الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الأول في التحذير من ولاية القضاء على عظيم شرفه

جزء التالي صفحة
السابق

فوائد في قوله تعالى : ( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ) .

الأولى ، دخل على إياس ابن معاوية الحسن فوجده يبكي ، فسأله عن ذلك فقال : قال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ : ( القضاة ثلاثة : قاضيان في النار ) فذكر فيهم رجلا جهل فأخطأ ، فقال الحسن : إن فيما أنزل علينا لرحمة ، فذكر الآية ، فقال : أثنى الله تعالى على سليمان ، ولم يذم داود بل أثنى عليه باجتهاده ، قال الحسن ، فلولا هذه الآية لكان الحكام قد هلكوا ، قال صاحب المقدمات : والمخطئ إنما يكون له أجر إذا كان من أهل الاجتهاد ، وإلا فهو آثم لجرأته على الله بغير علم ، وتقدم مثله لابن يوسف .

الثانية ، قال صاحب المقدمات : معنى الآية عن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنه - ما : دخل رجلان على داود صلى الله على نبينا وعليه وعلى الأنبياء أجمعين [ ص: 14 ] أحدهما : صاحب حرث ، والآخر : صاحب غنم ، فادعى إرسال الآخر غنمه في حرثه ليلا فلم يترك منه شيئا ، فقضى له بالغنم كلها ، فمر صاحب الغنم بسليمان ، فأخبره بقضاء داود عليه السلام ، فدخل سليمان على داود فقال : يا نبي الله ، إن القضاء سوى الذي قضيت ، فقال : وكيف ؟ فقال : إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه كل عام ، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث ، فقال له داود : قد أصبت . وقال غيره : الحرث كان كرما ، فعلى هذا تدل الآية على أن المصيب واحد ، كما قاله ( ش ) و ( ح ) ونقله القاضي عبد الوهاب عن مذهب مالك ، وحكى عنه صاحب المقدمات تصويب الجميع ، وأجاب بقوله تعالى : ( وكلا آتينا حكما وعلما ) فلو أخطأ ما أوتي حكما وعلما ، وجوابه أن الحكم المؤتى ومالق من هذه القضية .

الثالثة ، أن حكم داود عليه السلام لو وقع في شرعنا أمضيناه ، لأن قيمة الزرع يجوز أن يؤخذ فيها غنم لأن صاحبها أفلس ، أو غير ذلك ، وحكم سليمان عليه السلام لو وقع في شرعنا ما أمضيناه لأنه إيجاب القيمة مؤجلة ، ولا يلزم ذلك صاحب الحرث ، وإحالته له على أعيان لا يجوز بيعها الآن ، وما لا يباع لا يعاوض به في القيم ، فيلزم أحد الأمرين : إما أن لا تكون شريعتنا أتم في المصالح وأكمل في الشرائع ، أو يكون داود عليه السلام فهم دون سليمان ، وهذا موضع يحتاج للكشف والنظر حتى يفهم المعنى فيه ، والجواب : أن المصلحة زمانهم كانت تقضي أن لا يخرج عين مال الإنسان من بلده إما لقلة الأعيان ، وإما لعظم ضرر الحال ، أو لعدم الزكاة للفقراء بأن تقدم للنار التي تأكل القربان ، أو لغير ذلك ، وتكون المصلحة الأخرى باعتبار زماننا أتم ، فيعتبر الحكم - كما هو قولنا - في حكم النسخ باعتبار اختلاف المصالح في الأزمنة ، فقاعدة النسخ تشهد لهذا الجواب .

[ ص: 15 ] الرابعة ، قوله تعالى : ( وكنا لحكمهم شاهدين ( المراد بالشهادة ها هنا : العلم ، فما فائدته ؟ والتمدح به ها هنا بعيد لأنه تعالى لا يمتدح بحرفي ، وليس السياق عن هذا أيضا حتى يعلم ، والجواب : أن هذه القصص إنما ذكرت لتقرير أمر رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ ، لقوله تعالى في صدر السورة : ( هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) فبسط الله القول في هذه القصص ليبين أنه _ صلى الله عليه وسلم _ ليس بدعا من الرسل ، وأنه يفضل من يشاء من البشر وغيره ، ولا يخرج شيئا عن حكمنا ، ولا تدخل ذلك غفلة ، بل عن علم ، ولذلك ما فهمها سليمان دون داود عن غفلة ، بل نحن عالمون ، فهو إشارة إلى ضبط التصرف وإحكامه لا إلى غير ذلك ، كما يقول الملك العظيم : أعرضت عن زيد وأنا عالم بحضوره ، وليس مقصوده سياق تهديد أو ترغيب حتى يكون المراد المكافأة ، كقوله تعالى : ( قد يعلم ما أنتم عليه ) فيكشف أيضا التمدح بالعلم ، بل إحكام التصرف في ملكه ، وكذلك هاهنا .

فرع

قال صاحب المقدمات : كما وجب على الناس أن يكون منهم قضاة وأئمة ، وجب عليهم طاعة ولاة أمورهم من القضاة وغيرهم ، قال الله تعالى : ( وأولي الأمر منكم ) الآية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث