الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

آفات المدح.. وسبل دفع المادح، وبيان ما على الممدوح
رقم الفتوى: 252130

  • تاريخ النشر:الأربعاء 8 رجب 1435 هـ - 7-5-2014 م
  • التقييم:
8269 0 283

السؤال

أنا شديد الضعف أمام المدح، وعندما أمدح من شخص لا أستطيع أن أملك نفسي، فما علاج ذلك؟ وهل أعاب إذا نهرت أحدا ليتوقف عن ذلك إن كان ممن له مكانة مثل الوالدين أو المدير أو الأستاذ، مع أنني أحيانا أستحيي من ذلك؟.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن المدح قد يفضي إلى ضرر بليغ بالممدوح، لا سيما إن كان المدح في أمر ديني، وكان الممدوح ضعيفا يغتر بالمدح، لذا جاءت نصوص الشرع بالنهي عن المدح في وجه من خشي عليه التأثر به، كما جاء في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر عنده رجل، فقال رجل: يا رسول الله ما من رجل، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفضل منه في كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويحك قطعت عنق صاحبك، مرارا يقول ذلك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كان أحدكم مادحا أخاه، لا محالة، فليقل: أحسب فلانا، إن كان يرى أنه كذلك، ولا أزكي على الله أحدا. متفق عليه.

قال النووي: وفي رواية: قطعتم ظهر الرجل ـ معناه أهلكتموه، وهذه استعارة من قطع العنق الذي هو القتل، لاشتراكهما في الهلاك، لكن هلاك هذا الممدوح في دينه، وقد يكون من جهة الدنيا لما يشتبه عليه من حاله بالإعجاب .اهـ.

 وجاء في النصوص الأمر بزجر المادح ليكف عن مدحه، كما في الحديث: إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب. أخرجه مسلم.

وأما إن كان المادح أحد الوالدين: فلا يجوز للابن نهره أو زجره ليكف عن مدحه، فإن الابن مأمور أن يخاطب الوالدين بالقول الكريم، كما قال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا {الإسراء:23}.

وأما سواهما: فالأصل أن يخاطب بلين ورفق، فإن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله ـ كما جاء في الحديث المتفق عليه ـ  لكن إن كان المادح لا يكف عن مدحه إلا بنهره وزجره، فلا حرج في ذلك، وننقل هنا كلاما نفيسا للغزالي في ضرر المدح وموقف الممدوح منه، قال ـ رحمه الله ـ في آفات المدح: وأما الممدوح فيضره من وجهين:
أحدهما: أنه يحدث فيه كبرا وإعجابا، وهما مهلكان، قال الحسن رضي الله عنه: كان عمر رضي الله عنه جالسا ومعه الدرة والناس حوله إذ أقبل الجارود بن المنذر، فقال رجل: هذا سيد ربيعة، فسمعها عمر ومن حوله، وسمعها الجارود فلما دنا منه خفقه بالدرة، فقال ما لي ولك يا أمير المؤمنين، قال ما لي ولك، أما سمعتها، قال: سمعتها، فمه، قال: خشيت أن يخالط قلبك منها شيء فأحببت أن أطأطئ منك.
الثاني: هو أنه إذا أثنى عليه بالخير فرح به وفتر ورضي عن نفسه، ومن أعجب بنفسه قل تشمره، وإنما يتشمر للعمل من يرى نفسه مقصرا، فأما إذا انطلقت الألسن بالثناء عليه ظن أنه قد أدرك، ولهذا قال عليه السلام: قطعت عنق صاحبك ـ وقال مطرف: ما سمعت قط ثناء ولا مدحة إلا تصاغرت إلي نفسي، وقال زياد بن أبي مسلم: ليس أحد يسمع ثناء عليه أو مدحة إلا تراءى له الشيطان، ولكن المؤمن يراجع، فقال ابن المبارك: لقد صدق كلاهما، أما ما ذكره زياد فذلك قلب العوام، وأما ما ذكره مطرف فذلك قلب الخواص.

ثم قال: بيان ما على الممدوح: اعلم أن على الممدوح أن يكون شديد الاحتراز عن آفة الكبر والعجب وآفة الفتور، ولا ينجو منه إلا بأن يعرف نفسه ويتأمل ما في خطر الخاتمة ودقائق الرياء وآفات الأعمال فإنه يعرف من نفسه ما لا يعرفه المادح، ولو انكشف له جميع أسراره وما يجري على خواطره لكف المادح عن مدحه، وعليه أن يظهر كراهة المدح بإذلال المادح، قال صلى الله عليه وسلم: احثوا التراب في وجوه المادحين ـ وقال سفيان بن عيينة: لا يضر المدح من عرف نفسه، وأُثني على رجل من الصالحين فقال: اللهم إن هؤلاء لا يعرفوني وأنت تعرفني، وقال آخر لما أثنى عليه: اللهم إن عبدك هذا تقرب إلي بمقتك وأنا أشهدك على مقته، وقال علي رضي الله عنه لما أثنى عليه: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرا مما يظنون، وأثنى رجل على عمر رضي الله عنه فقال: أتهلكني وتهلك نفسك؟. باختصار من الإحياء.

وفي الكتاب نفسه مبحث آخر بعنوان: بيان وجه العلاج لحب المدح وكراهة الذم، يحسن بك الرجوع إليه، وراجع للفائدة الفتويين رقم: 97449، ورقم: 52210.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: