الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أتعامل مع شخص يعاني من الأعراض الذهانية، ويرفض الذهاب للطبيب؟
رقم الإستشارة: 2336292

6325 0 270

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا شاب، أود معرفة الطريقة التي أقنع بها شخصاً يعاني من أعراض ذهانية، مع العلم بأن الشخص على درجة كبيرة من العناد، ويستشهد دائما بأقوال بعض المشايخ: أن المرض النفسي يكون بسبب الذنوب، وأن الرقية تغني عن العلاج، وأن ما عنده من هلاوس هو نتيجة للحسد أو السحر.

حالته تحسنت قليلا بالرقية، ولكن ما زالت بعض الأعراض مستمرة، على الرغم من استمراره على الرقية، هو يرفض تماما الذهاب للطبيب.

أرجو أن يكون الرد فيه شيء من التفصيل، لأن كثيرا من المشايخ أساءوا للطب النفسي دون فهم لطبيعة الأمراض النفسية، وهذا ما أواجهه من صعوبة في إقناعه، وضاقت بي السبل، وهو يرفض تماما الذهاب للطبيب، فما تشخيصكم لذلك؟

أفيدوني جزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

الأخ الكريم، هذه من أهم الاستشارات التي تلقيتها وهي ذو شقين، شق عام وشق خاص:

أما الشق العام: فما ذكرته صحيح مائة في المائة ويعاني فيه معاناة شديدة، بالذات في عالمنا العربي في كثير من الدول العربية، هناك فهم خاطىء جداً للأمراض النفسية.

والرقية الشرعية يا -أخي الكريم- ليست للأمراض النفسية فقط، الرقية الشرعية مطلوبة في الأمراض النفسية، وموجود في الأمراض العضوية، ومطلوبة أيضاً في العلميات الجراحية، الشافي هو الله، وما الطبيب إلا سبب، ويجب أن يكون هذا الفهم هو الفهم السائد، هذا من ناحية عامة، ونحتاج إلى جهد كبير نحن في عالمنا العربي، حتى نحقق هذه الغاية، أنا وزملائي -مثلاً- في البلد الذي نشتغل فيه، ناقشنا هذا الموضوع بكثرة وبشدة، وذهبت الآراء إلى أشياء مختلفة، ولكن أجمعوا أنه ليس هناك حل إلا التعاون مع هؤلاء الشيوخ، الذين يعالجون هؤلاء المرضى، فالمرضى يثقون فيهم ويذهبون إليهم ويتعالجون عندهم.

فإذاً الحل في وجود مدخل لهذا الشيخ، أن تذهب إليه بنفسك، أو إذا عرفت شيخا آخر متفهم لطبيعة الأمراض النفسية، فاطلب من هذا الشخص أن يذهب لهذا الشيخ، ويقوم الشيخ بتحويله للعلاج النفسي، فبعض الشيوخ يفعلون ذلك، ويطلبون من المرضى مقابلة الأطباء، واستعمال الأدوية، أعتقد أن هذه هي الطريقة المثلى، لأنه طالما هو دائماً يتعلل بآراء المشايخ، ويقتنع فيهم، فالمدخل إليه من خلال هؤلاء المشايخ، إما أن تذهب إلى هذا الشيخ الذي يرقيه وتتكلم معه، وتوضح له الأمر، أو تحاول إقناعه بالذهاب إلى شيخ آخر يتفهم الأمراض النفسية، وأهمية علاجها، هذا هو المدخل الرئيسي.

ويمكنك أيضاً التحدث معه بالأحاديث الكثيرة، هناك أحاديث كثيرة تطلب من الناس أن يتداووا ويعملوا بالأسباب مهما كانت خطورة الأمراض، والرقية الشرعية -كما ذكرت- لا تمنع العلاج الطبي، بل الرقية الشرعية واجبة مع العلاج الطبي، لأن الشافي هو الله.

وفقك الله، وسدد خطاك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت إجابة الدكتور: عبدالعزيز أحمد عمر، استشاري الطب النفسي، وطب الإدمان.
وتليها إجابة الدكتور: عقيل المقطري، مستشار العلاقات الأسرية والتربوية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهنالك فروق بين الأمراض العضوية، والأمراض الروحية، والأمراض النفسية، فالمرض العضوي يحدث نتيجة ورود جراثيم أو فيروسات إلى الجسم، فتؤثر على بعض الأجهزة، ويظهر ذلك واضحا وجليا من خلال الفحوصات بالأجهزة الحديثة، ولذلك لا بد من استعمال ما جعله الله سببا للتعافي والشفاء من ذلك، كما ورد في الحديث الصحيح: (ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله، فتادووا عباد الله)، وغالبا ما يكون الطب البديل أنفع وأفضل من الطب التقليدي، صحيح أن العلاج ما هو إلا سبب، وأما الشافي فهو الله تعالى.

المرض المعنوي أو الروحي يعجز الطب عن تشخيصه، لأنه لا يمكن اكتشافه عن طريق الفحوصات الروتينية أو الأجهزة الحديثة مثل: الحسد والعين والسحر، ومثل هذه الأمراض لا يستطيع الطب الحديث معالجتها، لأنهم يحكمون على المريض أو المصاب بأنه سليم، فيلجؤون لتصنيف المرض على أنه مرض نفساني، وهذا خطأ وخلط للحقائق وبذلك يتسببون بأمراض ومضاعفات للشخص نتيجة لاستخدام العلاج الخطأ، فتظهر مضاعفات ذلك جلية واضحة.

نحن مسلمون نؤمن بكتاب ربنا وسنة نبينا -عليه الصلاة والسلام-، ولا شك أن الطب قد تأثر بشيء من أفكار ومعتقدات غير المسلمين، فصاروا لا يؤمنون بتأثير الحسد والعين والسحر، وهذا أمر مؤسف للغاية إذ قد نطق القرآن والسنة بتأثير السحر والعين والحسد، فقال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)، ولما أتي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بطفل ممسوس رقاه وقال: (اخرج عدو الله فإني رسول الله).

وقال تعالى بشأن العين والحسد: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)، فالحاسد صاحب نفس خبيثة، وحين يرى نعمة على عبد يخرج من عينيه شرر فيصيب المحسود فيتضرر من ذلك، فقد يتعطل بسبب ذلك عضو من الأعضاء، وقد يتضرر كامل البدن، وهكذا العين وهنالك فروق بين العائن والحاسد ليس هذا مجال تفصيله، فلو كان الحسد غير موجود، أو ليس له ضرر لكانت الاستعاذة من شره لغو وكلام الله منزه عن ذلك.

من تأثير العين ما ثبت في حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: "اغتسل أبي سهلُ بنُ حنيف بالخرار، فنزع جبَّة كانت عليه، وعامرُ بن ربيعة ينظر إليه، وكان سهل شديدَ البياض، حسَن الجلْد، فقال عامر: ما رأيتُ كاليوم، ولا جِلْد مُخبَّأَة عذراء، فوُعِك سهل مكانه، واشتد وعكه، فأُخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوعكه، فقيل له: ما يرفع رأسه، فقال: (هل تتهمون له أحدًا؟) قالوا: عامر بن ربيعة، فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتغيَّظ عليه، فقال: (علامَ يقتل أحدكم أخاه؟! ألا برَّكْتَ، اغتَسِلْ له)، فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه، وأطراف رجليه وداخلةَ إزاره في قَدَح، ثم صب عليه من ورائه، فبرأ سهل من ساعته".

الوسوسة مسألة متفق عليها، وقد أمر الله بالاستعاذة به من شر الوسواس الخناس وهو الشيطان الرجيم، وأفضل علاج للوسوسة الاستعاذة والرقية، ولا يمنع أن يكون العلاج بالعقاقير الطبية لدى الأطباء النفسانيين معينا ومفيدا، فضغوطات الحياة الكبيرة، وحلول النوازل والكوارث إن داهمت الإنسان ولم يكن صاحب إيمان قوي، يرضى بقضاء الله وقدره ويصبر على الشدة والبلاء، تصيبه بأمراض نفسية كبيرة، وعلاج مثل هذه الأمراض ذو شقين متوازيين، بتقوية الإيمان والرقية، والطب النفسي، فلا إفراط ولا تفريط، وفي حال حدوث أي مرض أو تغير للإنسان، ينبغي التعرف على الأسباب ابتداء بالطب، فإن كان مرضه عضويا تعالج، وإن كانت النتيجة أن كل شيء سليم فلا يصلح تصنيف الحالة بأنها نفسية، بل ينتقل للعلاج بالرقية لكي تشخص الحالة، فإن تبين السلامة فهنا يتبين أنه مرض نفسي، ويتم التوازن في العلاج بين الرقية والطب النفسي.

الرقية بالقرآن والأدعية المأثورة وغير المأثورة علاج نافع مما نزل، ومما لم ينزل، ومردودها إيجابي على كل حال، قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا)، وقال: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ)، وكان النبي -صلى الله عليهم وسلم- يرقي نفسه ورقى غيره، وما أكثر الأحاديث التي تذكر الرقية لك يشترط أن يكون الراقي ثقة وأمينا، وليس نصابا ينصب شباكه لأكل أموال الناس بالباطل.

هنالك من أساء للرقية باستخدام وسائل غير شرعية، كالضغط على عروق الرقبة الذي يدخل الإنسان في غيبوبة، نتيجة انقطاع الدم عن المخ، وكذلك استخدام الشحنات الكهربائية التي قد تسبب صدمات قوية للقلب، فأدى ذلك إلى وفاة الكثيرين، وكذلك رقية النساء بدون حضور محارمهن، وغير ذلك من التجاوزات، لكن هذا لا يعني أننا ننكر مشروعية وفاعلية الرقية.

الطب الحديث ومنه النفساني قد يخطأ أخطاء جسيمة في حق الإنسان، ما لم يكن الطبيب متحريا ومتأنيا في التشخيص، ويستعين بذوي الخبرات الأخرى، ومن ذلك الاستعانة بمن يعالجون بالرقية، فإنهم مكتسبون لخبرات تراكمية تمكنهم من تشخيص حالات المرض الروحي.

أتمنى أن يتم تشخيص حالة مريضك تشخيصا صحيحا ودقيقا، ومن ثم الانطلاق للمعالجة دون خلط أو تزييف.

نسعد بواصلك، ونسأل الله تعالى الشفاء لمريضك، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً