الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل طاعة الوالدين تجب في كل الأحوال؟
رقم الإستشارة: 2119956

5227 1 450

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب أبلغ من العمر 24 عاما، أعاني من مشكلة كبيرة في حياتي من ناحية والدي، توفيت والدتي منذ سبع سنوات، ولي أخت متزوجة، الآن المشكلة أن والدي كان يتبع مذهب الصوفية وكان كذلك منذ صغرنا، فأنا منذ وفاة والدتي أعيش مع خالتي، وهو من بعد وفاتها ازداد في سلوك هذا الاتجاه، وأنا لا أعلم ما هي حقيقتهم، لكن كنت أراه يفتح مواقع السحر في النت ومقالات عن الشيخ التيجاني وأسماء غريبة، كذلك كنت مرة في زيارة له كان يحبس نفسه في غرفة مظلمة ولديه قطعة خشب كجذع شجرة محفور عليها آية الكرسي، ووجدت ورقة مليئة بأسماء غريبة ليس لها معنى، فأصبحت أخاف منه جدا، فشككت هل يمارس السحر أو كان يؤذينا به ولا نعلم، ووصلت لدرجة أني أرغب بقطيعته، وكانت عائلتي تنصحه دائما، إلا أنه مازال على هذا الحال، وكان دائما في حياة والدتي يترك عمله من حين للآخر بدون مقدمات أو حجج غريبة، وأسمعه محتجا باتكاله علي القدر وتاركا للأسباب، بالإضافة إلى معاناة كثيرة قضيناها أنا وأختي بسببه في حياتنا، لعل بعدنا عنه كان خيرا، ولكن لا أعلم هل أنا على حق أم ماذا علي أن أفعل تجاهه.

هو حاليا بدأ يغير من نفسه لكن مازال على السلبية التي تعودناها منه، والكسل الذي أراه فيه دائما، والآثار السلبية التي نتجت عن ذلك أني أصبح لدي وسواس أن ما يفعله هو الحق، مثلا أشعر أن الله يريد أن أطيع والدي مهما فعل، وأن أفعل مثله، فأصبحت أرى أن الأخذ بالأسباب والتوكل لا فائدة منه، أرجوكم أريد أن أتخلص من هذه الحرب النفسية، ولا أريد أن أكرر ما فعله أبي بنفسه وأنفسنا، وجزاكم الله كل خير.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد لله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،


فمرحبًا بك أيها الأخ الحبيب في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لك التوفيق والهداية، وأن يصرف عنك السوء وأهله.

لا شك أيها الحبيب أن ما يفعله أبوك من التعلق بأهل الضلال من المنحرفين عن جادة الصواب المخالفين لما عليه سلف هذه الأمة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان، لا شك أن هذا الطريق طريق ضلال، وهل بعد الحق إلا الضلال كما أخبر الله تعالى في كتابه، فنحن ننصحك أولاً إن كنت حريصًا على النجاة بنفسك يوم العرض على الله سبحانه وتعالى والسلامة من عقابه: أن تلزم طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام وأئمة المسلمين المشهود لهم بالعلم والفضل كالأئمة الأربعة، ونوصيك بالتعرف على أهل السنة في بلدك الذين يتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ولله الحمد كثر وأشهر من أن يُشهر أمرهم، فنوصيك بالتعرف عليهم والجلوس معهم وتعلم أمور دينك، وفي ذلك بإذن الله تعالى العصمة من الضلال.

أما مسألة القدر والأسباب فمما لا شك فيه أيها الحبيب أن الله عز وجل قدر المقادير وجعل لها أسبابًا، وأخبرنا بذلك في كتابه سبحانه وتعالى فأقام على ذلك دينه وأقام الحياة على هذا، وأمر أنبياءه بالأخذ بالأسباب، قال سبحانه وتعالى: {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا} فهو يأمر الصديقة مريم عليها السلام وهي تعاني آلام الوضع، فهي امرأة مريضة تضع، ومع ذلك يأمرها بهز جذع النخلة، ومعلوم أنها لم تهزه ولا تقدر على ذلك، ولكنه أراد أن يعلم الناس أن لكل شيء سببًا، وكما قال عمر رضي الله تعالى عنه حينما تجنب الدخول إلى بلاد الشام حين وقع فيها مرض الطاعون، فعُوتب على ذلك، قيل له (أتفر من قدر الله؟) قال: (نفر من قدر الله إلى قدر الله) فمدافعة أقدار الله تعالى بالأخذ بالأسباب الشرعية هي الطريقة الشرعية، ولذلك قال العلماء: ترك الأسباب قذف في الشريعة.

فليس بصواب أبدًا أيها الحبيب الاتكال على القدر وترك الأخذ بالأسباب، فكن على حذر من الانزلاق وراء هذا المسلك، وينبغي لك أن تبذل وسعك وأن تتلطف بأبيك قدر الاستطاعة في محاولة تعريفه الصواب، بأن توصل إليه نصيحة من ينفعه نصحه، فتهديه الأشرطة التي تبين فيها السنة وفضلها والتمسك بها، ومعرفة طريق الحق، وإن كنت لا تُحسن هذا فبإمكانك بعد أن تتعرف على الناس الصالحين الطيبين أن تطلب منهم زيارة لأبيك، فيستطيع الواحد منهم أن يعرفه ما ينبغي أن يعرف.

وعلى كل حال أيها الحبيب فإن الحذر من أن تقع أنت في هذا المزلق أمر مؤكد مهم، فينبغي لك أن تبذل ما تستطيعه من أسباب في هداية أبيك، ولكن ومهما كان حال هذا الوالد فإن بره والإحسان إليه أمر واجب عليك في غير معصية الله تعالى، فقد أرشد سبحانه وتعالى وأمر بالإحسان إلى الوالدين الكافرين اللذين يُجاهدان ولدهما من أجل أن يكفر، كما قال سبحانه وتعالى: {وإن جاهداك على أن تُشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا} فنهى عن طاعتهما في الكفر ولكن أمر بمصاحبتهما بالمعروف.

فالبر معناه الإحسان إلى الوالدين، فينبغي لك أن تبذل ما تستطيعه من الإحسان إلى الأب من الصلة والمعروف وإمداده بالمال إذا كنت قادرًا على ذلك وكان يحتاجه، والكلمة الطيبة، والرفق به، ونحو ذلك من الإحسان الذي يسره، فإن هذا مما أُمرت به.

ونحن على ثقة أيها الحبيب بأن حسن تعاملك مع أبيك والمبالغة في بره والتلطف في نصحه، سيؤدي ثمارًا طيبة ونتائج حسنة، وسيجعلك الله عز وجل سببًا بإذن الله تعالى لإخراج هذا الأب مما هو فيه من التيه والضلال.

نسأل الله تعالى أن يقدر لكم الخير حيث كان ويعينكم عليه.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً