الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعاطيت الحشيش فأصبت بالخمول وضعف الثقة والكسل!
رقم الإستشارة: 2274779

5116 0 232

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أستاذي الدكتور محمد عبد العليم: أشهد الله على محبتك فيه وجزاكم الله على مجهودكم كل خير.

استشارتي هي عبارة عن مراحل:
المرحلة الأولى: داهمني شعور القلق عندما كنت بالصف الثاني الثانوي، حينما ذهبت إلى النوم وبدأت أفكر بالاختبارات وأنني ربما سأرسب، وجاءني شعور غريب، فذهبت إلى أبي وأخبرته، وذهب بي إلى الطبيب، وقال لي الدكتور: لا تفكر -يا بني- وقال لي كلاما جميلا حتى ذهبت إلى المنزل وشغلت التلفاز ونمت عليه، وبعد ذلك بيومين ذهبت تلك الأعراض عني.

بعد هذه القصة بحوالي 5 سنوات تعاطيت الحشيش مع أصحابي, وكنت خلالها متخرجا فأتتني وظيفة خارج مدينتي، وذهبت إليها، ومع تعاطي الحشيش انتابني كسل غير طبيعي وخمول غير طبيعي، وخلال هذه المدة أرى أصحابي سعداء ونشيطين، وأنا كسول، وأنهم يتحدثون أفضل مني وبطلاقة، وأنا لا أعرف مثلهم، وأنهم يملكون ذاكرة قوية أفضل مني، ومع هذه الأفكار الهدامة بدأت أكره نفسي، فتوترت كثيرا وقلقت, فانتابتني وساوس لم أستطع السيطرة عليها في رأسي: أنني إنسان لا أملك ذاكرة قوية، وأنهم أفضل مني، واستمرت معي أسبوعا تقريبا.

بعد الأسبوع عزمت على ترك الحشيش، والحمد لله تركته وأقلعت عنه نهائيا إلى هذا اليوم بعد 8 سنوات، وكانت المعاناة بتلك الأيام -يا دكتور- هي كالتالي:
أصل إلى درجة كبيرة من الضعف وفقد الثقة بالنفس، وعندما أجد نفسي أتكلم بطلاقة ترجع ثقتي في نفسي، وأنني شخص مثلهم، وأهدأ قليلا وأسعد بذلك، وأن الأفكار كانت كاذبة، فأرتاح يوما إلى يومين بثقة جميلة، ولكن المصيبة أنه لا يمضي يومان إلا وأرجع إلى حالة الكسل والخمول، فأبدأ أوسوس: أنهم أفضل مني، مع طابع خجل أثناء بداية الأفكار, فأستسلم لها، وأراقب حديث الناس، وأنتقد نفسي كثيرا إلى أن تمضي أيام، وبعدها أجد نفسي أسترجع ثقتي بالحديث بطلاقة، وتعاودني الثقة، فأضحك على نفسي: كيف لتلك الأفكار أن تحطمني؟! ولكن –للأسف- نوبات الاكتئاب والخجل بعدها بيومين أو يوم ترجع لي، وأدخل الاسطوانة مرة أخرى.

مشكلتي -يا دكتور- هي التدقيق على نفسي، ومراقبتي لذاتي، مع وساوس جديدة كل فترة تقريبا، والحمد لله بعدها بسنة استطعت إقناع نفسي أنها وساوس، وكانت ترجع لي ولكن بصورة أقل, ولكن المشكلة العظمى هي الخمول والكسل والتدقيق على الناس، ومراقبة النفس، وهذا ما يجعلني لا أستطيع التحدث بطلاقة، فبالي مع نفسي ومستمر إلا بعض الأحيان.

مع العلم أني كثير الثقة بنفسي قبل تعاطي الحشيش وهذه الحادثة، أتمنى إجابتي؛ لأني إلى الآن أعاني من المراقبة الذاتية، مع العلم أن الحادثة التي حدثتك عنها هي قبل 8 سنوات، ولا زلت أعاني منها.

أحب أن أخبرك أنني ذهبت إلى طبيب نفساني قبل أربع سنوات، وأعطاني بروزاك 20 ملجرام حبة باليوم، وسركويل حبوبا صغيرة، فتحسنت حالتي، وبعدها قطعت العلاج. فماذا تنصحني -يا دكتور- خصوصا المراقبة الذاتية؟

عمري 31 سنة، غير متزوج.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبدالله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد، وأشكرك على كلماتك الطيبة، ونسأل الله تعالى محبته ورضاه، وأقول لك: أحبك الله الذي أحببتنا فيه.

بالنسبة للمرحلة الأولى والتي انتابتك فيها أعراض القلق الحاد، هذا نوع من القلق التفاعلي المُسبب، وهو يُعرف بقلق الأداء، وهو بالفعل بسيط، ويستجيب الإنسان للمساندة وما يأتيه من رسائل طمأنينة ممَّن حوله، فهو قلقٌ ظرفي عارض.

بعد ذلك –أيها الفاضل الكريم– بدأت لديك المرحلة الثانية، والتي في الأصل ظهرت بعد تعاطي الحشيش، وتفاعلك للحشيش كان هو التفاعل الإحباطي الذي يتجسَّد في ضعف الفعالية والكسل والشعور بالخمول، وهذا نشاهده لدى بعض الأشخاص الذين لديهم قابلية واستعداد للتفاعل السلبي مع الحشيش، والذي يظهر لي أنه في الأصل لديك قابلية للقلق، وهذه القابلية قطعًا تُمثِّل هشاشة نفسية كبيرة، وحين تعاطيت الحشيش تفاعل العامل المهُيأ مع العامل المُسبب وأدى إلى الصورة التي تحدثت عنها.

البشارة الكبرى -أيها الفاضل الكريم- أنك قد أقلعت عن تعاطي الحشيش، وهذا أمرٌ إيجابي وأمرٌ جميل، ما تعاني منه الآن من أعراض يتمثل في الوساوس، التدقق، شعور بعسر المزاج، والذي يظهر لي أيضًا أن لديك نوع من الإجهاد الجسدي والنفسي، وقطعًا مراقبة الذات والتدقيق هي من السمات الوسواسية.

أيها الفاضل الكريم: الحمد للهِ تعالى أنت الآن وصلت لمرحلة النضوج النفسي الكامل، ومن المفترض أن تكون توجهاتك إيجابية في الحياة، وأن تجعل نمط حياتك مفيدًا بالنسبة لك، وتضع خططك المستقبلية، أهدافك الآنية، أهدافك متوسطة المدى، وأهدافك بعيدة المدى، وتضع الآليات التي توصلك لهذه الأهداف.

التكاسل والتراخي يأتي من افتقاد الدافعية نحو الأهداف، أو افتقاد الأهداف بذاتها، فأرجو أن تبني نمط حياتك على أسس جديدة، تقوم على التفكير الإيجابي، وأن تجعل لحياتك معنىً.

أيها الفاضل الكريم: الرياضة يجب أن تكون جزءًا أساسيًا في حياتك؛ لأن الرياضة تُحفِّز النفوس والأجساد، وفعالية الرياضة أساسها بيولوجي وكيميائي، يعني ليس أثرًا إيحائيًا أو نفسيًا، إنما هو أثر يقوم على أساس عضوي، الرياضة تُعدِّل كيمياء الدماغ وتُحسِّنها، لذا هي ذات أهمية قصوى، فأرجو أن تعطي هذا الموضوع أهمية شديدة.

أيها الفاضل الكريم: حُسْن إدارة الوقت وعدم ترك مجالاً للفراغ الذهني والزمني يجعلك أكثر انجذابًا وانشدادًا للإنجاز، وهذا قطعًا يصرف انتباهك من مراقبة الذات السلبية، كما أن التواصل الاجتماعي الجيد والمنضبط فيه خير كثير لك.

أخِي الكريم: بخصوص العلاج الدوائي، أنا أعتقد أن البروزاك لا زال هو العلاج الأمثل لحالتك، فأرجو أن تستمر عليه بالتزام شديد، لأن مواصلة الجرعات وبالصورة الصحيحة تؤدي إلى بناء كيميائي ممتاز على مستوى خلايا الدماغ؛ ممَّا يجعل الإنسان يجني الفائدة الدوائية بصورة صحيحة.

ويمكن أن تبدأ بعشرين مليجرام، كبسولة واحدة في اليوم لمدة شهرين، ثم اجعلها كبسولتين في اليوم -أي أربعين مليجرامًا- وهذه تعتبر الجرعة المفيدة في حالتك هذه، ويجب أن تستمر عليها لمدة ستة أشهر، ثم خفضها إلى كبسولة واحدة في اليوم لمدة عام، ثم اجعلها كبسولة يومًا بعد يومٍ لمدة شهرٍ مثلاً، ثم تتوقف عن تناول الدواء.

هذه الجرعة ليست كبيرة أبدًا، كما أن المدة العلاجية مدة معقولة جدًّا. أما بالنسبة للسوركويل -والذي يسمى كواتبين- لا أعتقد أنك في حاجة إليه في هذه المرحلة، لكن إن أُصبتَ باضطراب في النوم يمكنك أن تتناول السوركويل بجرعة خمسة وعشرين مليجرامًا ليلاً لأي مدة تراها مناسبة.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، ونسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً