الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرص اندماج الفتاة المنتهك عرضها في المجتمع
رقم الإستشارة: 288046

3310 0 488

السؤال

ما هي فرص اندماج الفتاة التي خضعت للابتزاز في عرضها بالمجتمع، وما أشكاله؟

وما هو نصيب مفهوم الستر في الشريعة الإسلامية في تقبل المجتمع لهذه الحالات على أرض الواقع؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ محمد اللحام حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك (استشارات الشبكة الإسلامية)، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأله تبارك وتعالى أن يجزيك خيراً عن الإسلام والمسلمين، ويثبتنا وإياك على الحق، وأن يسترنا وإياك بستره الذي لا ينكشف في الدنيا والآخرة، وأن يرزقنا وسائر المسلمين الهدى والتقى والعفاف والغنى، إنه جواد كريم.

وبخصوص ما ورد برسالتك - أخي الكريم الفاضل – وسؤالك: ما هي فرص اندماج الفتاة التي خضعت للابتزاز في عرضها بالمجتمع، وما أشكاله؟

المعروف -بارك الله فيك– أن الله تبارك وتعالى الجليل جل جلاله سبحانه أحاط قضية المرأة بسياج كبير من الاهتمام والعناية والرعاية؛ لأن الناس عبر تاريخهم يتأففون أن يتهموا في أعراضهم بأدنى نقيصة، ولذلك فإن الرجل العربي الأبي الأصيل قبل الإسلام كان يُقدم على وأد ابنته ودفنها حية في التراب أو تحت التراب حتى لا تجلب له العار؛ لأن العرب -كما تعلم- لديهم من الأنفة ما يجعلهم يتأففون غاية التأفف من أن يُذكر مجرد اسم أم الرجل في ميدان عام أو في مجلس عام، رغم أن هذا فيه قدر من المبالغة إلا أنه موجود وواقع، وما زال موجوداً أيضاً في معظم البلاد العربية والإسلامية، أنك إذا ذكرت أم الرجل كأنك أهنته إهانة بالغة، بل إننا نجد أن الأطفال الصغار في جزيرة العرب عندما يكون مع والدته أو مع أخته في السوق أو في مكان يقول: (كنت مع الأهل)، لا يقول: (كنت مع أمي)، وأحياناً يطلقون أيضاً على أختهم كلمة (الرضيعة)، لا يقول: أختي مباشرة.

هذا كله يدل على حساسية قضية المرأة في حياة المسلمين، والقرآن الكريم -كما ذكرت– بسط وأفاض، فلدينا سورة النساء الكبرى، ولدينا سورة النساء الصغرى، ولدينا سورة الأحزاب، ولدينا سورة النور، وغيرها من السور التي تتحدث عن حقوق المرأة وكيفية التعامل معها، فإذا ما التزمت الفتاة والتزم المجتمع هذا النمط الرباني الكريم فإن هذه الأخطاء تكون قليلة أو معدومة، وانظر إلى عصر النبي المصطفى محمد عليه الصلاة والسلام.

أما إذا ضعفت تلك الضوابط أو قلت أو انعدمت فإن الشر يُفتح على مصراعيه، وتحدث هناك تجاوزات يندى لها الجبين كما يحدث في الشرق وفي الغرب من حولنا.

أما إذا قدر الله تبارك وتعالى وكانت الفتاة عفيفة فاضلة طاهرة نقية ملتزمة بشرع الله تبارك وتعالى، ليست امرأة سيئة والعياذ بالله؛ فإذا ما تعرضت لهذا الابتزاز الذي يجعلها تفقد شرفها وتفقد عذريتها –على سبيل المثال– أو تفقد مثلاً عفتها حتى وإن كانت متزوجة، إذا تم الأمر بضغط وإكراه بعيداً عن الإطار الشرعي؛ فإن الإسلام حقيقة لم يغفل هذا الحق، وبيَّن أن الإكراه يرفع المؤاخذة شرعاً، فإذا كان الدين لا إكراه فيه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، فإذا ما أكرهت وأجبرت إجباراً ملجئاً لا تستطيع منه فكاكاً فإن الله تبارك وتعالى يعفو عنها، والمجتمع المسلم يراعي لها ذلك، ويتقدم كثير من الصالحين الأخيار -إذا علموا بذلك- للستر عليها؛ لأنهم يعلمون أن الستر عليها عبادة من العبادات وقربة من القربات، حيث إن النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم قال: (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة).

أحياناً قد يتزوج الرجل بامرأة ويرى أنها غير بكر في حين أنها أساساً عقد عليها أنها بكر، فأيضاً تأتي هذه الحالة –وكثيراً ما تتكرر– فنجد أن الإسلام يوصي هذا الرجل بأن يستر عليها؛ لأن من ستر مسلمة ستره الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة، خاصة إذا كانت قد تعرضت للإكراه أو الإجبار على ذلك.

أما إذا كانت تفعل ذلك طواعية واختياراً فإنها تصبح جرثومة تدمر المجتمع القريب والبعيد منها، وتُصبح مرضاً إذا انتشر أكل الأخضر واليابس.

أما في حالات الإكراه والإجبار فإن الشريعة الإسلامية توصينا بالستر، وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام عندما جاء ماعز، ثم جاء سيده بعد ذلك ليطلب من النبي عليه الصلاة والسلام ألا يقيم عليه الحد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هلا سترته بثوبك؟!)، يعني: لماذا جئت به، أو لماذا تركته يأتي ثم بعد ذلك جئتني لتشفع له؟! إن الشفاعة لا تصح إذا رُفع الأمر للقاضي أو للحاكم، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال له: كان الأولى بك أن تستره قبل أن يأتيني.

فالشريعة حقيقة تحافظ على هذه المسائل ما دام هناك إكراه، وتُوصي بعدم فضح ونقل تلك الأخبار خارج إطارها أبداً، وأن تظل مستورة، بل إن الشرع يفرض عليها ألا تتكلم في ذلك مع أحد، حتى لا تفضح نفسها، وحتى لا تكون عرضة للقيل والقال، حتى وإن وقع ذلك إكراهاً وإجباراً عليها وهي صغيرة وعُقد عليها فلا يلزمها حقيقة أن تُخبر زوجها بذلك، وإنما تجعل الأمر لله تعالى.

إن قدر الله تبارك وتعالى وكُشف أمرها فإنها تُخبر زوجها بما حدث ويكون له الخيار أن يبقيها أو أن يطلقها، أما أن تفضح نفسها فإن العلماء عموماً يقولون: الأولى أن تستر نفسها، وعلى قدر صدقها وإخلاصها في توبتها سوف يجعل الله تبارك وتعالى لها مخرجاً.

فمفهوم الستر في الشريعة الإسلامية إنما هو وجود الستر على مثل هذه الحالات التي - كما ذكرت لك – وقعت اضطراراً وابتزازاً وإجباراً وإكراهاً، أما ما سوى ذلك فإن الشرع يطالب المسلمين بلفظ هذه النوعيات والبحث لها عن علاج آخر بعيداً عن مسألة الستر، وإنما لابد لها من وسائل أخرى لعلاجها.

إذن أقول: إن الشرع أو إن الإسلام أو الشريعة الإسلامية أو المجتمع المسلم الفاهم الواعي لا يلفظ من اعتدي عليها بالقوة أو أجبرت على ممارسة الرذيلة تحت تهديد ملجئ، ومعنى (ملجئ) أنها إذا لم تفعل قُتلت مثلاً، ففي هذه الحالة يوصي الشرع باستقبالها وعدم كشف سترها وعدم التخلي عنها، بل ويحث على سترها وعلى التزوج بها، حتى لا تُكلم مرتين في عرضها ثم بعد ذلك في حرمانها من أن تكون سيدة فاضلة في بيت مسلم تؤسس أسرة مسلمة طيبة مباركة.

نصيب مفهوم الستر في الشريعة الإسلامية في تقبل هذه الحالات على أرض الواقع؟

نصيب مفهوم الستر واسع جدّاً حقيقة، والله -تبارك وتعالى جل جلاله- هو الذي يستر، فهو الستير جل جلاله سبحانه، وأمرنا بالستر وأمرنا بعدم فضح العيب، وأمرنا بعدم اللمز، وأمرنا بعدم الغمز، وأمرنا بعدم التعريض، كل ذلك منهي عنه في مثل هذه الحالة، حتى لا نسيء إلى مشاعر هؤلاء فنجرح مشاعرهم أو نصيبهم بنوع من الذل أو الهوان نتيجة معصية هم لم يقترفوها بإرادتهم، فالنصيب واسع حقيقة، ومساحة كبيرة في الشريعة الإسلامية، بل النبي ينادي عليه الصلاة والسلام: (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، وأي ستر أعظم من أن تُستر امرأة تعرضت لهتك عرضها بالقوة والإجبار والغصب والإكراه؟! هذا من أعظم أنواع الستر بل ومن أعلاها وأرفعها درجة، ولكن شريطة أن نكون متأكدين يقيناً من أنه قد اعتدي عليها بالقوة وعنوة واغتصاباً، وليس رغبة واختياراً ثم تأتي بعد ذلك لتدعي أن هذا الأمر وقع رغماً عنها.

أسأل الله تعالى أن يستر علينا بستره الذي لا ينكشف، وأن يستر عورات المسلمين والمسلمات في الدنيا والآخرة، وأن يجزيك عنا وعن الإسلام والمسلمين خيراً، ونراك في رسالة أخرى على خير.

هذا وبالله التوفيق.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً