الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أعاني من الانطواء والقلق وأشعر بالحزن لضياع شبابي وطموحي
رقم الإستشارة: 2292413

3028 0 181

السؤال

أشعر بالضياع والغربة في المجتمع، والوحشة في هذه الدنيا، كنت في بداية شبابي خائفا وقلقا ليس كبقية الشباب، وفي تعليمي الثانوي كنت على درجة عالية من الذكاء والاستيعاب -بحمد الله- ولكن تأجيلي للمذاكرة، وعدم القدرة على المذاكرة لفترة طويلة، ونسياني الدائم، وتفكيري الزائد في أمور الدنيا؛ جعلني لا أستطيع أن أدخل كلية مرموقة قبل سن (24)، وكانت حياتي الأصل فيها الرهبة والقلق والخوف من القادم، وعدم حب المناسبات الاجتماعية، وكنت أشعر أن الدنيا رحلة قاسية، أنا غريب وغير مؤهل فيها، وغير مستعد لها.

عندما التحقت بالمعهد الطبي لحقني هذا القلق والانطواء، ولم أحب عملي في المستشفى، ولا في الإسعاف، ولذلك لا أقوم بعملي كما يجب؛ لخوفي من المهنة، وكنت لا أستطيع استيعاب فكرة الزواج، وكنت أشعر أني ما زلت طفلا أو مراهقا، حتى إن أهلي أرادوا أن يزوجوني مع أخي فرفضت بكل قوة، وكنت أخجل من الزواج والارتباط بفتاة، ومناسبات الزواج، مثل الخطوبة، وكتب الكتاب، والفرح، والدعاية، حتى أني كنت أقول: لن أتزوج أبدا، أو ربما في الأربعين، أو يفتح الله على نفسي. كأنني كنت أعيش في غيبوبة أو مرض، والناس لا يفهموني.

الآن أشعر كأني استيقظت من النوم، وأشعر بحزن وندم وحسرة على الماضي، وضيق من انفلات شبابي مني، وأنا لا أشعر به، وفجأة أحسست بالكبر، وأن شبابا مثلي وأصغر مني فعلوا ويفعلون أشياء كنت لا أتخيل أني أفعلها، وكنت أستصعبها كقيادة السيارة، وإقامة علاقات عاطفية متعددة، والزواج المبكر، أشعر باستغراب وندم، لكن بعد فوات الأوان، رغم أن علاقتي بربي قوية -ولله الحمد- أشعر أني كنت في حلم واستيقظت، أو أنني الآن في حلم فبدأت أغيّر من حياتي بتدبير الزواج، وممارسة الرياضة بالذهاب لصالة كمال الأجسام، وأريد أن أتعلم القيادة.

أريد أن أنقل نفسي من عملي الحالي؛ لعدم شعوري بالراحة فيه، ولأنني أهابه، ولإحساسي أن رزقه حرام، وأبحث عن عمل آخر بجانب وظيفتي التي أنا مقصر فيها أصلا، وأريد أن أحقق ما لم أستطع تحقيقه، وأدخل في مجال البحث العلمي، وأصبح عالما مكتشفا أو مخترعا؛ لأفيد أمتي والبشرية، ولأنني أشعر بشهوة المجد والشهرة تقتلني، فأنا واسع الاطلاع والقراءة في المواضيع العلمية منذ الصغر، ولو رأيتني وأنا أفكر وأقرأ في مواضيع أكبر؛ لقلت أني سأصبح ذو شأن في المستقبل، لكن خاب أملي كثيرا؛ لأن الحياة تبدو أصعب وأعقد مما أعتقد.

وكلما أريد أن أنهض بحياتي العملية والعلمية والاجتماعية؛ ثبطني الماضي الذي ضاع، وشبابي الذي لم أستغله، ولا أدري بسبب مرض نفسي أم أنا لي دخل في ذلك؟ ورغم أني أفكر كثيرا إلا أني أعمل قليلا، فشيء ما يوقفني ويثبطني أراه من شباب أصغر مني، ويفعلون أشياء لم أفكر في فعلها عندما كنت في سنهم، فأشعر بدءا من سن (16) حتى (23) أنه جرى ولم أشعر، ولكن عندما أفكر في القضاء والقدر والنصيب؛ أرتاح، ولكن أقول لنفسي: ربما أني لم أواجه، أو أبذل جهدا أكبر رغم أني أعتقد أني بذلت ما في وسعي؛ لأتغير وأصبح مثل بقية الشباب في المجتمع.

ويأتيني وسواس أن حياتي كانت ستكون بشكل أفضل ومختلف عن هذا، فهل أنا بشخصيتي هذه منطو وما كنت لأفعل أكثر من الذي فعلته أم أني كنت أمرّ بمرض نفسي؟ هل أنا تأخرت أم أني لم أكن موفقا ابتلاء من ربي؟

أفيدوني، وشكرا جزيلا، وآسف على الإطالة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ معاذ حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فردا على استشارتك أقول:

1- قد يكون لشعورك بالضياع والغربة والوحشة له علاقة بالأمور الوراثية، وقد يكون بسبب ما عانيته في حياتك وضعف ثقتك بنفسك، أو بسبب إصابتك بعين أو حسد أو مرض نفسي.

2- ربط الأسباب بمسبباتها أمر جيد، ويؤدي إلى نتائج صحيحة، فقولك: إنك لم تستطع دخول كلية مرموقة سببه ترك المذاكرة والنسيان والتفكير في أمور الدنيا صحيح وواقعي.

3- الرهبة والقلق والخوف من القادم من الأمراض النفسية التي تحتاج أن تعرض نفسك على طبيب مختص؛ فالعقاقير الطبية نافعة في هذه الحال بإذن الله.

4- يمكن أن تكون قد أصبت بعين أو حسد في فترة ما قبل الانتهاء من الثانوية، ولا يزال مستمرا معك، فأنصحك بأن ترقي نفسك بما تيسر من القرآن الكريم والسنة النبوية، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يأمر عائشة -رضي الله عنها- بذلك، ويقول لها: (استرقي من العين).

5- تضرع إلى الله بالدعاء أن يذهب عنك ما تجد، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} وقال: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} وأكثر من الدعاء المأثور: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل).

6- اشرب ماء زمزم بنية الشفاء مما تجد، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (ماء زمزم لما شرب له) ويقول: (زمزم طعام طعم، وشفاء سقم).

7- اطلب الدعاء من والديك؛ فدعوتهما لا ترد، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر).

8- يبدو أنك تماثلت للشفاء مما أنت فيه، وذلك بسبب دعائك وتقربك من الله، ومع هذا بقيت آثار فأنصحك بالرقية، والذهاب إلى الطبيب النفساني.

9- أقدم على ما تود فعله من الأمور المباحة واثقا بنفسك، ومستعينا بالله، عاملا بالأسباب، ولا تعط لنفسك أي رسائل سلبية؛ فأنت لا تقل عن أمثالك، بل قد تكون أفضل منهم، وستجد أن الأمور تسير بسلاسة بإذن الله.

10- عملك في سلك الطب نافع لك وللآخرين؛ فلا تحرم نفسك من الأجر والثواب، ولا مانع أن تبحث لنفسك عن عمل جانبي آخر تحسن فيه من وضعك.

11- عليك بالصدقة بنية الشفاء، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (داووا مرضاكم بالصدقة).

12- شيء طيب أن تكون همة عالية في البحث العلمي، فاستمر في هذا الطريق، ولا تستصعب شيئا، وكن متمثلا بقول الشاعر:
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى *** فما انقادت الآمال إلا لصابر
والمعنى إلى أن أدرك ما أتمناه، وما يدريك لعله يكون لك مستقبل مشرق، فمن كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة، فاكتب ودوّن واحتفظ بأبحاثك حتى يهيئ الله الأسباب.

13- ارسم لنفسك هدفا في الحياة، وخطط للوصول إليه، ولا تبق مشتت الذهن؛ تبدأ بعمل ثم تتركه وتبدأ بعمل آخر وتتركه، وهكذا...، فهذه الطريقة لن توصلك إلى هدف، وستبقى كالشاة العائرة (المترددة) بين غنمين لا تدري أيتها تتبع، أو كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.

14- لا تفكر فيما مضى من حياتك، فتفكيرك بالماضي سيجرك إليه، وسيثبطك عن العمل، وهذا ما تعانيه أنت، فافتح صفحة جديدة في حياتك، وانطلق نحو المستقبل، واستمع لقول الشاعر:
ما مضى فات والمؤمل غيب *** ولك الساعة التي أنت فيها

15- لا شك أن ما عانيته وتعانيه مقدر لك من قبل أن يخلقك الله تعالى، وكل ما يدور في هذا الكون لا يخرج عن قضاء الله وقدره، قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} وقال -عليه الصلاة والسلام-: (قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) والحمد لله أنك راض بما قضاه الله وقدره، وستجد ثمرة هذا الرضى عاجلا أو آجلا، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ).

أسأل الله لك الشفاء والتوفيق والسداد والنجاح في حياتك، وأن يسمعنا عنك خيرا.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً