الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ذكرياتي المؤلمة جعلتني أحقد على كل من آذاني، فكيف أتخلص من ذلك؟
رقم الإستشارة: 2285973

2236 0 151

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أعاني من ضغط نفسي شديد وحزن دائم، مع صعوبة في النوم وشراهة في الأكل، سواء كنت جائعة أم لا، كما أنني لا أستطيع منع نفسي من تخيل أحداث سيئة سابقة، فأجد نفسي أتكلم وأتحرك حركات عصبية، ولا أنتبه إلا بعد مدة، أو في حالة وجود أحد، ولا أستطيع تحقيق أي شيء من أحلامي وطموحاتي، ولدي العديد من الأقارب سيئو الخلق، وكلما يرونني لا يتورعون عن ذكر شيء يضايقني، أو قول شيء، كما أنهم ممن يعملون المكائد.

وللأسف أمي وأبي ضعفاء الشخصية، ولا يصدون أي أذى، وكل هذه المضايقات إلى جانب الشدائد التي لقيتها في عملي السابق من زملاء حاقدين يتصيدون لي الأخطاء في العمل، إلى جانب محاولة تشويه سمعتي، مما دفعني إلى تقديم استقالتي منذ حوالي سنتين أو أكثر، ولم أجد عملا آخر إلى الآن، ولكنني أعترف بأنني لا أبحث بجد، ولا أجد تلك الرغبة السابقة والحماس للعمل، وأتحجج أمام نفسي والآخرين بأنني أرغب بأن أكون مع أبي المريض بالكلى، لذلك لا أستطيع العمل، ولكن الحقيقة أنني لا أقوى على تحمل صدمات أخرى، كما لا أجد لدي القدرة والكفاح مرة أخرى.

حاولت أن أشغل نفسي بحفظ القرآن وكثرة الصلاة، ولكنني لا أستطيع منع نفسي عن تذكر الأحداث الماضية، حتى خلال الصلاة، وأحب التعلم كثيرا، ولكن بسبب شتات الذهن، وكثرة السرحان، وتذكر الأحداث يمنعني من الانجاز.

أصبح الناس يلاحظون تغير شخصيتي، وكثرة الشرود، والعصبية الزائدة، والحركات العصبية التي أفعلها عندما أتذكر أو أتخيل مواقف كأنني أمثلها في مناسبة كالأفراح مثلا.

أريد أن أستعيد السيطرة على نفسي، وأن أتعلم وأنجز في عملي، وأحفظ القرآن، وأريد أن أستمتع بصلاتي وحياتي، وأريد أن ألقى الله بقلب سليم ونفس مطمئنة، ولكن الأحداث التي مررت بها تعوقني وتجعلني شديدة الكراهية لمن آذوني في حياتي، وكلما تذكرتهم تمنيت لهم السوء بما فعلو، وأدعو الله عليهم، ولكن لا أرى فيهم ثأري، فماذا أفعل؟ وكيف أعود لحياتي الطبيعية؟

وجزاكم الله كل خير مقدما.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هاجر حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

شكرا لك على التواصل معنا والكتابة إلينا بما في نفسك من الآلام والذكريات، أعانك الله وخفف عنك بعض ما تعانيه.

لا شك أنه موقف صعب تجدين نفسك فيه، وربما كل ما ذكرت من الصفات السلبية التي تريدين تغييرها، ربما ليست من صنعك وإنما هي الأحداث التي مررت بها عبر السنين، مما أوصلك لما أنت عليه.

ولأنك عازمة على التغيير، والكتابة إلينا ربما الخطوة الأولى على طريق هذا التغيير، ولكن الأمر يحتاج لجرأة وصراحة وتعالٍ على الحال الذي أنت فيه.

يفيد أن أذكر لك هنا فكرة هامة عن عقليتين عند الناس:
عقلية الوفرة وعقلية الندرة، وهما مفهومان سائدان في حياتنا، ذكرهما المؤلف ستيفن كوفي في كتابه العادة الثامنة، فهم هذه الفكرة قد يساهم في تغيير حياتنا للأفضل.

وهما عقلية الوفرة، وعقلية الندرة.

فعقلية الوفرة: أن تؤمني أن هناك فرصا وخيرا في هذه الدنيا تكفي الجميع، ولا يحتاج أحد أن يخسر أو يؤذي أحدا حتى تكسبي أنتِ، فهناك خير يكفي الجميع.

وعقلية الندرة والشح: أن تؤمني أن الخير والفرص محدودة، أي أن هناك لقمة واحدة إما أن تأكليها أنت أو يأكلها أحد غيرك، ولابد من أن يكون هناك خاسر، فالحياة كلها صراع وتنافس.

والسؤال هنا: أي عقلية ممكن أن تجعلك تعيشين بهدوء وطمأنينة وسلام؟
لا شك أنها عقلية الوفرة بالتأكيد، فالخير موجود للجميع -لنا وللجميع-.

والذي يفكر بعقلية الندرة فإنه يخاف أن ينجح الآخرون، كما يخاف أن يمتدح الآخرين، وقد لا يشارك الآخرين معلومات ولا معرفة؛ لأنه يظن أن غيره إذا نجح فهو الخاسر، ويخاف أن يعلم الناس كيف نجح وكيف تطور، أي يخاف الناس أن يأخذوا مكانه.

بينما الذي يفكر بعقلية الوفرة، فإننا نجده هادئا مطمئنا، ولا تهدده نجاحات الآخرين، بل على العكس يطري على نجاحاتهم ويثني عليهم، ويشارك الناس تجاربه ومعرفته ومعلوماته وأصدقائه.

وباختصار: هناك شخصيات تفكر بعقلية الوفرة فترى كل شيء حولها متعدد وكثير، وآخرون شغلتهم الندرة فنجدهم في قلق دائم وتوتر، ومن يفكر بعقلية الوفرة يرى دائما أن الفرص كثيرة ومتكررة، وأما من يفكر بعقلية الندرة فهو يرى أن ضياع الفرصة يعني ضياع مستقبله، وغالبا ما يفكر الحاسد بعقلية الندرة، فهو ينظر للفرص التي تأتي للآخرين وكأنها الفرصة الأخيرة، أو أنها سببا في ضياع فرصته، فيبدأ بالحسد والبغض، بينما من يفكر بعقلية الوفرة، فهو يسأل الله الرزق الوفير والبركة للجميع.

من يفكر بعقلية الندرة يظن أن نجاح الآخر هو تهديد له، فنجده يركز على المفقود، ويعيش في وحل اليأس والإحباط، وأما من يفكر بعقلية الوفرة فهو يرى أن الفرص كثيرة وموزعة بالتساوي والعدل بين جميع البشر، ويركز على الموجود بالشكر والاستثمار فيظهر له المفقود، يقول تعالى: "ولئن شكرتم لأزيدنكم".

إن من يفكر بعقلية الوفرة نجد أن الحياة والعمل معه متعة وطمأنينة، فهو يسعى لمنفعة الجميع، بينما صاحب فكرة الندرة نجده يسعى لصالح نفسه وحسب، إنه أنانيّ الطباع بخيل العواطف والعطايا.

وأحيانا، ومن حيث لا أن نشعر قد نبدأ التفكير بعقلية الندرة، والحل هنا أن نرفع من مستوى روحانياتنا وإيماننا لندرك أن الأرزاق قد وزعت بالعدل، ثم ندعو لأنفسنا وللآخرين بالبركة، وننشغل بالعمل لأنفسنا لا بالنظر لما لدى الآخرين.

ولأنك تريدين من سؤالك التغيير، وربما ما ذكرت لك من هذه الفكرة تعينك على تجاوز ما أنت فيه، بحيث تجدين أنه لا وقت عندك حتى للمشاعر السلبية من الآخرين أو الدعاء عليهم، بالرغم مما قدموا لك من معاملة سيئة أو سلبية.

أرجو أن تفكري بكل ما ورد هنا، ومن ثم خططي كيف ستخرجين من البيت وتبحثين عن العمل بجدّ ونشاط، ومحاولة لا أقول نسيان الماضي، وإنما عدم العيش أسيرة له، والتطلع للمستقبل، ورسولنا الحبيب يقول لنا: "اعملوا فكل ميسّر لما خلق له".

وفقك الله، وإن شاء الله نسمع أخبارك الطيبة.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً