الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي خلق الإنسان مؤهلا للتعلم، وجعل القراءة والكسب المعرفي مفتاح فهم قيم الدين ومنهج ممارسة التدين الصحيح، كما جعلها سبيل النهوض الحضاري وقيام العمران، وجعل علوم الإنسان ومعرفة النشأة والمصير في مقدمة العلوم جميعها،

فقال تعالى: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) (العلق:1-5) ،

فكانت القراءة باسم الله الأكرم هـي الإطار المرجعي والضابط المنهجي لرحلة الكسب العلمي، وتحديد مقاصدها وأهدافها، وبذلك كانت صمام الأمان من انحراف الحركة العلمية عن مسارها وأهدافها، وتحويل العلم والمعرفة كقوة وطاقة لا حدود ولا نهاية، إلى ممارسة البغي والظلم، وفي ذلك وقوع في علل التدين؛ من الفرقة والتناحر والتعسف في فهم قيم الدين وتحريفها عن مقاصدها،

يقول تعالى: ( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) (آل عمران:19) .

والصلاة والسلام على النبي الأمي، الذي بدأ خطوات النبوة الأولى بالتعلم والمشافهة عن الوحي، وكانت المعاناة والجهد والممانعة في رحلة التعليم ( ما أنا بقارئ ) ، فأخذه الوحي فغطه -ضمه بشدة- ثم أرسله،

فقال: ( اقرأ ) (العلق:1) ،

وهكذا إلى أن بدأت الرحلة العلمية للنبي القدوة صلى الله عليه وسلم ، وبدأ يتلو [ ص: 5 ] مرددا للوحي: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) (العلق:1-5) ،

وبذلك انطلقت الحضارة الإسلامية وأخرجت الأمة، وتحققت خيريتها بالقراءة والعلم، فكانت حضارتها تتناسب؛ نموا وتخلفا، علوا وهبوطا، بمقدار انتمائها السليم لقيم الوحي والتزامها بمدلولاتها واستحقاقاتها في العلم والتعلم، حتى أننا لنستطيع القول: بأن معجزة الرسالة الخاتمة معجزة عقلية فكرية مجردة خالدة، دافعة للتفكر والاجتهاد والتوليد في كل زمان ومكان، ربت عقل الإنسان، وزودته بأدوات البحث العلمي، وحرضته على النظر والاعتبار، ووحدت أبجديات القراءة بالمواءمة بين علوم الحياة وعلوم المادة، وجعلت الأنفس (علم الإنسان) والآفاق (علم الكون بكل مكوناته) ميدان هـذا الكسب المعرفي، وميدان النظر والاستبصار والكشف العلمي للسنن والأسباب والقوانين الناظمة لحركة الحياة والأحياء، وتحصيل البراهين والآيات الدالة على الحقائق من خلال الملاحظة والاختبار،

قال تعالى: ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) (فصلت:53) .

وبعد:

فهذا «كتاب الأمة» الرابع بعد المائة: «علوم حضارة الإسلام ودورها في الحضارة الإنسانية»: للدكتور خالد أحمد حربي ، في سلسلة «كتاب الأمة»، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة قطر، في سعيه الدائب لإعادة التشكيل الثقافي، وتصويب [ ص: 6 ] مسيرة الأمة، واكتشاف مواطن الخلل في حياتها، والبحث في أسباب التخلف والتراجع الحضاري، والتنبيه إلى علل التدين ومحاولة إعادة تقويم واقع الأمة بقيم الكتاب والسنة، والاستهداء بالتجربة الحضارية التاريخية، وإعادة النظر في معادلة النهوض، وعدم التقويم والمعايرة لواقع الأمة بقيم وأصول حضارة (الآخر) ، التي لم نجن من وراء مقاربتها إلا الصاب والعلقم، وإضاعة الأجر والعمر.

إن استقراء التاريخ الحضاري للأمة وقراءة الواقع بدقة وموضوعية يدلل على أن التخلف والتراجع والوهن الحضاري جاء نتيجة للانسلاخ عن القيم الإسلامية والتعسف والمغالاة والتقليد في التعامل معها، وليس بسبب الاستمساك بها؛ حيث تأتى من ذهنية التخلف أن تحول التدين إلى ضروب من الكهانات والعبث بقيم السماء، شأن الكثير من الحضارات الأخرى، الذي كان النهوض والانعتاق فيها بسبب التمرد والخروج عن صور التدين والكهانات الدينية، وليس الانسلاخ عن قيم الدين.

ذلك أن التدين المغشوش، أو الفهم المعوج لقيم الدين، أو الجمود عند ظاهر النصوص، والتوقف في امتلاك القدرة على تجريد النص من قيود الزمان والمكان، والاجتهاد في تنـزيله على واقع الناس في كل زمان مهما كان هـذا الواقع في ضوء استطاعاتهم هـو إيقاف للحياة، وللقيم الإسلامية معا، ومعاندة لسنن الحياة والأحياء، ونكران لحقائق التبصر والتطور والنمو، الذي هـو روح الحياة وسر نموها وامتدادها.

وليس أقل من ذلك خطورة في مجال التدين وكيفية التعامل مع النصوص عدم النظر في النصوص من خلال الواقع، بكل مشكلاته ومتغيراته [ ص: 7 ] وتعقيداته وتراجعه وتخلفه وعجزه عن النمو والارتقاء والاجتهاد، والبحث في النصوص خارج هـذا الواقع تماما، وكأنها لا تمت للواقع بصلة اللهم إلا أن الباحث فيها هـو جزء من هـذا الواقع، حتى أننا لو تناولنا بعض البحوث والاجتهادات، أو إن شئت فقل الأدبيات بشكل عام فقد يصعب علينا تماما أن نستطيع نسبتها إلى زمان معين أو مكان بعينه.

ولعل الوجه الآخر للإشكالية أن نتجاهل النظر للواقع، بكل إشكالاته وإصاباته، ومحاولة تقويمه بالقيم الإسلامية؛ لتحديد مواطن الخلل والقصور وكشف أسباب التقصير، ووضع الخطط التي تنطلق من قيم الأمة ومعادلتها الاجتماعية، واستصحاب تجربتها الحضارية التاريخية، بحيث نصبح قادرين على وضع الواقع في موقعه المناسب من المسيرة الحضارية التاريخية، التي تشكل لنا إضاءات وتغنينا بتجارب ومعالجات مماثلة، وتبصرنا بأخطائنا، وتمنحنا العبرة والدرس لمعالجة الواقع وحسن صناعة المستقبل.

ذلك أن قياس هـذا الواقع بمعايير حضارية أخرى خارجة عن قيم الأمة وفعلها وتاريخها، ومحاولة قياسه بفترات تاريخية ليس هـذا الواقع ثمرة لها إنما هـو تكريس للتخلف والتراجع، واستمرار للوهن الحضاري والتمكين لامتداد (الآخر) ، إضافة إلى أن القفز الحضاري -إن صح التعبير- أو القفز من فوق المجتمع وتاريخه وقيمه وحضارته وإمكاناته الحضارية والثقافية، واستبدال الاستيراد والتكديس للأشياء الحضارية من (الآخر) بالنهوض الذاتي لم يجد فتيلا، ابتداء من تاريخ الانسلاخ عن الإسلام، وبدء مراحل [ ص: 8 ] الاحتلال والاستعمار وما بعد الاستعمار، حيث لم يحدث أي إعمار أو تقدم، وإنما الذي حدث مزيد من التخلف والتراجع، حتى إذا قيس ذلك بالمعيار الحضاري العام.

ولا شك عندنا أن التبادل المعرفي يحرك الذات، ويلقح العقل، ويجمع الطاقة، ويبعث الفاعلية، وأن الاستيراد والتكديس والاستعارة والعمالة الحضارية والغزو الثقافي يلغي الذات، ويصبح وبالا على الأمة؛ إذ لا يمكن أن نتصور أي نهوض يمكن أن يتحقق من خارج تطوير الذات بالعلم والمعرفة؛ لأنها محور النهوض، ومرتكز تنمية الإمكانات، ومحل الإفادة من (الآخر) ، فإذا كان الفعل الحضاري كله ينسب (للآخر) ويمارس خارج الذات فلا يبقى أمل في النهوض والكسب المعرفي؛ لأن التكديس والاستيراد محله الأشياء، وبناء الذات وقيام الحضارة محله العلم والمعرفة والثقافة وعالم الأفكار.

وإشكالية أخرى قد يكون من المفيد أن نتوقف عندنا قليلا ونلقي عليها بعض الأضواء، ونحن بسبيل الحديث عن عوامل النهوض ووسائله -وفي مقدمتها التقدم العلمي- والبحث في أسباب التخلف والتراجع، خاصة وأن للأمة سبقا في الإنجاز العلمي، والتألق الحضاري والعطاء الإنساني رغم أنه توقف منذ زمن.

هذه الإشكالية تتمثل في كثير من الأحيان بعدم إدراك فقه الأولويات على الشكل المناسب، أو الفقه المطلوب من النص وإمكانية تحويل النص من [ ص: 9 ] مجال الفكر والاجتهاد إلى مجال الفعل والإنجاز؛ أي تنزيل النص على واقع الناس من خلال استطاعاتهم، على الرغم من كل ما يعتور ذلك من عثرات وخطأ وصواب، إلا أن السير في هـذا الطريق لا مندوحة عنه، إنه الطريق الصحيح لمعالجة مشكلة التخلف العلمي والحضاري.

إن النظر في النصوص -في معظمه- منذ بدء حقبة التراجع ما يزال يسير باتجاه إثبات النص وصحته ومدلوله بشكل عام؛ دفاعا عن الذات، بعيدا عن التفكير بتنميتها، حتى أننا لنستطيع القول: بأن الأقدمين لم يدعوا استزادة لمستزيد في هـذا المجال، وإن المطلوب اليوم التفكير بالخروج من دائرة الجدل حول النص؛ دلالة وثبوتا، إلى تشغيل النص في واقع الناس، وإبداع الوسائل والأدوات المطلوبة لذلك، والتدريب على ذلك، فالنصوص تحض على العلم وتجعله فريضة، وتدعو إلى التفكر والنظر والاعتبار والتبين والملاحظة وعدم المرور بآيات الأنفس والآفاق في حالة غفلة، لكن كيف لنا الاستجابة وتحويل ذلك إلى برامج وميادين تدريب؟

ذلك أننا نرى اليوم -مع الأسف الشديد- أن جميع أدوات النظر والفحص والاختبار والملاحظة والكشف العلمي تتطور بعيدا عن عالم المسلمين؛ فعلوم الإنسان وعلوم الكون كلها تتقدم بعيدا عنا، ونحن ما نزال دون سوية فهمها وإدراكها وليس إبداعها، ومع ذلك نستمر بقرع طبول الحرب ولا محاربين، وكأن النصوص تحولت من ميدان الفعل والفكر إلى مادة لموضوعات الخطابة على المنابر والأحاديث الدينية في الفضائيات، [ ص: 10 ] تحولت إلى مواد إعلامية، قد تكون مهمتها تأليف الجيوب لا تأليف القلوب وصناعة العقول.

فالنصوص الشرعية تطلب إلينا النظر والتفكر والاستدلال والسير في الأرض والتعرف إلى سنن السقوط والنهوض، وقليل قليل جدا فينا من يطرح السؤال: لماذا لا ننظر ونفكر ونكتشف ونتحول عن قرع الطبول والضجيج إلى فعل المستطاع وبدء التهيؤ للإقلاع من جديد؟

وقد نمضي أوقاتنا وطاقاتنا في الحديث -مثلا- عن مفهوم الشورى وأهميتها، لكننا -مع الأسف- لا نمارسها ولا نتدرب عليها، حتى في مدارسنا ومعاهدنا ومؤسساتنا وأسرنا الإسلامية التي نملكها، ونجند بكل حناجرنا ورصيدنا الثقافي لمواجهة الدعوة إلى الديمقراطية، بحجة أنها عدوة الشورى، ومغايرة لها، وتمثل خروجا عن شريعة الله، وندخل معارك بغير عدو، ونتوهم أن المعركة بين الشورى والديمقراطية، ناسين أو غافلين أن المعركة الحقيقية اليوم بين الاسـتبداد والدعوة لمعالجته بالديمقراطية، وأنها ليست التفضيل النظري بين الشورى والديمقراطية، وبذلك شئنا أم أبينا نساهم بحماية وتكريس الاستبداد السياسي، الذي يقضي على كل طاقة ومعرفة وعلم وتقدم باسم: حماية الشورى، التي لا وجود لها إلا الوجود النظري، في تصورنا، ويستغل غفلتنا حتى أصحاب الاستبداد السياسي فيوظفوننا لمصلحتهم.

وهكذا يستغرقنا الجدل والمفهوم حول النص عن التفكير بكيفية إعمال النص في حياة الناس، والدين في أصله إنما أنزل لصناعة الحياة، وبناء [ ص: 11 ] الإنسان، وإقامة العمران، فالدين في مقاصده العامة إنما جاء لإصلاح الدنيا، أما الآخرة فهي نوع حياة أخرى لا خيار فيها ولا تكليف ولا معاناة ولا خطأ ولا صواب، وإنما يأتي الحديث عن الآخرة كتربية وترشيد لاستقامة الدنيا، لإصلاح الدنيا؛ ذلك أن الفوز بنعيم الآخرة إنما يكون بحسن إصلاح الدنيا، وليس في الدنيا مجال لممارسة الحياة الآخرة.

لذلك نرى أن الغياب الكامل عن التفكير في إصلاح الدنيا؛ ليستقيم أمرها، ويسعد إنسانها بإنتاجه ومعارفه وكسبه العلمي الذي يؤدي إلى الارتقاء بمجتمعه، واستغراق الحديث عن الآخرة ونعيمها، دون ربط ذلك بإحكام لإصلاح الدنيا، هـو نوع من التدين المغشوش، وانتهاء إلى الازدواجية وفصام الشخصية والانشطار الثقافي.

فالإنسان جزء من الدنيا وقبضة من ترابها، فهي مرتكز حياته ومعاشه وحركته وعلاقاته... إلخ، فكيف يمكن له مغادرتها؟ وإلى أين يغادرها؟ فهو في الحقيقة يغادرها إليها. والآخرة مستقبله ومآله ومعاده ونهايته التي لا مفر منها، وحسن التعامل مع الدنيا، والقيام بأعباء الاستخلاف الإنساني، وإقامة العمران، وفق منهج الله هـو الطريق الآمن الموصل إلى الآخرة بكل نعيمها. فكيف للإنسان أن يحسن صناعة الدنيا ويتقن هـذه الصناعة التي لا تتأتى إلا بالعلم والمعرفة، حتى يكون إنجازه في الدنيا وفق منهج الله هـو سبيل نجاته في الآخرة؟ وكيف يصنع الدنيا وفق منهج الله لتكون طريقا آمنا إلى الآخرة؟ [ ص: 12 ] لذلك لم يعرف الإسلام هـذه الثنائية بين الدنيا والآخرة، وهذا التقابل وهذا الفصام المنكود المنكور في الشخصية الإيمانية، وهذا الانشطار الحضاري.

من هـنا نقول: إن الهروب من الدنيا هـروب من المسئولية، هـروب من التكليف الشرعي بالقيام بأعباء الاستخلاف الإنساني، وإن العدول عن بناء الحضارة واكتساب العلوم والمعارف التي تتطلبها باسم التدين، أو التفرغ للعبادة، أو الاقتصار على فقه الأحكام، بعيدا عن فقه الحياة تدين مغشوش؛ حيث لا قيمة لفقه الأحكام في غيبوبة الحياة؛ لأنه ينتهي إلى حركة في فراغ، لا تسمن ولا تغني من جوع، اللهم إلا إذا شفعت للإنسان نواياه، وإن كنا نقول: بأن النية فقه ورؤية، وإرادة وتخطيط، وعزم وفكر قبل الفعل.

إن هـذا الفهم المغشوش لقيم الدين، وهذا التصور البائس للتدين هـو الذي ساهم بتخلف الأمة وتراجعها، بل والارتياب في قيم الدين التي لم تعد تشكل قارب الإنقاذ وسبيل الخلاص، خاصة عند من يعجزون عن التمييز بين قيم الدين وبين صور التدين، بين الصورة والحقيقة، ولا يقدرون على اكتشاف مواطن الخلل ومحل الإصابة، بل قد يكون هـذا الفهم هـو المسئول عن تهريب الناس من الدين، بل وعلمنتهم.

وليس أقل من ذلك إشكالية -وإن شئت فقل خطورة- الدعوة إلى العدول عن علوم الحياة والحضارة، وتركها (للآخر) ، بحجة أن الله خلقه لخدمتنا، فهو الذي يتعلم ونحن الذين نجني ثمرة علمه، ونتمتع بإبداعه وإنجازه، دون أن نكلف أنفسنا عناء، ويفوتنا أن ندري أننا نحن الذين في خدمته [ ص: 13 ] حقيقة وفعلا، وإننا بذلك نصبح أسواقا لتصريف منتجاته، وميدانا لتجارب أسلحته، وأنه بمقابل ذلك يستنزف طاقاتنا كلها.

إن المشكلة الحقيقية هـي في ذهنية التخلف ومناخ التخلف، والأخطر من ذلك أن ينعكس ذلك التخلف على فهم قيم الدين، فيصبح التدين مظهرا وتجليا من مظاهر التخلف، بدل أن تكون قيم الدين هـي المنقذ.

والإشكالية في التخلف أن التخلف لا يمكن أن يكون في جانب من جوانب الحياة متجاورا مع جوانب ارتقاء وتقدم، فالتنمية والتقدم عملية متكاملة متفاعلة ومتضامنة ومتكافئة، كما أن التخلف عمليه شاملة وإصابة قاتلة لكل نمو وتقدم، في جميع جوانب الحياة.

لذلك قد لا نرى عجبا أو بدعا في استقراء عوامل النهوض الحضاري أن يترافق الاجتهاد والتجديد والفقه الشرعي والقدرة على توليد الأحكام ونموها تاريخيا مع تقدم العلوم والمعارف في المجالات جميعا؛ إذ كيف ينمو الفقه ويتجدد الاجتهاد إذا لم تنم الحياة وتتقدم؟ وكيف تتقدم الحياة وتنمو بدون الحركة العقلية والكشف العلمي ومعرفة قوانين الحركة الاجتماعية والإنسانية؟ وكيف يمكن التشريع للحياة بعيدا عن فقه سننها وقوانينها وإبصار مستقبل حركتها واستيعاب أعبائها ومهامها وحركة عمرانها، ومحل ذلك كله العلم والمعرفة؟

إن الغياب عن فهم الحياة وفقه التعامل معها هـو خروج من المدائن إلى المقابر، وتحول عما كلفنا به ونملكه في الدنيا إلى البحث فيما يملكنا في الآخرة، وتعطيل لخلود الشريعة وقدرتها على الامتداد. [ ص: 14 ] لذلك كان النمو والتألق في مجال من مجالات الحياة يستدعي أو يترافق مع النمو والتألق والإنجاز في المجالات الأخرى، وكان النمو والامتداد والتبحر في علوم الشريعة جزءا من عملية النمو في علوم الكون والحياة وثمرة له، بل لعلنا نقول: إن التقدم في علوم الشريعة من لوازم تقدم المجتمع ونمو علوم الحياة، حتى يتأتى له تقديم الأوعية الشرعية لحركة المجتمع، ولذلك نرى أن العصور الذهبية -كما يقال- هـي إنجاز متكامل وشامل لجميع الجوانب، وكان المجتمع الإسلامي ينتج فقهاء ومجتهدين وعلماء متميزين في شعب المعرفة المتعددة، جنبا إلى جنب.

لقد أفرز مناخ التخلف الرؤية القاصرة لعلوم الدين والدنيا معا، وأوقع في الازدواجية، وأدى إلى فصام الشخصية وانشطارها وتأزمها، ووضعها في مأزق صعب ومعادلة مستحيلة الحل، ودفعها إلى المقابلة بين علوم الدين وعلوم الدنيا، ففي علوم الدين استقامتنا والتحضير لمعادنا الآمن وحياتنا النظيفة الطاهرة، وفي علوم الدنيا معاشنا، وعلوم الدين نفسها تدعو إلى التضلع بعلوم الكون والإنسان والحياة، وأين ستعيش علوم الدين وتثمر إذا خرجت من الدنيا؟

وقد لا نأتي بجديد إذا قلنا: بأن القيم الإسلامية عالجت هـذه الإصابة التي أصلتها الكهانات الدينية في الأديان السابقة، وحلت تلك المعادلة الصعبة، وصوبت المسيرة البشرية، وحذرت من تسرب علل التدين والمفاهيم المعوجة التي لحقت بالأمم السابقة؛ ذلك أن علل التدين والكهانات الدينية في الأمم السابقة هـي التي دفعت إلى التمرد والخروج، وعزل قيم الدين عن الحياة، [ ص: 15 ] وفصل العلم عن الدين، وكان التمرد على التدين المغشوش سببا في الانطلاق من قيود الكهانات الدينية، والوصول إلى الانفجار المعرفي الهائل الذي يشهده العالم، وإن كانت الرحلة العلمية خرجت من أزمة صنعها عقم التدين، وانفلتت من أسر الكهانة الدينية للوقوع في أزمة ضلال الهدف في الرحلة العلمية، والانتهاء إلى البغي وممارسة الظلم والهيمنة؛ لفقدان المعرفة لأخلاقها.

نعود إلى القول: إن القيم الإسلامية بدعوتها إلى وحدانية الخلق ووحدانية الخالق للدنيا والآخرة، صوبت المعادلة من أول الطريق، وأقامت نظام الحياة على التكامل بين الدنيا والآخرة، والتكامل بين العلم والدين، وأصلت ليكون الدين علما، والعلم دينا، وأن هـذه الرؤية المتزنة والموضوعية والفطرية أنتجت علوما وعلماء، ما تزال البشرية تعيش على آثارهم.

لقد كان التصويب في أول الطريق أثناء بناء الأنموذج (جيل القدوة) ، فعندما رأى أحد الصحابة رضوان الله عليهم رجلا ينطلق إلى العمل والكسب بجد وجلد ونشاط قال مشفقا على وضعه ومسعاه: لو كان هـذا في سبيل الله، فجاء التصويب من النبوة: ( عن كعب بن عجرة رضي الله عنه ، قال: «مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسـول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشـاطه، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هـذا في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سـبيل الله، وإن كان خرج يسعى عـلى نفسه يعفها فهو في [ ص: 16 ] سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان ) . لأنه خروج مزيف غير منتج، فاقد للصدق والهدف. (أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) . لذلك فقد لا نستغرب في مناخ التخلف وما أورثه من حالة الانشطار الثقافي أن تلتبس الأمور، وأن يعدل الكثير ممن يرفعون شعارات إسلامية عن متابعة علوم الحياة والتخصص والكسب العلمي والمعرفي، ويتحولون إلى وعاظ وخطباء ومرشدين؛ سواء كانوا على علم بذلك أو لم يكونوا، ونرى الكثير أيضا يتوهم أن سبيل الله طرق ضيقة، لا تسع معها الكسب العلمي والمعرفي والتخصص، ليحسن السعي على مجتمعه وأسرته وأولاده وأمته، لذلك نجده يغادر أسرته ومدرسته ووظيفته وجامعته ومعمله ومسئولياته؛ لأنها جميعا بنظرة الكليل وفقهه القليل ليست في سبيل الله.

والأخطر من ذلك أن يتحول الكثير ممن تخصصوا في شعب العلوم والمعرفة؛ وهي فروض كفاية -كما هـو معلوم لطلاب العلم الشرعي- تأثم الأمة بتركها وعدم قيام بعض الأفراد بها كاملة بحيث تغطي حاجات الأمة، ينسحبون من اختصاصاتهم ويعدلون عنها وعن محاولة الارتقاء بها؛ سواء في مجال الطب أو الهندسة أو الحاسب أو التكنولوجيا أو علوم الاجتماع والنفس والرياضيات، إلى ساحات الوعظ والإرشاد؛ ليدللوا بواقعهم على التخلف والتـخاذل والعجز والحط من قيمة الخبرة والاختصاص، وإعطاء مثل سيء عن التعارض بين العلم والدين، وقد يسـتشهدون بقوله تعالى: [ ص: 17 ] ( ولا ينبئك مثل خبير ) (فاطر:14) .

وكأن الذي ينقصنا هـو المزيد من التقهقر والتراجع وتكريس التخلف الذي يؤدي حتما إلى استدعاء (الآخر) ؛ ليتحكم بنا، ويغرقنا بكل منتجاته العلمية والحضارية.

ولا مانع عندهم من إدانة من يطالبون بإقصاء التدين عن حكم الحياة وتنظيم شئونها، وإن كانوا هـم يمارسونه فعلا بمسالكهم.

ويا ليت ذلك فقط، بل يتجاوز الأمر كل الحالات السوية إلى ممارسة توبيخ أنفسنا بادعاءاتنا، وعلى الأخص الهاربين من تخصصاتهم، بأن الإسلام يحض على العلم والنظر والتفكير ويقدر العلم والخبرة، وأن القرآن عرض لحقائق علمية غائبة عن عصر نزوله وإنسانه، بما اصطلح عليه اسم «الإعجاز العلمي»، ويرون ذلك أحد جوانب معجزة التنـزيل، ولا أدري هـل «الإعجاز» الذي يتحدثون عنه سيكون سبيلا للترقي والمقاربة واستشعار المسئولية، أم هـو لتزجية الوقت، وتبرير العجز، ومعالجة مركب النقص؟

إن الرحلة العلمية مستمرة وغير مـتوقفة، وهي بطبيعتها لا تعجز عن الحركة والكشف المسـتمر حتى تنتهي البشـرية، وقـد وصـلت رحلة الكشف العلمي اليوم إلى حد بعيد، وقد أشار القرآن إلى استمرار الكشف:

( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) (فصلت:53) .

فالعلم يسير لاكتشاف الحقيقة، والعلم بهذا روح الحياة وسر نموها، والكون والإنسان هـو محل الكشف العلمي، والإنسان أداته في الوقت نفسه؛ فالقرآن يدفعه، لا يعجزه. من هـنا جاء تحفظنا على هـذا المصطلح وبعض دلالاته، وما يمكن أن يترك من ظلال. [ ص: 18 ] ونرى أن هـذا الإعجاز، الذي يتحدثون عنه، إنما هـو من دلائل النبوة والرؤية المستقبلية المبكرة لأمة الرسالة الخاتمة لحركة العلم وتحريك الهمة، والتحريض على الكشف العلمي، ووضع الإنسان في المناخ العلمي، الذي يدفعه دفعا إلى البحث والكشف واستشعار الثواب في ذلك كله.

فالقرآن ليس كتاب علم، وإنما هـو كتاب هـداية لسبل العلم، وتحريض على اكتسابه، وتقديم نماذج لاستصحابها في الرحلة العلمية، هـو يهيء المناخ المناسب للنمو العلمي، وبناء العقل القائم بوظيفته من التفكر والتدبر والنظر، الموصل إلى الحقيقة العلمية والتعرف على النواميس والسنن.

فالكلام الكثير وإجهاد النفس في البحث عن جوانب الإعجاز، والاستغناء بذلك عن الإنجاز العلمي، هـو -فيما نرى- إحدى الآفات الذهنية وإفرازات مناخ التخلف والتراجع.

فمتى نتحول من القول الكثير والعمل القليل إلى العمل الكثير والقول القليل، ونثير الاقتداء بأعمالنا، وندلل من سلوكنا على حيوية قيمنا وفاعليتها في رحلة الكشف العلمي؟ ومتى ندرك حقيقة القيم الإسلامية فيدفعنا الإعجاز العلمي إلى المقاربة والمحاكاة وإدراك أهمية الكسب العلمي، فنتحول من الحديث عن الإعجاز العلمي بهذا الحجم إلى الحديث عن الإنجاز العلمي وثوابه العظيم، فتتقدم القافلة العلمية، ونقود الدنيا إلى الخير والصلاح؛ لأن ذلك لا يتأتى بالصراخ والخطب والحماس، ومن ثم العودة إلى التمتع بالاسترخاء في استراحات التخلف؟ [ ص: 19 ] ولعل المطلوب اليوم -أكثر من أي وقت مضى- التفكير بكيفية الانفكاك من مناخ التخلف، وبناء العقل الناقد، الخارج عن الاستسلام، أو الخارج على الإيقاع العام والاستنقاع الحضاري للأمة، وإعادة النظر، وتقديم رؤى نقدية شجاعة لواقع الأمة، بعيدا عن جلد الذات؛ العقل الناقد، القادر على التقويم بقيم الدين في الكتاب والسنة، واستلهام مسيرة السيرة والخلافة الراشدة، بحيث ينظر للقيم والتعاطي معها من خلال مشكلات الأمة ومعاناتها واستطاعاتها من خلال الواقع، وينقد الواقع، ويحدد مواطن خلله، من خلال القيم المعصومة في الكتاب والسنة، ويضع الواقع في موضعه المناسب من المسيرة التاريخية لتحقيق الاعتبار، ومد مسيرة السيرة والخلافة الراشدة لتحقيق الاقتداء.

وهذا ليس عمل فرد أو أفراد، وإنما هـو عمل مؤسسات وتخصصات وخبرات ومعارف، حتى لا نتحول من جديد من فقهاء -بالمعنى العام لمصطلح الفقـه- إلى مجرد خطباء ننهك أعصـاب الأمة بكثرة الحماس وقلة العطاء.

ونعود إلى القول: إن قضية كسب العلم وإمكانية التعلم لا يمكن أن نتصور عقلا أن فيها إعجازا؛ بمعنى أن الإنسان يعجز عن كشفها وكسبها بما يمتلك من طاقات وأهلية.

إن العلم أساسا محله كسب الإنسان وفعله ونشاطه، الذي قد يخبو ويتوقف، وقد ينشط ويرتقي، بحسب ظروف وعوامل عديدة ومعقدة، لكن التصور بأن هـناك إعجازا للإنسان، فإن ذلك يتنافى مع بعض النصوص [ ص: 20 ] الشرعية التي تحض على العلم وتميز العلماء؛ حيث يبدو أنها تكليف للإنسان بما لا يطيق، وهذا ينافي العقل والشرع معا، فالعلم والكشف العلمي والترقي بهما هـو ساحة الفعل الإنساني، وسبيل التحضر، وأداة الارتقاء.

ولعل ورود الإشارات القرآنية المبكرة، قبل أربعة عشر قرنا، لبعض الحقائق العلمية التي لم تكن مكتشفة، والتي تكاد تكون فوق الخيال في عصر معين إنما هـي لتحقيق غرض القرآن في الهداية؛ (والقرآن كتاب هـداية للسبيل القويم قبل كل شيء، وإنما يستعمل الحقائق التاريخية والجغرافية والكونية والعلمية لتحقيق غرضه في الهداية، ولفت النظر إلى أسرار ومكنونات على الإنسان أن يفكر فيها) .

فالإشارات القرآنية المبكرة هـي بلا شك من دلائل النبوة وصدقية الوحي، وأن للإعجاز مجالات أخرى، وهذا أدق وأسلم وأحكم، حتى جاءت الرحلة العلمية لتؤكد ذلك، إضافة إلى أن هـذه الإشارات تمثل رؤية مستقبلية على الإنسان ارتيادها، والتطلع إليها، وكشفها، والارتكاز إليها في مزيد من كشف السنن والقوانين التي تحكم المادة والكون والإنسان، حتى يتمكن من التعامل معها، وتحقيق الاستخلاف، ومدافعة قانون بقانون، أو قدر بقدر، وعدم تعطيل العقل والإيمان بالخرافات والأساطير والسحر والكهانات... إلخ.

ونخشى أن نقول: إن الإعجـاز بالعلم هـو دعوة -من حيث ندري أو لا ندري- إلى التوقف والتخاذل والعجز عن التحقق بالمعرفة العلمية. [ ص: 21 ] والأمر المحزن أن يستغرقنا الحديث عن الإعجاز العلمي ويستنزف طاقاتنا وأوقاتنا، ويستمر تمحورنا حول بعض الحقائق العلمية التي وردت في القرآن، وهي كما أكدنا من دلائل النبوة وحقائقها، بحيث نتدين بالحديث عن الإعجاز العلمي، ولا نتدين بتحقيق الكشف والإنجاز العلمي.

وتزداد الخطورة عندما يدخل الساحة من لا اختصاص علمي أو شرعي لهم، ويحولون قضية الإعجاز إلى مواد وعظية وإعلامية ومنبرية لتحريك الجماهير، ودغدغة مشاعرها، فتستمر رحلة الضياع، لكن مع الأسف تحت مظلة إسلامية.

ولعل من المهم الإشارة إلى أن العمل العلمي، أو الكشف العلمي، ليس حكرا على جنس أو عرق أو لون أو جغرافيا، ولو كان ذلك كذلك لانتفى العدل الإلهي؛ العدل في الخلق والاستعداد، وإنما العلم هـو عملية كسبية بمقدور الإنسان، إذا توفرت شروطها وظروفها ومناخها، ولم يغتل الخوف والقلق والاستبداد والهيمنة والتحكم عقل الإنسان. والراية العلمية لم تتركز تاريخيا في جغرافيا معينة، بل توجهت ونمت صوب الناس والبلاد التي تتوفر على مناخ سياسي واجتماعي وثقافي سليم وآمن.

فالعمل العلمي بطبيعته هـو عمل تراكمي مطروح ومفتوح لكل إنسان، وحصيلة تراكمية عالمية لكل أمة منه نصيب، بحسب تطورها ونموها، أو تخلفها وانقطاعها عن المشاركة؛ بسبب ركودها وجمودها. فالعلم كسب إنساني عام وتاريخي، وإن كانت الأمم والعقائد تتفاوت في قدرتها على [ ص: 22 ] ضبط أهداف العلم وتوظيفه لخير الإنسان وتحقيق إنسانيته، أو تدميره والهيمنة عليه، وعندها تتحول الرحلة العلمية لإنتاج أدوات الهيمنة والسيطرة والاستلاب والاستعمار والاستغلال على حساب سعادة الإنسان.

ذلك أن القيم الهادية، أو العقائد، أو الثقافات، أو الرؤى والتصورات هـي أشبه بالمحرضات العلمية والثقافية، فبعضها يدعو إلى الحركة والبحث وطلب العلم. وتترتب مسئولية تقصيرية في الدنيا والآخرة على التقاعس والخمول والركود والتقليد والجمود، ويتحول الإنسان إلى الشعوذة والسحر والخرافة والأسطورة والخيالات. ومثل هـذه التصورات الخرافية تؤدي إلى أن تتوقف رحلة العلم، وتبحث عن مكان آمن، ويهجر العلم تلك الأوطان، ويهاجر الإنسان الفاعل إلى مواقع أخرى؛ ليجد نفسه، ويطلق ملكاته فيها.

لذلك فلا غرابة أن نجد أن الرحلة العلمية في مجتمع المسلمين كانت تتعاظم وتنمو بشكل مواز لنمو التدين الإسلامي السليم والالتزام بالقيم في الكتاب والسنة، ويتحقق الإنجاز العلمي.

فالمستقرئ للتاريخ الإسلامي لا يعجزه أن يدرك أن القيم الإسلامية شكلت ريادة للرحلة العلمية، حيث يرتقي العلم، ويخرج علماء ومبدعين من كل العروق والأجناس حيثما وصل الإسلام والتزم بقيمه وأحكامه، ويخبو ويتراجع حينما ينكمش التدين الصحيح أو يحال بينه وبين الإنسان.

من هـنا نقول: إن الأمة التي أنجبت علماء عظماء ومبدعين، أو بعتبير أدق: إن العقيدة الخالدة التي أنتجت علماء ومفكرين ومبدعين قادرة إذا توفرت [ ص: 23 ] لها الظروف على معاودة الإنتاج في كل زمان ومكان وإنسان، وإن الجمود والتخلف والتقليد والتوقف والتراجع العلمي يعني حصول الإصابات الكبرى في صور التدين والخلل المفزع في فقه الدين، لذلك فالاطلاع على التاريخ العلمي للأمة أو الإنتاج العلمي للقيم والعقائد يعتبر من الأمور الأساسية في المجال العلمي والتربوي والثقافي لمعاودة إخراج الأمة، واستشعار المسئولية، واستئناف الرحلة العلمية، وبناء الأجيال، والإقلاع الحضاري من جديد.

ومهما يكن ماضي الأمة عظيما، وقيمها العقائدية والثقافية صحيحة وخالدة، وتجربتها الحضارية متميزة، وبتعبير أدق: «إمكانها الحضاري» متوفرا، فإنها لن تستطيع الإنتاج العلمي والأدبي والثقافي والتقني إذا ابتليت بالاستبداد السياسي والرفه الفاسق؛ لأنه يقتل روحها، ويعطل إمكاناتها، ويحاصر ملكاتها؛ ذلك أن من طبائع الاستبداد إشاعة الخوف والإرهاب والإرعاب والقلق والفساد.

فالاستبداد الذي هـو ارتكاس لإنسانية الإنسان بطبيعته، يخشى على نفسه العلم والخبرة والمعرفة، يخشى الحرية؛ التي هـي مناخ النمو والامتداد في المجالات جميعها؛ لأن التنمية -كما أسلفنا- لا يمكن أن تكون في جانب مترافقة مع التخلف في جوانب أخرى. فالاستبداد يقضي على المساواة، ويعطل تكافؤ الفرص، الذي يشكل ميدان التنافس والتحاور والتثاقف والتفاكر والتقدم، يعتمد السواعد الباطشة، ويطارد العقول والخبرات البانية، ويسعى إلى تحكيم السفهاء والسوقة والانتهازيين برقاب العلماء [ ص: 24 ] والخبراء المتميزين، ويقدم أهل الولاء الفاشلين على أهل العلم والخبرة الفاعلين، ويفوته أن من لا خبرة لهم لا ثقة بهم على المدى البعيد.

وأخطر من هـذا جميعه ما ينتج عن الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي من القلق والاستلاب النفسي والاجتماعي، وبذلك يصبح الاستبداد والتسلط وباء اجتماعيا يصاب به المجتمع كله، ويمارسه معظم الناس بأقدار متفاوتة، حيث يمكن الاستبداد التسلط من بعض الناس على بعض. فكيف يكون مع ذلك علم وبحث وقيمة للعلم والعلماء والباحثين؟

وإذا فكر سدنة الاستبداد السياسي والقائمين على أمره بأمر العلم وجهوا العمل العلمي أو الكسب العلمي والمعرفي إلى التخصص في إنتاج واختراع أدوات التسلط والهيمنة والقوة والغلبة والقهر للخصوم، ولا نقول الأعداء.

لذلك نقول: إن أخطر إشكاليات التخلف وتوقف الكسب العلمي والمعرفي -وهو سبيل النهوض الأوحد- عن تحقيق أهدافه المأمولة وإنتاج العلماء والباحثين الرواد تتمثل في إفرازات مناخ الاستبداد السياسي، الذي يعتمد القوة في إقصاء خصومه، والتسلط عليهم، وحتى لو فكرت مؤسسات الاستبداد السياسي في العلم فهو العلم الذي يخدم القوة وينتجها -كما أسلفنا- الأمر الذي يدعو خصومهم ويغريهم باللجوء إلى القوة في المواجهة أيضا، بدل الحوار والعلم والمعرفة، فيحل السيف محل العلم، ويسود شعار: «السيف أصدق إنباء من الكتب». وما لم تشع ثقافة المعرفة، وندرك جميعا أن المعرفة [ ص: 25 ] هي القوة والقيمة الحقيقية، وما لم نستبدل العلم بالسيف، فسوف يستمر التخلف والتقهقر والتراجع، مهما بكينا على أطلال الماضي الزاهر.

إن الإنسان ينشط ويبدع ويكتشف ويقارن وتنمو خصائصه وصفاته وملكاته إذا توفرت له الظروف، فهو كبذور النبات تبقى جامدة معطلة طالما لم تتوفر لها التربة والماء والشمس بالأقدار المطلوبة.

وقد تكون إشكالية التخلف -إضافة إلى الاستبداد السياسي- ومحاصرة الطاقات، وإقصاء الخبرات، والتخوف منها على مواقع السلطة -لأن المعرفة والعلم هـي القوة الحقيقية إن لم تكن من لوازمها- اعتماد معايير للتكريم والتوظيف والترقية والاختيار بعيدة عن الأهلية والخبرة والتخصص والكسب العلمي، وهي في غالبيتها معايير عنصرية تتحكم فيها الأهواء من مثل اللون والقوم والجنس والعشيرة والأسرة والطائفة الحزبية، وبذلك تتدنى رتبة العلم، ويرقى الجهلاء المواقع والمنابر جميعها، ويزداد التخلف، ويغرى الناس بالجهل؛ إذ لا حاجة إلى الكسب العلمي والتفوق طالما أن الجهل في مجتمعات التخلف هـو السبيل إلى الوظائف والرئاسات والمقامات العامة.

ولا أدل على ذلك من أن الكثير من أبناء الأمة المسلمة، الذين استطاعوا الانفكاك من مناخ التخلف والاستبداد السياسي، أو بتعبير آخر طردهم مناخ الاستبداد والظلم والارتهان -ليس بالضرورة أن تكون بسبب إشكالات سياسية مع الأنظمة- وهاجروا إلى بلاد التقدم والحضارة والحرية والمناخ الملائم، بلغوا في الكسب العلمي شأوا تميزوا عن أقرانهم من أبناء [ ص: 26 ] تلك البلاد، على الرغم من وعورة الطريق ومشكلات الاغتراب وعثرات اللغة، وتغير العادات الاجتماعية وضيق ذات اليد، حتى أصبحوا اليوم علماء مشهودا لهم في التخصصات المتعددة، وأصبحوا رقما مميزا في المسيرة العلمية، بل أصبحوا جزءا لا يتجزأ من العطاء العلمي والحضاري العالمي.

ولا نزال نتفاءل ونقول: إن هـذه العقول المهاجرة، التي طردت من أوطانها لسبب أو لآخر، وجذبت من (الآخر) لسبب أو لآخر أيضا، على الرغم من أنها شكلت خسارات لا تعوض إلا أنها يمكن أن تشكل رأسمال ورصيد نوعي وعظيم لأمتها وبلدانها، فهي تمتلك القدرات والخبرات الكافية لفك مناخ التخلف، وتشكيل خمائر النهوض في مجتمعاتها الأصلية المتخلفة، وإثارة الاقتداء، والتجسير بين بلاد النهوض والمناخ العلمي وبلادهم الأصلية؛ لتحريك رواكد الأمة، واكتشاف طاقاتها، وإعادة فاعليتها؛ لمعاودة النهوض والإقلاع من جديد.

ولعل مما سوف يعينهم على آداء مهمتهم أن حقبة « العولمة » بإعلامها فتحت العالم، وبدأت تقضي على المجتمعات المغلقة، وتزيل الحدود، وتتجاوز العوائق، وتصل إلى المواقع كلها؛ حتى ليكاد إنسان عصر «العولمة» اليوم يرى كل شيء، ويسمع كل شيء، ويشارك في كل شيء، ويتعلم عن بعد كل شيء، وهو في مكانه، ولعلنا نقول: إن معطيات «العولمة» استطاعت أن تتجاوز أسوار الاستبداد السياسي، وتقفز من فوق رءوس أصحابها، وتفسح المجالات للقادرين على التجاوز والصعود والارتقاء. [ ص: 27 ] وبعد:

فالكتاب الذي نقدمه يمكن أن يعتبر أحد المحرضات الفكرية، وشواهد الإدانة التاريخية للحال الذي انتهت إليها الأمة؛ من الركود والتخلف والتوقف العلمي والثقافي، ذلك أن الحديث عن إنتاج العلماء وتاريخ العلوم عند العرب المسلمين دليل واضح أن القيم الإسلامية لم تكن عائقا في وجه التقدم العلمي، وإنما كانت دافعا ومحرضا للتضلع في شعب المعرفة جميعا.

لقد كانت كالغيث الذي ينتج مقومات الحياة لكل إنسان ومكان، أينما نزل ووصل، وأن الإنجاز العلمي كان دائما يوازي الالتزام بقيم الدين وسلامة تنزيلها على واقع الناس، وأن الوهن في الاستمساك بقيم الدين وشيوع التدين المغشوش أدى إلى نوع من التخلف والارتكاس.

ولا نريد بنشر هـذا الكتاب الهروب إلى الماضي، وشد الأمة إلى الخلف، والمساهمة بمعالجة مركب النقص الذي نعـاني منه فنلجأ إلى الماضي لنحتمي به، وإنما لنقول باختصار: بأن الأمة التي لها مثل هـذا التاريخ وهذا الإنجاز وهؤلاء العلماء الأعلام هـي أمة مؤهلة لأن يكون لها حاضر ومستقبل، إذا وعت قيمها وتاريخها، وأحسنت التقدير لإمكانها الحضاري، وأدركت كيفية التعامل معه.

والحمد لله رب العالمين. [ ص: 28 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث