الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أعاني من الاكتئاب بسبب بعدي عن أهلي للدراسة
رقم الإستشارة: 2411696

188 0 0

السؤال

السلام عليكم

أنا طالبة طب بشري في السنة الثانية، السنة الماضية قبلت في الجامعة وسافرت من حيث ما كنت أقيم مع أهلي إلى بلدي لدراسة الطب، وعانيت جداً من الدراسة والبكاء بسبب البعد عن الأهل والعيش لوحدي!

المشكلة أنني إلى الآن وأنا لم أتأقلم، فكل يوم يصيبني البكاء والخوف من المواد بسبب صعوبتها وضخامتها، وأنا لا يكفيني الوقت، حتى إني عندما أعود من الجامعة وأدخل للغرفة وآخذ قيلولة أستيقظ وقلبي يرتجف وخائفة من مواجهة الدروس، عندما يرن المنبه أتوتر، لا أريد أن أقوم، ليس لي الرغبة.

إلى الآن أتذكر أهلي طول اليوم وأبكي عليهم كل يوم بكاءً شديداً، كنت في السنة الماضية أتصل بهم وأبكي، لكن أشعر بالذنب بعدها، بأنني أسبب لهم القلق بشأني، فأصبحت الآن أبكي مع نفسي بشدة وأحاول أن لا أظهر لهم ولكنني أتألم بشدة، لا يمكنني ترك الدراسة والذهاب لهم، وبنفس الوقت حياتي متعبة، أحس بأنه سيصيبني شيء من كثرة الحزن والبكاء والخوف الذي أنا به.

إنني هكذا منذ أن كنت في المدرسة، فعندما تبدأ كل سنة جديدة ونبدأ الدراسة أكتئب وأبكي من الدراسة لكنني كنت متفوقة جداً، كيف لنفسيتي أن تتحسن؟ كلما أفكر بأني بعيدة عن أهلي وأنني لن أراهم إلا شهرين في السنة أصاب بنوبة اكتئاب وبكاء، والمواد تتعبني.

لقد دخلت هذا المجال لأرفع رأسهم، وأعلم أني لو تركت الدراسة وعدت لن أكون سعيدة، وإن استمررت في حياتي هكذا أيضا لن أكون سعيدة، لا أعرف ما ذا أريد، لا أفهم نفسي حقاً، لا أردي هل أنا مصابة بالاكتئاب؟ ولماذا حالتي النفسية سيئة دائماً؟

أتذكر كل ذكرياتي مع عائلتي وطفولتي وأقول لنفسي هل سأبتعد عنهم طول الحياة هكذا؟! فأنا متعلقة بهم جداً، ولا أعلم ما الحل؟ أحس بأنني لا أريد أن أواجه أي صعوبة، أريد كل شيء أن يكون سهلاً ومريحاً، ولا يوجد شيء كهذا في الحياة أعلم ذلك.

منذ أن دخلت المرحلة المتوسطة حالتي النفسية تزداد كل سنة سوءاً.

كنت دائماً ما أفكر في حال عائلتي حيث أنه كان يكثر الشجار بين أمي وأبي، وأفكر في الدراسة، وفي آخر سنوات المرحلة الثانوية كنت وأنا أدرس، فجأة يأتي في ذاكرتي كل الأحداث المحزنة، وذلك يشتتني عن الدراسة.

الآن أنا في هذه الحالة، ولا أريد أن أترك دراستي، وأريد أن أكون بجانبهم ولكن كيف؟

كل يوم أحاول الاقتناع ولطالما شجعني أمي وأبي حيث إنهم أطباء أيضاً، وقالوا لي ستتأقلمين، وأن الحياة لا تعطي للإنسان كل ما يريد، فأنت درست في الكلية التي حلمت بها لكن تغربت.

أشعر بالأسف عليهم دائماً، ويقلقون بشأني ويحاولون إسعادي بشتى الطرق، لكن أنا كما أنا، لا أدري، فأنا حقاً لا أعلم ماذا أريد ولا أعلم ما الحل؟

وشكراً جزيلاً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ آية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحباً بك -أختنا الكريمة- ورداً على استشارتك أقول:

من فضل الله عليك أن جعلك متميزة في دراستك، ووفقك للدخول في كلية الطب البشري، فهذا تخصص نافع إن شاء الله، ولعله يكون لك شأن في المستقبل.

الدراسة تتطلب منك جهداً كبيراً وتركيزاً عالياً حتى تكوني مبدعة، ولذلك أنصحك أن تركزي على دراستك وألا تسمحي للأفكار السلبية أن تشوش ذهنك.

اعلمي أن كل أمورك كما هي شئون هذا الكون تسير وفق قضاء الله تعالى وقدره، وأقدار الله فيها الخير للمؤمن، وإن كان يتبادر للذهن خلاف ذلك.

مصيرك في المستقبل أن تفترقي عن أهلك سواء بقيت بجانبهم في هذه المرحلة أم ابتعدت، ولربما تكونين بعيدة جداً عنهم بعد زواجك، فهل ستبقى حالتك هكذا إلى نهاية العمر.

عليك بالالتجاء إلى الله سبحانه فهو منفس الكروب ومزيل الهموم، وحافظي على أذكار اليوم والليلة، وأكثري من دعاء (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال).

ليكن لك ورد يومي من تلاوة القرآن الكريم وأقله عشرون دقيقة يعني نحو جزء كل يوم، ويمكنك أن تجزئي ذلك بقراءة ورقتين بعد كل صلاة ففي تلاوة القرآن راحة للنفس وطمأنينة للقلب، كما قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).

اعلمي أنك في عبادة من العبادات، فطلب العلم إن قصد به العبد وجه الله ونفع النفس والناس فهو لا يقل شأناً عن أي عبادة من العبادات الأخرى يؤجر المرء عليها.

طاعتك لوالديك وإدخال السرور إلى قلوبهما من أجل القرب التي يتقرب بها إلى الله، فطالما وهما يرغبان في أن تكوني طبيبة فاجتهدي في تحقيق حلمهما والأيام تمضي سريعا فأيهما أفضل عندك أن تمر خمس سنوات وقد صرت طبيبة أم تمر وأنت حاملة للثانوية العامة؟! لا شك أن الأول هو الأفضل، فاستعيني بالله واصبري.

كوني لنفسك صداقة مع زميلاتك صاحبات الهمم العالية، فذلك سيؤنسك كثيراً، واحذري من البقاء منفردة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وأكثر ما يعانيه المرء من الحزن إنما هو من الشيطان الرجيم، كما قال تعالى: (إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) فاستعيذي بالله من الشيطان الرجيم كلما أتتك تلك الأفكار.

كوني متفائلة، فالتفاؤل يشرح الصدر وينير الطريق ويفتح الآفاق وتوكلي على الله فمن توكل على الله كفاه ومن سأله أعطاه، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) أي كافيه.

اجتيازك للسنة الأولى في الدراسة دليل على ذكائك وأنك قادرة على الصمود والاستمرار، فالسنة التأسيسية تعد من أصعب المراحل وستجدين ما بعدها أيسر إن شاء الله.

اجعلي مذاكرتك مع زميلاتك فذلك أدعى لخلق أجواء تبعدك عن التفكير بالغربة والحزن، وانظري لمن حولك ممن ابتعدن عن أهلهن واجعليهن قدوة لك.

أعيدي صياغة حياتك على الواقع المعاش وتفاءلي وأحسني الظن بالله وانظري إلى الحياة بتفاؤل واستبدلي الرسائل السلبية التي تكبلك عن الانطلاق وتحمل الصعاب برسائل إيجابية.

أمعني معي النظر في قول الصحابة حين أتي برجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من شرب الخمر فقال الصحابة لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به.

هذه الرسالة كانت سلبية من الصحابة ولها تأثير على نفسية الرجل تجعله يستمر في الإدمان لكن النبي عليه الصلاة والسلام محى أثر تلك الرسالة بأخرى إيجابية تعزز من ثقة الرجل بنفسه وتدفعه نحو التغيير فقال عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوه إنه يحب الله ورسوله) فكيف تتصورين نفسية هذا الرجل بهذه الشهادة من النبي عليه الصلاة والسلام فأنت أبدلي تلك الأفكار بنظرتك لمستقبلك، وكيف ستكونين، وما نظرة المجتمع لك، وكيف أنك ستقدمين نفعاً لعباد الله فهذه النظرة ستجعل صدرك منشرحاً إن شاء الله سبحانه.

لا شك أنه قد كتب الله في الأزل أنك تتركين أهلك وتذهبين للدراسة فعليك أن تكوني راضية بما قضاه الله وقدره قال قتادة: فَرضِي رجل بِمَا قسم الله لَهُ فَإِن قَضَاء الله لِلْمُؤمنِ خير من قَضَائِهِ لنَفسِهِ وَما قَضَى الله لَك فِيمَا تكره خير مما قَضَى لَك فِيمَا تحبين.

أحسني الظن بالله أثناء الدعاء ففي الحديث القدسي يقول الله جل في علاه: (أنا عند ظن عبدي بي؛ فليظن بي ما شاء فإن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن بي شرًا فله) والمعنى كما قال القرطبي في (المفهم): قيل معنى ظن عبدي بي: ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها، تمسكًا بصادق وعده، ويؤيده قوله في الحديث الآخر: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة".

أوصيك بالاستقامة على أمر الله وأن تبتعدي عن الخلوة بالرجال وكثرة التواصل معهم إلا فيما لا بد منه وما فيه فائدة ولا يعود عليك بالضرر.

اطلبي من والديك الدعاء فدعوتهما مستجابة كما ورد في الحديث: (ثلاث دعواتٍ يستجيب لهن لا شك فيهن: دعوة المظلوم ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده).

نسعد بتواصلك ونسأل الله تعالى لك التوفيق.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً