الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رسبت في مرحلتي الأولى للطب لانعدام رغبتي في المذاكرة!
رقم الإستشارة: 2389544

924 0 50

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله.
بداية أحب أن أشكر كل القائمين على الموقع لتقديم الاستشارات.

اسمي يوسف، أصبحت من طالب متفوق في مرحلة الثانوية إلى طالب راسب في مرحلته الأولى في كلية الطب!

بدأت مشكلتي فور التحاقي بكلية الطب، حيث وجدت نفسي في البداية لا أستطيع المذاكرة، لم أكن أتصور أنها ستصبح مشكلة، حيث كنت لا أبالي، مقنعا عقلي أنها فترة وتنقضي لكونها مرحلة انتقالية وتغيير في نمط حياتي.

لم أكن أحب وضعية المحاضرات، وكذلك الكلية، فكنت أكرهها إلى أن وجدت نفسي أدخل قاعة الامتحان ولم أذاكر شيئاً، وعقلي متسائلاً حينها: (ألم تقل أنها مرحلة مؤقتة؟)، لم أستطع الإجابة، فكل ما أردته هو خروجي من قاعة الامتحان والإسراع إلى المنزل، كنت محبطا وخجولا من ذاتي!

يوما بعد يوم بدأت أرمي مشكلتي على أني مصاب بالاكتئاب وأحتاج مراجعة طبيب نفسي، وحصل ذلك، وزرت ثلاثة أطباء نفسيين، اثنان منهم وصفوا لي أدوية لم أجد منها نفعا، لكن الطبيب الثالث قال لي فور سماع مشكلتي: (أنت لا تحتاج إلى دواء لحل مشكلتك، بل حلها يكمن في عقلك)، من هنا بدأت أنظر إلى نفسي من جانب آخر، لماذا طيلة هذه الفترة البالغة 8 أشهر وأنا أتحجج بأنني مكتئب، والعين، والحسد.. إلخ، لماذا لم أقل لنفسي قد يكون مجال الطب ليس مجالي!

طرحت هذا الموضوع على عائلتي ولم أتلق إلا عبارات الفشل، وقولهم: (نحن كلما دخلنا عليك نراك تقرأ)، يظنون ذلك لكني في الحقيقة أمسك صفحات المادة العلمية وأنا مستلق أفكر فقط كيف سينتهي اليوم، وتساؤلات كثيرة ليس لها جواب، وأنا كعادتي أدخل الامتحان وأنا لم أقرأ حرفا واحدا!

رسبت وقلت في نفسي: هذه السنة الثانية في المرحلة نفسها لا يمكن أن تعيد نفس الأخطاء.

بدأ الدوام مع زملاء جدد، وزملائي السابقون قد وصلوا المرحلة الثانية، وهذا الشيء كان محبطا في أول يومين فقط، ولكني لا أزال لا أستطيع أن أثبت لعقلي ما قلته سابقا، لم أقرأ شيئا على الرغم أني قد تركت أشياء كنت أفعلها في السابق مع بداية المشكلة، ترك الصلاة والبعد عن الله، إدمان الإنمي واليوتيوب.

بدأ التعب يظهر على ملامح العائلة، فلم يبق شيء إلا وفعلوه لأجلي، وأنا عاجز، حيث أشبه حالتي كحال شخص تائه في الصحراء يحتاج لأحد يدله الطريق!

في الفترة الأخيرة أصبحت أمي تقول لي أن أغير تخصصي، فقد تعبت وهي تراني منعزل ومهموم والحزن لا يفارق وجهي.

أشعر بداخلي أني إذا تركت مهنة الطب سأفشل وأكون عبئاً على عائلتي.

اتخذنا اليوم قرارا أنني سأذهب إلى بيت خالتي لعل تغيير البيئة يكون مناسبا للبدء في المذاكرة، إذ لم يبق إلا أسبوع على اختبارات منتصف الفصل.

أتمنى أن لا أكون قد أطلت عليكم، متمنياً استشارتكم الطيبة عن مشكلتي، وشكراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Yousif حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فمرحبا بك -أيها الولد الكريم-، وردا على استشارتك أقول:
الترقي في سلم العلم هو الطريق الصحيح لمستقبل أفضل -بإذن الله تعالى- وهو من الأسباب التي تمكنك من العيش والحياة الطيبة، خاصة وأن المجتمع صار لا يرفع رأسا لأهل الجهل أو لأصحاب التحصيل المتدني.

لست أدري إن كان دخولك لكلية الطب لم يكن عن رغبة منك وإنما بتوجيه من أسرتك ورغبة منهم، فإن كثيرا ممن دخلوا تخصصات لا يرغبون فيها أخفقوا في الغالب.

عليك أن تختار التخصص الذي تميل إليه بشرط أن يكون له طلب في سوق العمل، وإلا فما فائدة تخصص يرميك في مصاف البطالة الذين لم يجدوا أعمالا، فكثرة الخريجين في بعض التخصصات تصبح عبئا على أصحابها.

عليك أن تستنهض قواك وما أودع الله فيك من الصفات الحسنة، فأنت كما ذكرت كنت في مرحلة الثانوية كتلة من النشاط والجد والاجتهاد، وهذا يعني أنك تملك صفات كثيرة تؤهلك للإبداع في المرحلة الجامعية، غير أن الإنسان بطبعه يميل إلى الراحة والدعة، ثم تصبح عادة يصعب تركها ما لم يتدارك المرء نفسه مستعينا بالله ومستنهضا لقواه.

استعن بالله ولا تعجز، وتوكل على الله في كل أمورك، فمن استعان بالله أعانه، ومن توكل عليه كفاه.

أكثر من دعاء: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال).

عليك بالأصدقاء الجادين في طلب العلم، فخالطهم وذاكر دروسك معهم، واستنهض قواك من أجل منافستهم.

وثق صلتك بالله تعالى، واجتهد في تقوية إيمانك من خلال برنامج عملي في الأعمال الصالحة، فإن الحياة الطيبة لا توهب إلا بذلك، كما قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

ارق نفسك صباحا ومساء الرقية الشرعية، والتي يمكنك التعرف عليها من خلال كتاب حصن المسلم للقحطاني -رحمه الله-، وحافظ على تلاوة جزء من القرآن الكريم، مع المحافظة على أذكار اليوم والليلة، فمن ثمار ذلك اطمئنان قلبك، ونشاط بدنك، يقول تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

اشحذ همتك في طلب العلم، واجعل هذا الفتور الذي أصابك بمثابة استراحة يتبعها انطلاق بنشاط وجد -بإذن الله تعالى-.

تذكر دائما قول الشاعر:
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى *** فما انقادت الآمال إلا لصابر.

انظر لمن حولك ممن تكاسلوا في التحصيل العلمي وتوقفوا عنه، وانظر إلى أحوالهم والمعاناة التي يكابدونها بسبب ذلك، وانظر إلى حياة أصحاب الجد كيف فرضوا احترامهم على الآخرين، وعاشوا عيشة متميزة، فلعل ذلك يكون من أسباب عودتك إلى نشاطك.

قد يكون في البداية شيء من التعب، فالعجلة الكبيرة الثقيلة تدور ببطء في بداية الأمر، ولكنها ما تلبث أن يكون دورانها أسرع ما يكون، وهكذا حياة الإنسان وحركته ونشاطه.

تضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى وأنت ساجد وسله الإعانة، وخذ بخواطر والديك ونل رضاهما، واطلب منهما الدعاء، فدعوتهما مستجابة.

لا تيأس أبدا، وكن متفائلا على سبيل الدوام وأمل في الله وظن به خيرا، فالله عند ظن عبده به، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ).

نسعد بتواصلك، ونسأل الله تعالى لك التوفيق، وأن يسمعنا عنك خيرا.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً