الميكانيزمات النفسيّة الدفاعية كصوارف عن الحق..آلية الكبت

2017-10-31 16:54:32| الشبكة الإسلامية

عديدٌ من المسلمين، كما الدّعاة دائماً ما يتساءلون بينهم في مجالسهم، وعلى المنتديات، ومواقع المُدارسات، سؤالاً تعجّبيّاً تكرّر على مسامعي كثيراً، وهو : كيف للملاحدة أن ينكروا وجود الله تعالى ؟ كيف يستطيعون العيش بدون دينٍ ؟ أليست لهم فطرة؟ أليس لهم نزوعٌ غريزيّ نحو التديّن كباقي البشر ؟

والعديد من الأجوبة تعطى حينها؛ بين من يعتقد أنّهم كائناتٌ ماتت قلوبهم، أو أنّهم على خلافِ البشر قتلوا فطرتهم، وبين من يقول بطمسها، وهكذا .. لكن كلّ تلك الأجوبة تظلّ قاصرةً وعاجزةً عن فهم نفسية الملحد والشاكّ، فمن مات قلبه لن يرجى له إيمان ! لكننا نرى أعتى الملاحدة يعلنون رجوعهم للإيمان بالله تعالى، وأخبث الشتّامين لدين الإسلام في المواقع الإجتماعيّة يعلنون إسلامهم! فهل هؤلاء كانت ميّتةً قلوبهم ؟ مقتولةً فطرهم ؟
بل كانت فطرهم مكبوتةً، وإلا لما كان الضّنك والحزن مصاحبان لحياة الملحد في مسيرته العُمُريّة، فنداءُ الفطرة موجودٌ، والتشوّف لدين الله حاضرٌ، والتديّن مُتمنّى؛ لكنّ كل ذلك كان مكبوتاً، طرحه الملحد في لا وعيه، وذلك عن طريقِ ميكانيزمٍ دفاعيٍّ يسمّى الكبت Refoulement.

والكبت هو عمليّةٌ تكونُ حينما تكون مجموعةٌ من المشاعر والغرائز والدوافع والمعتقدات غير مقبولةٍ في وعي الإنسان المعنيّ، فيلقي بها في اللاوعي l’inconscient ، أو الأنا الأعلى surmoi، والتي سبق أن عرّفناها في مقدمة هاته السلسلة من المقالات.
فآلية الكبت تعمل بصفةٍ اختياريّة sélective، بمعنى أن تختار ما يتعارض مع ما يريده الإنسان، وفي حالة صدامٍ بين أحاسيس يشتاق إليها الشخص وبين واقعٍ بناه المعنيّ كشخصيّةٍ، ولكي أقرّب للأعزّاء القراء أمثلة من ذلك أقول :

ثابتٌ في علم النفس الإجتماعي -1- أن الإنسان كائنٌ متديّن بالفطرة، يتشوّق للدين، وللاعتقاد في وجود إله للكون، فهاته مجموعةٌ من الأحاسيس والغرائز المركوزة في النّفس البشريّة التي يكبتها هذا الملحد! يقمعها قمعاً ولا يبالي بنداءاتِ فطرته، لأنّه ببساطةٍ بنى ذاك الصرح الإلحادي وارتضاه لنفسه، فهو يريد أن يكون ملحداً، يعيش في كنفِ هذا المعتقدِ، يرى من خلال منظاره، يحبّ، يعشق، يعيش، يصادق، يعمل، يتكلّم، يبني آراءه كلمحدٍ !

فيظهر هذا الميكانيزم الدفاعي ليلقي بتلك المشاعر والأحاسيس والأفكار، في اللاوعي، ينساها لبرهاتٍ، لفتراتٍ، ثم تعود لتقضّ مضجعه من جديدٍ ! وهكذا، وكأنّه يدور في حلقةٍ مفرغةٍ عمرهُ كلّه، كشقاءٍ حياتيٍّ اختاره لنفسه، وارتضاه شعاراً له في الحياةِ! لأنّ المكبوتَ دائماً ما يكون حركيّاً dynamique، ودائماً ما يبحث عن وسيلةٍ لكي يتحرّر من هذا الكبت والقمع ! يبحث دون كللٍ أو مللٍ لكي يتسرّب إلى الوعي la conscience، هاته المحاولات تكون إما عن طريق أحلامٍ، فلتات اللسان، وسبق الأقلام les lapsus، وغيرها ..

ولهذا حسب علم النّفس فهذا الميكانيزم الدّفاعي يقود إلى أمراضٍ كثيرةٍ نفسيّةٍ منها العصاب la névrose، نظراً لكمّ المجهود النفسي الذي يبذله الشخص لكي يكبت تلك الاشتياقات والغرائز! فعودة المكبوت le retour du refoulé هو الذي يجعل الملحد دائماً يبحث عن الحوارات الدينيّة، ويدخل إلى المواقع الإسلاميّة، وعددٌ منهم يصارحوننا بأنهم قد أصبحوا يعيشون شقاءً نفسيّاً، وإعياءً روحيّاً، وتعباً دائماً fatigue perpétuelle، ولم يستطيعوا التحمّل أكثر فيطلبون يد العون من داعيةٍ أو متخصصٍ!


لهذا فهذا الميكانيزم الدّفاعي من أخطر الميكانيزمات الدّفاعيّة المعروفة على الصحّة النّفسيّة للفرد؛ وينبغي عليك أيها الملحدُ صدقاً أن تعيد النّظر في معتقدك، ولا تكبت نداءات الفطرة المتكررة، ولا غريزتك التديّنيّة في بواطن نفسك، ولا ترفض التسليم لخالقك؛ لأنّك سوف تجني حينها فقط على نفسك، تعيشٌ عُمراً ناقص السّعادة، مختلّ الصحّة، دائماً تعيش في قلقٍ لا تدري من أين يأتي، وضنكٌ لا تعرفُ له مصدراً ! وتموتَ كافراً لا تحيا في الأخرى منعّماً !

إن الكبت من أشدّ الموانع التي تبعدك عن نور خالقك، وتصرفك عن رسالةِ ربّك؛ تهوي بك، تعادي عليها عائلتك، وربما قد تفترق بها عن زوجك، فلماذا كلّ هذا العناء قل لي بربّك ؟

فالإنسان السويّ العاقل، هو الذي يصغي إلى فطرته، وإلى مكنوناتها، وخزائنها، ويستجيب لنداءِ عقله المسدّد بنورها؛ لا أن يكبتها ويبعدها، ففي ذلك شقاءك، فبادر أيها الشاكّ، وبادري أيتها الشاكّة، فما هي إلا حياةٌ واحدةٍ كفرصةٍ، فاغتنموا هداكم الله .

هوامش المقال
-1- راجع مقالي "دلالات العودة الراهنة للدين في الفلسفة الحديثة" على إسلام ويب.

 

1431 هـ©Islamweb.netجميع حقوق النشر محفوظة