأركان ، يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية ، ويجوز الاستثـناء فيه ( المقصود عدم تزكية النفس ) والإيمان والإسلام متلازمان ، إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا .
     وافقت الماتريدية أهل السنة ، والجماعة في الإيمان بالسمعيات مثل : أحوال البرزخ وأمور الآخرة من : الحشر ، والنشر ، والميزان ، والصراط ، والشفاعة ، والجنة ، والنار ، لأنهم جعلوا مصدر التلقي فيها السمع ، لأنها من الأمور الممكنة التي أخبر بها الصادق صلى الله عليه وسلم وأيدتها نصوص الكتاب والسنة
    وبالتالي فإنهم أثبتوا رؤية الله تعالى في الآخرة ، ولكن مع نفي الجهة والمقابلة ، وهذا قول متنـاقض حيث أثبتوا ما لا يمكن رؤيته ، ولا يخفى مخالفته لما عليه أهل السنة والجماعة .
    كما وافقت الماتريدية أهل السنة والجماعة في القول في الصحابة على ترتيب خلافتهم ، وأن ما وقع بينهم كان خطأ عن اجتهاد منهم ، ولذا يجب الكف عن الطعن فيهم ، لأن الطعن فيهم إما كفر أو بدعة ، أو فسق ، كما يرون أن الخلافة في قريش ، وتجوز الصـلاة خلف كل بر وفاجـر ، ولا يجوز الخروج على الإمام الجائر .
    وأيضاً وافقوا أهل السنة والجماعة في القول : بالقدر ، والقدرة ، والاستطاعة ، على أن كل ما يقع في الكون بمشيئة الله تعالى وإرادته ، وأن أفـعال العباد من خير وشر من خلق الله تعالى وأن للعباد أفعـالاً اختيارية ، يثابون عليها ، ويعاقبون عليها ، وأن العبد مختار في الأفعال التكليفية غير مجبور على فعلها .


الجذور الفكرية والعقائدية :
    يتبين للباحث أن عقيدة الماتريدية فيها حق وباطل ، فالحق قـد أخذوه عن أهـل السنة من الحنفية السلفية ، وغيرهم ، لأن المستقرئ للتاريخ يجد أن الحنفية بعد الإمام أبي حنيفة رحمه الله تفرقوا فرقاً شتى في وقت مبكر ، ولم يسر على سيرة الإمام أبي حنيفة وصاحبيه إلا من وفقه الله عز وجل ، وقد كانت الغلبة في ذلك للأحناف المنتسبين للفرق المبتدعة من : جهمية ، ومعتزلة ، ولأن المصادر التاريخية لم تُشر إلى كيفية تلقي أبي منصور الماتريدي العلم ، أو من تأثر بهم من العلماء ، نستطيع ترجيح الآتي :
    تأثر أبو منصور الماتريدي - مباشرة أو بواسطة شيوخه - بعقائد الجهمية من الإرجاء والتعطيـل ، وكذلك المعتزلة والفلاسفة في نفي بعض الصفات وتحريف نصوصها ، ونفي العلو والصفات الخبرية ظناً منه أنها عقيدة أهل السنة .
    تأثر بابن كلاب (240هـ ) أول من ابتدع القول بالكلام النفسي لله عز وجل في بدعـته هذه ، وإن لم يثبت لهما لقاء ، حيث توفي ابن كلاب قبل مولده ، بل صرح شيخ الإسلام ابن تيمية أن أبا منصور الماتريدي تابع ابن كلام في عدة مسائل : الصفات ، وما يتعلق بها ، كمسألة القرآن هل سبحـانه يتكلمه بمشيئته وقدرته ؟ ومسألة الاستثناء في الإيمان ( مجموع الفتاوي 7/433 / منهاج السنة 2/362 ) .
الانتشار ومواقع النفوذ :
    انتشرت الماتريدية ، وكثر أتباعها في بلاد الهنـد وما جاورهـا من البلاد الشرقية ، كالصـين ، وبنغلاديش ، وباكستان، وأفغانستان . كما انتشرت في بلاد تركيا والروم ، وفارس ، وبلاد ما وراء النهر والمغرب حسب انتشار الحنفية وسلطانهم وما زال لهم وجود قوي في هذه البلاد ، وذلك لأسباب كثيرة منها :
1. المناصرة والتأييد من الملوك والسلاطين لعلماء المذهب ، وبخاصة سلاطين الدولة العثمانية .
2. للمدارس الماتريدية دورٌ كبير في نشر العقيدة الماتريدية ، وأوضح مثال على ذلك : المدارس الديوبندية بالهند وباكستان وغيرها ، حيث لا زال يدرس فيها كتب الماتريدية في العقيدة على أنها عقيدة أهل السنة والجماعة .
3. النشاط البالغ في ميدان التصنيف في علم الكلام ، وردهم على الفرق المبتدعة الأخرى ، مثل الجهمية الأولى ، والمعتزلة ، والروافض .
4. انتسابهم للإمام أبي حنيفة ومذهبه في الفروع .
يتضح مما سبق :
    أن الماتريدية فرقة كلامية نشأت بسمرقند في القرن الرابع الهجـري ، وتنسب إلى أبي منصـور الماتريدي ، مستخدمة الأدلة والبراهين العقلية والفلسفية في مواجهة خصومها من المعتـزلة ، والجهمـية وغيرهما من الفرق ، في محاولة - لم يحالفها التوفيق - للتوسط بين مذهب أهل السنة والجماعة في الاعتقاد ومذاهب المعتزلة والجهمية وأهل الكلام ، فأعلوا شأن العقل مقابل النقل ، وقالوا ببدعة تقسيم أصول الدين إلى عقليات وسمعيات مما اضطرهم إلى القول بالتأويل والتفويض وكذا القول بالمجاز في القرآن الكريم والسنة النبوية ، وعدم الأخذ بأحاديث الآحاد ، وبالقول بخلق الكتب ومنها : القرآن الكـريم ، وعلى أن القرآن الكريم كلام الله تعالى النفسي . مما قربهم إلى المعتزلة والجهمية في هذا الباب ، وإلى المرجئة في أبواب الإيمان ، وأهل السنة والجماعة في مسائل : القدر ، وأمور الآخرة وأحوال البرزخ وفي القول في الإمامة ، والصحابة رضي الله عنهم . ولما كان مفهومهم للتوحيد أنه يقتصر على: توحيد الخالقية ، والربوية ، مما مكن التصوف الفلسفي بالتغلغل في أوساطهم ، فغلب على كبار منتسبيهم، وقوي بقوة نفوذ وانتشار المذهب ، لوجود أكثر من دولة تحميه وتؤيده مثل: الدولة العثمانية ، فضلاً عن وجود جامعات ومـدارس مشهورة تعمل على نشره ، وكان لانتسابهم لمذهب الإمام أبي حنيفة في الفروع أثره البالـغ في انتشـار المذهب الماتريدي إلى اليوم ، ومع هذا فإن للماتريدية خدمات جليـلة في الرد على : المعتزلة والباطنـية والفلاسفة الملحدين والروافض ، ولهم جهود مشكورة في خدمة كتب الحديث .
مراجع للتوسع :
أ. كتب المذهب :
- كتاب التوحيد ، أبو منصور الماتريدي .
- تأويلات أهل السنة ، أبو منصور الماتريدي .
- تبصرة الأدلة ، أبو المعين النسفي .
- بحر الكلام في علم التوحيد ، أبو المعين النسفي .
- شرح العقائد النسفية ، لنجم الدين عمر النسفي /التفتازاني .
- المسامرة في العقائد المنهجية في الآخرة ، ابن الهمام مع شرحه المسامرة لابن أبي شريف ، شرح قاسم بن قطلوبغا .
- رسالة التوحيد ، الشيخ محمد عبده .
- رسالة في الخلافات بين الأشعرية والماتريدية والمعتزلة ، مستحي زاده عبد الله بن عثمان .
- مقالات الكوثري ومعها مقدمة البنوري الديوبندي ، لأحمد خيري .
- تاريخ الدعوة الإسلامية وتطورها في شبه القارة الهندية ، د. محيى الدين الألوائين .
- العلماء العُزاب ، الشيخ عبد الفتاح أبو غدة .
- الأجوبة الفاضلة ، للكنوي ، تعليقات الشيخ عبد الفتاح أبو غدة .
- عقيدة الإسلام والإمام الماتريدي ، د. أبو الخير محمد أيوب البغلاديشي .
- الفتاوي الرشيدية ، للشيخ رشيد أحمد الكنكوهي الديوبندي .
ب. كتب ومراجع لغير المذهب :
- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ، أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي .
- الأسماء والصفات ، البيهقي .
-الإيمان ، ( مجموع الفتاوى : 7/4-421 ) شيخ الإسلام ابن تيمية .
- الإكليل في المتشابه والتأويل ( مجموع الفتاوي :13/270-314 ) شيخ الإسلام ابن تيمية .
- درء تعارض العقل والنقل ، شيخ الإسلام ابن تيمية - تحقيق د. رشاد محمد سالم .
- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ، ابن قيم الجوزية ، تحقيق د. عبد الله المعتق .
- ذم التأويل ، ابن قدامة المقدسي .
- التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل ، عبد الرحمن بن يحيى اليماني المعلمي .
- البريلوية عقائد وتاريخ ، إحسان إلهي ظهير .
- الماتريدية ، رسالة ماجستير ، أحمد بن عوض الله اللهيبي الحربي .
- الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات ، رسالة ماجستير ، للشمس الأفغاني السلفي .
- منهاج الماتريدية في العقيدة ، د. محمد بن عبد الرحمن الخميس .
- مناهج الأدلة في عقائد الملة ، ابن رشد الحفيد ( أبو الوليد الأصفر محمد بن أحمد الفلسفي ).
- براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة ، د. أبو زيد بكر بن عبد الله أبو زيد .
- مقدمة شرح العقيدة الطحاوية ابن أبي العز الحنفي - محمد ناصر الدين الألباني .
- الاستقامة ، شيخ الإسلام ابن تيمية .
- الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنـزيه ، محمد آمان بن علي الجا

1431 هـ©Islamweb.netجميع حقوق النشر محفوظة