الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أبي يجبرني على الزواج بابنة زوجته، فما توجيهكم؟
رقم الإستشارة: 2155702

3521 0 538

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الأستاذ الشيخ/ موافي عزب: تحية طيبة، وبعد

أكتب لسيادتكم، وأرجو من الله عز وجل أن تقوم بالرد علي في أسرع وقت.
أنا والحمد لله شاب عندي 27 عاماً، وأشغل وظيفة مرموقة، ونيتي الخالصة لله عز وجل أن يرزقني بالزوجة الصالحة، وتكون نعم الزوجة والأم الحنون؛ ذلك لأني فقدت والدتي رحمها الله وأنا ابن سنتين، فلم أهنأ بحنان الأم وحبها، بل لاقيت الأمرين من زوجات أبي!

حكايتي يا أستاذي وشيخي الفاضل، تتلخص في أني عند تخرجي والتحاقي بالعمل أجبرني والدي على الزواج من ابنة زوجته، وأنا -والله العظيم- أعتبرها أختي، لا أكثر ولا أقل، ونظراً لخوفي من عصيان والدي وغضب الله علي، وبالرغم من أن والدي غير حنون علي وافقته خوفاً من غضبه أو تعبه، وقلت له سوف أخطبها فلم يرض بغير كتب الكتاب، قلت له لا أحبها أو أعرف كيف أحولها من أخت إلى زوجة؟!

هي للأمانة محترمة ومودبة، وبنت حلال، ولكني لا أحبها أو أشعر تجاهها بأي شيء، وكلما أقول لأحد يقول لي ستحبها بالعشرة، لكن ما أحببتها، وقعدت معي سنتين وانفصلنا، وأعطيتها حقها، وتعرفت على إنسانة من أحد المواقع في النت، الخاصة بالزواج الإسلامي، وتكلمنا مع بعض، وأعجبت بها وطلبت من أبي أن يأتي معي، ولكنه رفض.

أخذت إليهم خالتي وذهبنا، وجدتهم أناساً بسطاء، ولكن تجمعهم المحبة والحنان المترابط بين الأب والأم والإخوة في بيتها فقربوني إليها أكثر، وأدركت أني سوف أكون سعيداً معها، ولكن ترددت عند علمي بأن والدى لن يوافق.

الآن أنا على استعداد للزواج بها، بعد أن قلت لوالدي إني أحبها، وقال افعل ما بدا لك، ولكنك لست ولدي، ويعلم الله أني لا أغضبه قط، ولكني أحببت الأخرى لتدينها ومعرفة متطلباتي وحنيتها على ورغبتها القصوى في إسعادي عكس الاولى، التي لم أكن أشعر من ناحيتها بأي شيء فلم أفتح قلبي لها.

بالله عليكم دلوني إلى الطريق السليم: هل أكمل مع الإنسانة التي أحبها، وأكمل خطبتي لها أم أرجع للثانية رغبة لوالدي؟

علماً بأن عماتي وأعمامي والجميع يقول لي اسمع كلام ابيك، الأولى نعرف عنها كل حاجة، وهي في أيدينا ما تقدر تفتح عينها في عينك، والكلام عن الأصول والاحترام لأنهم يعرفوها، ويقولون الثانية ما نعرف عنها شيئا، أنت تعرفها من النت ويشككوني في أخلاقها.

يعلم الله أني صليت أكثر من مرة لأجلها صلاة استخارة، وأنتظر استشارتكم لإرشادي بعد الله للطريق السليم، هل لي أن أكمل خطبتي على الثانية وأتزوجها، ولكني لا أعلم ماضيها، ولا أعلم كل شيء عن أهلها؟ أم أتزوج من ارتضاها والدي ووافق عليها؟

أنا أعلم كل شيء عنها، بالرغم من أني لا أشعر من ناحيتها غير أنها كأخت لي، وما خاب من استخار ولا ندم من استشار، وفقكم الله لما فيه الخير.

أرجو الإجابة سريعاً، وشكراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ كريم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

إنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يبارك فيك، وأن يُكثر من أمثالك، وأن يثبتك على الحق، وأن يهديك صراطه المستقيم، وأن يمنّ عليك بزوجة صالحة طيبة مباركة، تكون عونًا لك على طاعته ورضاه.

وبخصوص ما ورد برسالتك - أخي الكريم الفاضل (كريم) – فإنه مما لا شك فيه أن اختيار الزوجة من أهم القضايا التي تواجه الشاب المسلم، لأن الزوجة إذا كانت على قدر من الصلاح والديانة والاستقامة، وإذا كانت مقبولة من زوجها فإنها تلعب دورًا مهمًّا جدًّا، بل وفي غاية الأهمية في حياة زوجها وأبنائها، فإن المرأة الصالحة تعين زوجها على الصلاح، وتتقي الله في زوجها وفي نفسها وفي أولادها، وزوجها يزداد بها خيرًا وبركة وتقدمًا وازدهارًا.

أما المرأة إذا لم تكن مرغوبة من قِبل زوجها فإن الحياة يعتريها شيء من الفتور وشيء من الكسل والتراخي، لأن الحب حقيقة هو وقود الحياة الزوجية، وهو مُشعل نارها، فإذا وُجد الحب ما بين الطرفين استطاع هذا الحب أن يلعب دورًا فاعلاً ومؤثرًا في بذل كل طرف من الطرفين لكل ما يمكن بذله من طاقة لإسعاد الآخر وللمساهمة في دفع عجلة الحياة الزوجية إلى الأمام دائمًا أبدًا.

أما إذا كان الحب من طرف واحد فإننا سنجد شخصًا مُضحيًا والآخر متكاسلاً، وبالتالي يُصبح أشبه ما يكون بسيارة تمشي على عجلة واحدة أو تمشي على جهة واحدة، أو رجل يمشي على رجل والرجل الثانية معطلة.

فمن هنا لابد أن يكون هناك انسجامًا وتوافقًا ما بين الطرفين، على الأقل في الأمور المطلوبة شرعًا وفي الواجبات من كل طرف تجاه الطرف الآخر.

لذلك أنا معك فعلاً في أن الاختيار مهم، وأن الفتاة التي يميل إليها الشاب ويرى فيها فتاة مستقبله وأُمًّا لأولاده، ويرى فيها الزوجة الصالحة، ويرى فيها من الصفات ما هو في حاجة إليه، قطعًا ستكون هي أقدر على إسعاده من غيرها.

أما بالنسبة لمشكلتك أنت فإن المشكلة حقيقة في غاية الصعوبة، مشكلة عويصة جدًّا، وذلك لأن والدك – غفر الله له – يفرض عليك ابنة زوجته، وأنت تقول بأنها سيدة فاضلة ومؤدبة ومحترمة، وفيها صفات رائعة، ولكنك تتعامل معها كأخت، نظرًا لكونكما نشأتما في بيت واحد، وليس بينكما العاطفة التي تكون ما بين الرجال والنساء، وإنما بينكما عواطف في الأخوة، وهذا مع الأسف الشديد يحدث كثيرًا في معظم الحالات التي تُشبه حالتك، نجد فعلاً أن هناك عواطف متبادلة بين الطرفين ولكنها من نوع آخر، ليست عاطفة الحياة الزوجية، وإنما عاطفة الأخوة والاحترام والمحبة، ولكنها من نوع آخر غير المحبة التي تقتضيها الحياة الزوجية.

ومن هنا فإني أرى أن والدك – غفر الله لنا وله – قد تعسّف حقيقة في استعمال حقه الشرعي وفي إجبارك على أن تتزوج بفتاة أنت لا تشعر بأدنى ميل زوجي إليها، وإنما تتعامل معها كأخت تحترمها وتقدرها، ولكن ما فكرت يومًا من الأيام أن تكون زوجة لك، وهذا في الواقع – أخِي الكريم (كريم) – اختبار في غاية الصعوبة، لأني لا أستطيع (حقيقة) أن أقول بأنك تخالف أمر والدك، حتى وإن كان أمره هنا ليس واجبًا، طاعته ليست واجبة باتفاق أهل العلم في مثل هذه الأحوال، لأن قضية الزواج قضية خاصة وهي تخصك أنت شخصيًا، وكان الأولى

بأبيك ألا يحجر عليك وألا يضيق واسعًا، وإنما يعرضها عليك فإن قبلتها قبلتها، وإن قبلت غيرها فعليه أن يقف معك في زواجك حتى تكون أمام من تتقدم إليهم مرفوع الرأس، وقد جئتهم بوالدك، وهذا مما لا شك فيه يدعم مركزك إلى أبعد حد كما تعرف من عادات المجتمع المصري.

أما إصرار والدك على أن تتزوج بهذه الفتاة بعينها وإن لم تفعل ذلك فلن يأتي معك في أي فرصة أخرى لخطبة فتاة أخرى، أرى أن والدك – جزاه الله خيرًا – حقيقة قد أساء استعمال حقه، وقد ضيع فرصة من الممكن أن يستغلها استغلالاً حسنًا بوجوده معك في اللحظات الحرجة كهذه أو في اللحظات الحاسمة.

حتى لا يزيد الطين بلة ولا تزداد المعاصي وتقوى على حساب مشروع الزواج، أرى بارك الله فيكَ أن تؤجل الزواج قليلاً، وأن تتوقف عن هذا الأمر، لا بالنسبة للأخت الأولى ولا بالنسبة للثانية، وإنما تقول (أنا - إن شاء الله تعالى – أنتظر حتى أرتب أموري وأرتب أحوالي، وفي الوقت المناسب سوف ترى مني مفاجأة).

توجه إلى الله عز وجل بالدعاء خلال هذه الفترة أن يشرح الله صدر والدك لكي يعدل عن فكرة إلزامك بالزواج من ابنة زوجته، لأن هذا الأمر لا يجوز شرعًا أن تُخالف أمر والدك وأن تتزوج، لأن هذا قد يؤدي إلى العقوق ويؤدي إلى قطيعة الرحم، وقد يؤدي إلى أشياء كثيرة أنت في غنى عنها.

أنصحك بارك الله فيكَ: ما دمت لا تستطيع أن تقنعه بزواجك من الأخت الثانية التي ترى أنها أفضل من الأولى، فأنا أرى أن تصبر، وأن تتوجه إلى الله بالدعاء حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً، واعلم أن الدعاء سلاح رائع وجبار ومؤثر غاية التأثير، فإن الله قادر على أن يحول ويقلب قلب والدك من الرفض إلى القبول، بل قد يأتي معك ويتولى ذلك كله بنفسه.

أرى أن تنتظر قليلاً، وألا تورط نفسك في الارتباط مع هذه الفتاة دون رغبة والدك حتى لا تفقد رضوان الله عليك، وحتى لا تفقد أيضًا رضا والدك عنك.

أسأل الله أن يوفقك لكل خير، وأن يقدر لك الخير حيث كان ثم يرضيك به.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك
  • أمريكا اسامة اويس

    بارك الله لكم فيما تبذلونه من جهود في خدمة المسلمين.وكم انا مسرور بهذه التوجيهات التي تدل على العلم والتجربة في هذا المجال. جزاكم الله خيرا وجعل مثوبتكم الفردوس.

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً