الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 17 ] الحمد لله المحمود على كل حال ، الذي بحمده يستفتح كل أمر ذي بال ، خالق الخلق لما شاء ، وميسرهم على وفق علمه وإرادته ، لا على وفق أغراضهم لما سر وساء ، ومصرفهم بمقتضى القبضتين ، فمنهم شقي وسعيد ، وهداهم النجدين فمنهم قريب وبعيد ، ومسويهم على قبول الإلهامين ففاجر وتقي ، كما قدر أرزاقهم بالعدل على حكم الطرفين ففقير وغني ، كل منهم جار على ذلك الأسلوب فلا يعدوه ، فلو تمالئوا على أن يسدوا ذلك الفتق لم يسدوه ، أو يردوا ذلك الحكم السابق لم ينسخوه ولم يردوه ، فلا إطلاق لهم على تقييده ولا انفصال ، ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) .

والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبي الرحمة ، وكاشف الغمة ، الذي نسخت شريعته كل شريعة ، وشملت دعوته كل أمة ، فلم يبق لأحد حجة دون حجته ، ولا استقام لعاقل طريق سوى لاحب محجته ، وجمعت تحت حكمتها كل معنى مؤتلف ، فلا يسمع بعد وضعها خلاف مخالف ولا قول مختلف ، فالسالك سبيلها معدود في الفرقة الناجية ، [ ص: 18 ] والناكب عنها مصدود إلى الفرق المقصرة أو الفرق الغالية .

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين اهتدوا بشمسه المنيرة ، واقتفوا آثاره اللائحة وأنواره الواضحة وضوح الظهيرة ، وفرقوا بصوارم أيديهم وألسنتهم بين كل نفس فاجرة ومبرورة ، وبين كل حجة بالغة وحجة مبيرة ، وعلى التابعين لهم على ذلك السبيل ، سائر المنتمين إلى ذلك القبيل ، وسلم تسليما كثيرا .

أما بعد : فإني أذكرك أيها الصديق الأوفى ، والخالصة الأصفى ، في مقدمة ينبغي تقديمها قبل الشروع في المقصود ، وهي معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :

بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا ، كما بدأ فطوبى للغرباء .

قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يصلحون عند فساد الناس .

[ ص: 19 ] [ ص: 20 ] وفي رواية : قيل : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : النزاع من القبائل
.

[ ص: 21 ] وهذا مجمل ، ولكنه مبين في الرواية الأخرى . وجاء من طريق آخر : بدأ الإسلام غريبا ، ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء حين يفسد الناس .

وفي رواية لابن وهب قال عليه الصلاة والسلام : طوبى للغرباء الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك ، ويعملون بالسنة حين تطفى .

وفي رواية : إن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى [ ص: 22 ] للغرباء . قالوا : يا رسول الله كيف يكون غريبا ؟ قال : كما يقال للرجل في حي كذا وكذا : إنه لغريب .

وفي رواية : أنه سئل عن الغرباء ؟ قال : الذين يحيون ما أمات الناس من سنتي .

[ ص: 23 ] وجملة المعنى فيه من جهة وصف الغربة ما ظهر بالعيان والمشاهدة في أول الإسلام وآخره :

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل ، وفي جاهلية جهلاء ، لا تعرف من الحق رسما ، ولا تقيم به في مقاطع الحقوق حكما ، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها ، وما استحسنه أسلافها ، من الآراء المنحرفة ، والنحل المخترعة ، والمذاهب المبتدعة .

فحين قام فيهم صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر ، وغيروا في وجه صوابه بالإفك ، ونسبوا إليه إذ خالفهم في الشرعة ونابذهم في النحلة كل محال ، ورموه بأنواع البهتان ، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق ، الذي لم يجربوا عليه قط خبرا بخلاف مخبره ، وآونة يتهمونه بالسحر وفي علمهم أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه ، وكرة يقولون : إنه مجنون مع تحققهم بكمال عقله وبراءته من مس الشيطان وخبله .

[ ص: 24 ] وإذا دعاهم إلى عبادة المعبود بحق وحده لا شريك له ، قالوا : ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) ، مع الإقرار بمقتضى هذه الدعوة الصادقة : ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ) .

وإذا أنذرهم بطشة يوم القيامة ، أنكروا ما يشاهدون من الأدلة على إمكانه ، ( وقالوا أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ) .

وإذا خوفهم نقمة الله ، قالوا : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) ، اعتراضا على صحة ما أخبرهم به مما هو كائن لا محالة .

وإذا جاءهم بآية خارقة; افترقوا في الضلالة على فرق ، واخترقوا فيها بمجرد العناد ما لا يقبله أهل التهدي إلى التفرقة بين الحق والباطل .

كل ذلك دعاء منهم إلى التأسي بهم والموافقة لهم على ما ينتحلون ، إذ رأوا خلاف المخالف لهم في باطلهم ردا لما هم عليه ، ونبذا لما شدوا عليه يد الظنة ، واعتقدوا إذ لم يتمسكوا بدليل أن الخلاف يوهن الثقة ويقبح جهة الاستحسان ، وخصوصا حين اجتهدوا في الانتصار بعلم فلم يجدوا أكثر من تقليد الآباء .

[ ص: 25 ] ولذلك أخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام في محاجة قومه : ( ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) فحادوا كما ترى عن الجواب القاطع المورد مورد السؤال إلى الاستمساك بتقليد الآباء .

وقال الله تعالى : ( أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ) .

فرجعوا عن جواب ما ألزموا إلى التقليد ، فقال تعالى : ( قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ) ، فأجابوا بمجرد الإنكار ، ركونا إلى ما ذكروا من التقليد ، لا بجواب السؤال .

فكذلك كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما بأيديهم; لأنه خرج عن معتادهم ، وأتى بخلاف ما كانوا عليه من كفرهم وضلالهم .

حتى أرادوا أن يستنزلوه على وجه السياسة في زعمهم ، ليوقعوا بينهم وبين [ ـه ] المؤالفة والموافقة ولو في بعض الأوقات ، أو في بعض الأحوال أو على بعض الوجوه ، ويقنعوا منه بذلك; ليقف لهم بتلك الموافقة واهي بنائهم ، فأبى عليه الصلاة والسلام إلا الثبوت على محض الحق والمحافظة على خالص الصواب ، وأنزل الله : [ ص: 26 ] ( قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) إلى آخر السورة .

فنصبوا له عند ذلك حرب العداوة ، ورموه بسهام القطيعة ، وصار أهل السلم كلهم حربا عليه ، [ و ] عاد الولي الحميم عليه كالعذاب الأليم ، فأقربهم إليه نسبا كان أبعد الناس عن موالاته ، كأبي جهل وغيره ، وألصقهم به رحما كانوا أقسى قلوبا عليه .

فأي غربة توازي هذه الغربة ؟ !

ومع ذلك; فلم يكله الله إلى نفسه ، ولا سلطهم على النيل من أذاه ، إلا نيل المصلوفين ، بل حفظه وعصمه ، وتولاه بالرعاية والكلاءة ، حتى بلغ رسالة ربه .

ثم ما زالت الشريعة في أثناء نزولها ، وعلى توالي تقريرها تبعد بين أهلها وبين غيرهم ، وتضع الحدود بين حقها وبين ما ابتدعوا ، ولكن على وجه من الحكمة عجيب ، وهو التأليف بين أحكامها وبين أكابرهم في أصل الدين الأول الأصيل ، ففي العرب نسبتهم إلى أبيهم إبراهيم عليه السلام ، وفي غيرهم لأنبيائهم المبعوثين فيهم ، كقوله تعالى بعد ذكر كثير من الأنبياء : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) .

[ ص: 27 ] وقوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ) .

وما زال عليه الصلاة والسلام يدعو لها ، فيئوب إليه الواحد بعد الواحد على حكم الاختفاء ، خوفا من عادية الكفار زمان ظهورهم على دعوة الإسلام .

فلما اطلعوا على المخالفة أنفوا وقاموا وقعدوا :

فمن أهل الإسلام من لجأ إلى قبيله ، فحموه على إغماض ، أو على دفع العار في الإخفار .

ومنهم من فر من الإذاية وخوف الغرة ، هجرة إلى الله وحبا في الإسلام .

ومنهم من لم يكن له وزر يحميه ، ولا ملجأ يركن إليه ، فلقي منهم من الشدة والغلظة والعذاب أو القتل ما هو معلوم ، حتى زل منهم من زل فرجع أمره بسبب الرجوع - إلى الموافقة ، وبقي منهم من بقي صابرا محتسبا ، إلى أن أنزل الله تعالى الرخصة في النطق بكلمة الكفر على حكم الموافقة ظاهرا ، ليحصل بينهم وبين الناطق الموافقة وتزول المخالفة ، فنزل إليها من نزل على حكم التقية ، ريثما يتنفس من كربه ويتروح من خناقه ، وقلبه مطمئن بالإيمان .

وهذه غربة أيضا ظاهرة .

وإنما كان هذا جهلا منهم بمواقع الحكمة ، وأن ما جاءهم به نبيهم [ ص: 28 ] صلى الله عليه وسلم هو الحق ضد ما هم عليه ، فمن جهل شيئا عاداه ، فلو علموا لحصل الوفاق ، ولم يسمع الخلاف ، ولكن سابق القدر حتم على الخلق ما هم عليه قال الله تعالى : ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ) .

ثم استمر مزيد الإسلام ، واستقام طريقه على مدة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن بعد موته ، وأكثر قرن الصحابة رضي الله عنهم ، إلى أن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السنة ، وأصغوا إلى البدع المضلة ، كبدعة القدر ، وبدعة الخوارج ، وهي التي نبه عليها الحديث بقوله : يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان ، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ; يعني : لا يتفقهون فيه ، بل يأخذونه على الظاهر; كما بينه حديث ابن عمر الآتي بحول الله . وهذا كله في آخر عهد الصحابة .

ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق صلى الله عليه وسلم :

في قوله : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة .

[ ص: 29 ] وفي الحديث الآخر : لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا في جحر ضب ، لاتبعتموهم ، قلنا : يا رسول الله : اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ وهذا أعم من الأول ، فإن الأول عند كثير من أهل العلم خاص بأهل الأهواء ، وهذا الثاني عام في المخالفات ، ويدل على ذلك من الحديث قوله : حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم .

وكل صاحب مخالفة ، فمن شأنه أن يدعو غيره إليها ، ويخص سؤاله بل سواه عليها ، إذ التأسي في الأفعال والمذاهب موضوع طلبه في الجبلة ، وبسببه تقع في المخالف المخالفة وتحصل من الموافق المؤالفة ، ومنه تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين .

كان الإسلام في أوله وجدته مقاوما بل ظاهرا ، وأهله غالبون ، وسوادهم أعظم الأسودة ، فخلا من وصف الغربة بكثرة الأهل والأولياء الناصرين ، فلم يكن لغيرهم - ممن لم يسلك سبيلهم ، أو سلكه ولكنه [ ص: 30 ] ابتدع فيه - صولة يعظم موقعها ، ولا قوة يضعف دونها حزب الله المفلحون ، فصار على استقامة ، وجرى على اجتماع واتساق ، فالشاذ مقهور مضطهد ، إلى أن أخذ اجتماعه في الافتراق الموعود ، وقوته إلى الضعف المنتظر ، والشاذ عنه تقوى صولته ويكثر سواده ، واقتضى سر التأسي المطالبة بالموافقة ، ولا شك أن الغالب أغلب ، فتكالبت على سواد السنة البدع والأهواء ، فتفرق أكثرهم شيعا .

وهذه سنة الله في الخلق; أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل ، لقوله تعالى : ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) ، وقوله تعالى : ( وقليل من عبادي الشكور ) ، ولينجز الله ما وعد به نبيه صلى الله عليه وسلم من عود وصف الغربة إليه ، فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو قلتهم ، وذلك حين يصير المعروف منكرا والمنكر معروفا ، وتصير السنة بدعة والبدعة سنة ، فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف ، كما كان أولا يقام على أهل البدعة; طمعا من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال ، ويأبى الله أن تجتمع حتى تقوم الساعة ، فلا تجتمع الفرق كلها على كثرتها على مخالفة السنة عادة وسمعا ، بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله ، غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء; استدعاء إلى موافقتهم ، لا يزالون في جهاد ونزاع ، ومدافعة وقراع ، آناء الليل والنهار ، وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم [ ص: 31 ] الثواب العظيم .

فقد تلخص مما تقدم أن مطالبة المخالفة بالموافقة جار مع الأزمان ، لا يختص بزمان دون زمان ، فمن وافق; فهو عند المطالب المصيب على أي حال كان ، ومن خالف; فهو المخطئ المصاب ، ومن وافق; فهو المحمود السعيد ، ومن خالف; فهو المذموم المطرود ، ومن وافق ، فقد سلك سبيل الهداية ، ومن خالف : فقد تاه في طرق الضلالة والغواية .

وإنما قدمت هذه المقدمة لمعنى أذكره :

وذلك أني ولله الحمد لم أزل منذ فتق للفهم عقلي ، ووجه شطر العلم طلبي أنظر في عقلياته وشرعياته ، وأصوله وفروعه ، لم أقتصر منه على علم دون علم ، ولا أفردت عن أنواعه نوعا دون آخر ، حسبما اقتضاه الزمان والمكان ، وأعطته المنة المخلوقة في أصل فطرتي ، بل خضت في لججه خوض المحسن للسباحة ، وأقدمت في ميادينه إقدام الجريء ، حتى كدت أتلف في بعض أعماقه ، أو أنقطع في رفقتي التي بالأنس بها تجاسرت على ما قدر لي ، غائبا عن مقال القائل وعذل العاذل ، ومعرضا عن صد الصاد ولوم اللائم ، إلى أن من علي الرب الكريم الرءوف الرحيم ، فشرح لي من معاني الشريعة ما لم يكن في حسابي ، وألقى في نفسي القاصرة : أن كتاب الله وسنة نبيه لم يتركا في سبيل الهداية لقائل ما يقول ولا أبقيا لغيرهما مجالا يعتد فيه ، وأن الدين قد كمل ، والسعادة الكبرى فيما وضع ، والطلبة فيما شرع ، وما سوى ذلك فضلال وبهتان وإفك وخسران ، وأن العاقد عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى محصل لكلمتي الخير دنيا وأخرى ، وما [ ص: 32 ] سواهما فأحلام وخيالات وأوهام ، وقام لي على صحة ذلك البرهان الذي لا شبهة تطرق حول حماه ، ولا ترتمي نحو مرماه : ( ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) ، والحمد لله والشكر كثيرا كما هو أهله .

فمن هنالك قويت نفسي على المشي في طريقه بمقدار ما يسر الله فيه ، فابتدأت بأصول الدين عملا واعتقادا ، ثم بفروعه المبنية على تلك الأصول ، وفي خلال ذلك أتبين ما هو من السنن أو من البدع ، كما أتبين ما هو من الجائز وما هو من الممتنع ، وأعرض ذلك على علم الأصول الدينية والفقهية ، ثم أطالب نفسي بالمشي مع الجماعة التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسواد الأعظم في الوصف الذي كان عليه هو وأصحابه ، وترك البدع [ ص: 33 ] التي نص عليها العلماء أنها بدع وأعمال مختلفة .

وكنت في أثناء ذلك قد دخلت في بعض خطط الجمهور من الخطابة والإمامة ونحوها ، فلما أردت الاستقامة على طريق; وجدت نفسي غريبا في جمهور أهل الوقت; لكون خططهم قد غلبت عليها العوائد ، ودخلت على سننها الأصلية شوائب من المحدثات الزوائد ، ولم يكن ذلك بدعا في الأزمنة المتقدمة ، فكيف في زماننا هذا ؟ ! فقد روي عن السلف الصالح من التنبيه على ذلك كثير :

كما روي عن أبي الدرداء أنه قال : لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة .

قال الأوزاعي : فكيف لو كان اليوم ؟

قال عيسى بن يونس : فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان ؟

وعن أم الدرداء قالت : دخل أبو الدراداء وهو غضبان ، فقلت : ما أغضبك ؟ فقال : والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا .

وعن أنس بن مالك ; قال : ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قولكم : لا إله إلا الله . قلنا : بلى يا أبا حمزة . قال : قد صليتم حتى تغرب الشمس ، أفكانت تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ !

[ ص: 34 ] وعن أنس ; قال : لو أن رجلا أدرك السلف الأول ، ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا . قال : ووضع يده على خده ، ثم قال : إلا هذه الصلاة .

ثم قال : أما والله - على ذلك - لمن عاش في النكر ، ولم يدرك ذلك السلف الصالح ، فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته ، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه ، فعصمه الله من ذلك ، وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف الصالح ، يسأل عن سبلهم ، ويقتص آثارهم ، ويتبع سبيلهم ، ليعوض أجرا عظيما ، وكذلك فكونوا إن شاء الله .

وعن ميمون بن مهران; قال : لو أن رجلا أنشر فيكم من السلف ، ما عرف غير هذه القبلة .

وعن سهل بن مالك عن أبيه ، قال : ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة .

إلى ما أشبه هذا من الآثار الدالة على أن المحدثات تدخل في المشروعات ، وأن ذلك قد كان قبل زماننا ، وإنما تتكاثر على توالي الدهور إلى الآن .

فتردد النظر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس ; فلا بد من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد ، ولا سيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها ، إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل ، وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح ، فأدخل تحت ترجمة الضلال عائذا بالله من ذلك ، إلا أني أوافق [ ص: 35 ] المعتاد ، وأعد من المؤالفين لا من المخالفين ؟ !

فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة ، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئا ، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور ، فقامت علي القيامة ، وتواترت علي الملامة ، وفوق إلي العتاب سهامه ، ونسبت إلى البدعة والضلالة ، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة .

وإني لو التمست لتلك المحدثات مخرجا; لوجدت ؛ غير أن ضيق العطن والبعد عن أهل الفطن رقى بي مرتقى صعبا وضيق علي مجالا رحبا ، وهو كلام يشير بظاهره إلى أن اتباع المتشابهات ، لموافقات العادات ، أولى من اتباع الواضحات ، وإن خالفت السلف الأول .

وربما ألموا في تقبيح ما وجهت إليه وجهتي بما تشمئز منه القلوب ، أو خرجوا بالنسبة إلى بعض الفرق الخارجة عن السنة شهادة ستكتب ويسألون عنها يوم القيامة :

فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه كما يعزى إلى بعض الناس ، بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة حالة الإمامة . وسيأتي ما في ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح والعلماء .

وتارة نسبت إلى الرفض وبغض الصحابة رضي الله عنهم ، بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة على الخصوص ، إذ لم يكن ذلك من شأن السلف في خطبهم ، ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب :

[ ص: 36 ] وقد سئل ( أصبغ ) عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين ؟ فقال : هو بدعة ولا ينبغي العمل به ، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة .

قيل له : فدعاؤه للغزاة والمرابطين ؟ قال : ما أرى به بأسا عند الحاجة إليه ، وأما أن يكون شيئا يصمد له في خطبته دائما ، فإني أكره ذلك .

ونص أيضا عز الدين بن عبد السلام : على أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة .

وتارة أضيف إلي القول بجواز القيام على الأئمة ، وما أضافوه إلا من عدم ذكري لهم في الخطبة ، وذكرهم فيه محدث لم يكن عليه من تقدم .

وتارة حمل علي التزام الحرج والتنطع في الدين ، وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه ، وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه ، وإن كان شاذا في المذهب الملتزم أو في غيره ، وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك ، وللمسألة بسط في كتاب ( الموافقات ) .

وتارة نسبت إلى معاداة أولياء الله ، وسبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء المبتدعين المخالفين للسنة المنتصبين بزعمهم لهداية الخلق ، وتكلمت للجمهور على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى [ ص: 37 ] الصوفية ولم يتشبهوا بهم .

وتارة نسبت إلى مخالفة السنة والجماعة ، بناء منهم على أن الجماعة التي أمر باتباعها وهي الناجية ما عليه العموم ، ولم يعلموا أن الجماعة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان . وسيأتي بيان ذلك بحول الله .

وكذبوا علي في جميع ذلك ، أو وهموا ، والحمد لله على كل حال .

فكنت على حالة تشبه حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة الحافظ مع أهل زمانه إذ حكى عن نفسه فقال :

" عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين ، والعارفين والمنكرين ، فإني وجدت بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقا أو مخالفا ، دعاني إلى متابعته على ما يقوله ، وتصديق قوله ، والشهادة له ، فإن كنت صدقت فيما يقول وأجزت له ذلك كما يفعله أهل هذا الزمان; سماني موافقا ، وإن وقفت في حرف من قوله أو في شيء من فعله سماني مخالفا ، وإن ذكرت في واحد منها أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد ، سماني خارجيا ، وإن قرأت عليه حديثا في التوحيد ، سماني مشبها ، وإن كان في الرؤية; سماني سالميا ، وإن كان في الإيمان سماني مرجئا ، وإن كان في الأعمال ، سماني قدريا ، وإن كان في المعرفة سماني كراميا ، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر ، سماني ناصبيا ، وإن كان في فضائل أهل البيت سماني رافضيا ، وإن سكت عن [ ص: 38 ] تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا بهما ، سماني ظاهريا ، وإن أجبت بغيرهما ، سماني باطنيا ، وإن أجبت بتأويل ، سماني أشعريا ، وإن جحدتهما ، سماني معتزليا ، وإن كان في السنن مثل القراءة ، سماني شفعويا ، وإن كان في القنوت سماني حنفيا ، وإن كان في القرآن ، سماني حنبليا ، وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الأخبار إذ ليس في الحكم والحديث محاباة قالوا : طعن في تزكيتهم .

ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرءون علي من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشتهون من هذه الأسامي ، ومهما وافقت بعضهم; عاداني غيره ، وإن داهنت جماعتهم ، أسخطت الله تبارك وتعالى ، ولن يغنوا عني من الله شيئا . وإني مستمسك بالكتاب والسنة وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الغفور الرحيم .

هذا تمام الحكاية ، فكأنه رحمه الله تكلم على لسان الجميع ، فقلما تجد عالما مشهورا أو فاضلا مذكورا ، إلا وقد نبذ بهذه الأمور أو بعضها ، لأن الهوى قد يداخل المخالف ، بل سبب الخروج عن السنة الجهل بها والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف ، فإذا كان كذلك ، حمل على صاحب السنة ، أنه غير صاحبها ، ورجع بالتشنيع عليه والتقبيح لقوله وفعله ، [ ص: 39 ] حتى ينسب هذه المناسب .

وقد نقل عن سيد العباد بعد الصحابة ( أويس ) القرني أنه قال : إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقا : نأمرهم بالمعروف ، فيشتمون أعراضنا ، ويجدون في ذلك أعوانا من الفاسقين ، حتى والله لقد رموني بالعظائم ، وايم الله ، لا أدع أن أقوم فيهم بحقه .

فمن هذا الباب يرجع الإسلام غريبا كما بدأ ، لأن المؤالف فيه على وصفه الأول قليل ، فصار المخالف هو الكثير ، فاندرست رسوم السنة حتى مدت البدع أعناقها ، فأشكل مرماها على الجمهور ، فظهر مصداق الحديث الصحيح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث