الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

المقدمة

الحمد لله، الذي نزل القرآن تنزيلا، وجعله مهيمنا على الكتاب كله زبورا وتوراة وإنجيلا، وألقاه على عبده بينات من الهدى وقولا ثقيلا، أشرقت بوعده نفوس المتقين إشراقا، وسـاقهم وعيده إلى الرحمن سياقا، ولم يزدد به المجرمون إلا ضلالا ونفاقا وشقاقا.

ثم السلامان الأتمان الأكملان، على ذي المقام المحمود من ولد عدنان، من جعلت الشهادة بنبوته ركن الإيمان، وقرينة الشهادة بوحدانية الملك الديان، وجعلت أمته سابقة الأمم إلى الحوض والميزان، وإن كانت لاحقة لهم في تراتب الأزمان.

أما بعد؛

فقد من الله تعالى قبل عقد من الزمن بإنجاز بحث للتخرج من مرحلة الدراسات العليا المعمقة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، تحت عنوان: "مفهوم السياق وأسس نظريته في التراث [ ص: 5 ] الإسلامي"، وتحت إشراف شيخنا العلامة الرباني الدكتور/ فريد الأنصاري؛ رحمه الله تعالى، وجزاه عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء.

وكان القصد من ذلك العمل كما جاء في مقدمته: هو "إثبات تجذر السياق؛ باسمه، ومضمونه، وتوظيفاته.. في التراث الإسلامي!.. تمهيدا لاستجلاء ما طمسه النسيان والإهمال.. من صرحه الشامخ؛ أو من "بناء نظريته"، بتعبير اليوم؛ إنصافا للسلف، واعترافا بفضلهم.. وتيسيرا للخلف القيام بواجبهم، في مواصلة العطاء.. ثم تقديما لمشاركة "على مقدار مهديها" في ذلك المنحى!..".

وقد استهدف العمل حينها الرد على فريتين عظيمتين؛ ؛

إحداهما نسبة اكتشاف دلالة السياق والتنظير له إلى لسانيين غربيين؛ "كانوا أحياء يرزقون منذ أقل من مائتي عام، وأنهم أضافوا إلى المعارف الإنسانية شيئا اسمه "نظرية السياق"!!..".

والأخرى؛ "أن العقل العلمي الإسـلامي قاصر عن التنظير؛ يسـتدل بما بدا له، دون أن يدرك الخلفية النظرية له!.. أو يملك تجريدها، والتعبير عنها بقوالب نظرية!.. ومن ثم قالوا: لا وجود لنظرية سياقية في التراث الإسلامي!.. بل لا وجود لقواعد سياقية فيه!..".

ولهذا تأسس منهج الدراسة على مبدئين هامين؛ [ ص: 6 ]

أولهما: الاقـتـصـار عـلـى المـوروث الـعلمي المنشور لمن عاشوا في الألفية الهجرية الأولى، حتى نضمن فارقا زمنيا مريحا بين آخر من نستشهد بقوله، وبين أول من يعزون إليه ذلك الإبداع، ولم نستشهد بأقواله ممن عاش بعد الألفية الأولى إلا ثلاثة، قضوا كلهم قبل ظهور من تنسب إليه النظرية السياقية الغربية.

وثانيهما: التركيز على النصوص، التي تتناول السياق من الناحية النظرية، دون، التي تعتني بتطبيقاته؛ صرفا للنظر إلى محل النزاع، وإعراضا عما هو موضع اتفاق. ذلك أن تطبيقات السياق في التراث الإسلامي، كفيلة بالدفاع عن نفسها.. لقوة حضورها، وسعة انتشارها في كل المؤلفات، وكل التخصصات.. ولذلك لم ينازع فيها عدو ولا صديق.. وإنما انحصر الطعن واللمز في الجانب النظري.

ثم جاءت هذه المرحلة اللاحقة لذلك التمهيد (التي قدر الله أن تتأخر عنه كثيرا) والتي كانت في بدايتها مشروع أطروحة لنيل الدكتوراه [1] من نفس الكلية، تحت عنوان: "نظرية السياق في التراث الإسلامي من خلال الدرسين اللغوي والأصولي (محاولة في البناء)"؛ مـسـتـهـدفـة كشـف البناء الـكلي لآلية السياق في التراث الإسلامي من حيث "ماهيتها [ ص: 7 ] ومهمتها"، وتقديمها ضمن دراسة منهجية متخصصة مختصرة، مرتكزة على المبدئين السالفين.

ومـن هـذا المـنـطـلـق فـقـد اعـتبرت العـمـل "محاولة في البناء"؛ كشفا لمـا انـدرس، وإظهـارا لمـا خـفـي، ولـم أدع أنـه "محاولة للبناء"؛ تأسيسا وإنشاء.

ولقـد وظفـنـا في هـذه المرحلة ما يربو على 300 نقل من نوادر اللفتات التنظيرية، والوقفات التقعيدية للسياق لدى أساطين الدرسين اللغوي والأصولي انتقيناها من أزيد من 150 مجلدا، ترجع إلى 107 مؤلفات، لـ 95 علما من أكابر أئمة التفسير، والحديث، واللغة، والأصول، والفقه.. عاش تسعون منهم بالألفية الأولى وماتوا بها، وعاش اثنان أغلب عمريهما فيها وتوفيا في العقدين الثاني والثالث عقبها، وعاش الثلاثة الباقون في القرنين الثاني والثالث بعدها.

وقد حاولت أن أكشف بتلك النقول "نسيج نظرية السياق" في تراثهم، وتصورهم لـ"أهميته، وماهيته، ومهمته". وقد حرصت كل الحرص أن يكون العمل نقلا عنهم لا تقولا عليهم؛ مكتفيا كلما أمكن من التحليل بالجمـع والتـرتيب.. ومستعيضا كلما تيسر عن التعليق بالربط والتبويب.. أملا في إثبات نسبة النظرية إليهـم، وصـونا ليواقيتـهم ولآلئـهم أن تضيع بين أكوام من تبن وخزف.. وإشفاقا على عناقيدهم وأكاليلهم أن تغمر في مجار من طين ووحل.. فإن أدركت شرف بلوغ المقصد توجته بخيرية ما قل [ ص: 8 ] ودل، وإلا لم يفتني شرف الضن بصفحات الأوراق، وصحائف القراء، ورفوف المكتبات.. عن ثرثرة لا تفيد، وجعجعة ما وراءها طحين.

ولعـلي أسـهم بذلك في سـد ثغـرة مخـلة ما تزال في المكتبة الإسلامية، رغم كل البحوث والدراسات والندوات والمؤلفات.. التي اعتنت بالسياق أخيرا والتي لم تخرج في مجملها عن منحيين، حاولنا تحاشيهما في هذا العمل بشطريه؛

أولهما: مقارنة جائرة بين ما يسمونه - في أندر الأحوال وأحسنها- جذور النظرية السياقية في التراث الإسلامي، وبين ما يسمونه -في أغلب الأحوال وأسوئها- النظرية السياقية الغربية الحديثة.

وثانيهما: التركيز على تطبيقات السياق وتوظيفاته في الاستدلال والترجيح، عند أعلام معينين، أو في تخصصات معينة.

وبطبيعة الحال؛ فقد جاءت هـذه المرحـلة من العمل تتميما وتعميقا لما تـم التمهيـد لها به في سابقتها، من خلال "إحكام صياغة" ما تعلق بالمفهـوم و"الماهية"، بعد ما تـم عرض ومناقشـة أغـلب مـادته في المرحلة الأولى.

فضـلا عن التركيز على "المهمة"، التي لم يتطرق إليها العمل السابق إلا بإشـارات مجمـلـة خاطفة. ومن خلال ركني؛ "المهمة والماهية"، يتجـلى مـدى "الأهمية"، التي حظي بـها السياق في تراثنا الإسـلامي والتي لا نجـد أبلغ في التعبير عنها من قول إمام البلاغيين والسياقيين [ ص: 9 ] الإسلاميين عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) [2] ، بعدما تلاطمت من حوله أمواج الدلالات السياقية:


هذي قوانين يلقى من تتبعها ما يشبه البحر فيضا من نواحيه     فلست تأتي إلى بـاب لتعـلـمه
إلا انصرفت بعجز عـن تقصيه     هذا كذاك، وإن كان الذين ترى
يـرون أن المـدى دان لباغـيه



وإلى جانب ذاك التداخل والتبيان في المضمون بين مرحلتي هذا العمل، فقد كان بينهما تباين كلي في المنهج؛ حيث كانت الأولى إثارات ومناقشات حول الموضوع، وكانت الثانية خلاصات وتقريرات في الموضوع.

وبعد اقتحام عقبة جمع المادة، تطلبت ثانية خطوات العمل معايشة طويلة لذلك المحصول، وإنعام للنظر فيه، وتقليب للفكر.. بغية تصور النسيج الكلي للسياق؛ ماهيته، ومهمته.. في مخيلاتهم، سبيلا إلى إيجاد منهجية متكاملة، لتقديمه للقارئ في صورتيه؛ الكلية، والتفصيلية. [ ص: 10 ]

ثـم كانت ثالثـة الخـطوات فرز المتحـصل في الخطـوة الأولى وتوزيعه وفـق المتـصور في الخطـوة الثانية.. ذلك أن الواحـد منـهم قد يهتم بإشكال معين فيتنـاوله من زوايا متعددة في عدة مؤلفات، وفي عدة مواضع من المؤلف الواحـد، فلا تكتمل رؤيته لذاك الإشـكال إلا بتجميع ما تناثر في مؤلفاته تلك، وضم بعضه إلى بعض؛ تفصيلا له أو تعليلا، أو استخلاصا منه، أو استثناء.

ولعل من أهم الضوابط المنهجية الفنية، التي التزمتها في هذا البحث:

- تسويد بعض العبارات ذات العمق في الفكرة المعالجة، تكاد تكون قراءتها كافية عن قراءة باقي الفقرة، أو هي كافية -على الأقل- في التذكير بحاصلها عند إعادة قراءتها.

- وضع بعض تلك التعابير بين مزدوجتي النقل، للتنبيه على أنه هو خلاصة القول في الفكرة. ويتميز ذلك عن النصوص المنقولة بعدم وضع علامة الإحالة عليه، وعدم وجود تصريح بنقل أو إيماء إليه.

- تقديم تلخيصات في نهايات الفقرات، والمطالب، والمباحث، والفصول، والأبواب؛ كلما اقتضى البيان ذلك.

- التزمت ذكر تواريخ وفيات الأعيان الذين أستشهد بأقوالهم، عند أول ذكر لهم، ثم أكرر ذلك كلما ابتعد موضع ذكرها السابق.

- التزم في - الغالب الأعم- ذكر أسماء أصحاب الاستشهادات قبل إيرادها. واكتفي بذلك عن إعادة أسمائهم في الإحالة. [ ص: 11 ]

وإني لأرجو للذي يقرأ هذه الورقات بتمعن وتأمل، ممن يمتلك الآلة اللغوية والأصولية النظرية، أن يخرج منها بدربة تطبيقية، وذوق وملكة في الاستدلال والاستنباط.. لما تضمنت من خلاصات لتجارب زهاء المائة من أئمة النظار في سبر أغوار النصوص واستثمارها.. وعصارات من تأملاتهم في كيفية اقتباس الأحكام من أدلتها..

وإنما الموفق من وفقه الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله،

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،

وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين. [ ص: 12 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث