الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 84 ] 397 - الفضيل بن عياض

ومنهم الراحل من المفاوز والقفار إلى الحصون والحياض ، والناقل من المهالك والسباخ إلى الغصون والرياض ، أبو علي الفضيل بن عياض .

كان من الخوف نحيفا وللطواف أليفا .

وقيل : إن التصوف المبادرة في السفر ، والمساهرة في الحضر .

حدثنا أبي ، ومحمد بن جعفر بن يوسف ، قالا : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا إسماعيل بن يزيد ، ثنا إبراهيم بن الأشعث ، قال : " ما رأيت أحدا كان الله في صدره أعظم من الفضيل ، كان إذا ذكر الله أو ذكر عنده أو سمع القرآن ظهر به من الخوف والحزن ، وفاضت عيناه وبكى حتى يرحمه من بحضرته ، وكان دائم الحزن شديد الفكرة ما رأيت رجلا يريد الله بعلمه وأخذه وإعطائه ومنعه وبذله وبغضه وحبه وخصاله كلها غيره " يعني الفضيل .

حدثنا أبي ، ومحمد ، قالا : ثنا محمد بن جعفر ، ثنا إسماعيل بن يزيد ، ثنا إبراهيم بن الأشعث ، قال : " كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة لا يزال يعظ ، ويذكر ويبكي حتى لكأنه يودع أصحابه ذاهبا إلى الآخرة حتى يبلغ المقابر ، فيجلس فكأنه بين الموتى جلس من الحزن والبكاء حتى يقوم ، ولكأنه رجع من الآخرة يخبر عنها " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا عمر بن بحر الأسدي ، ثنا أحمد بن أبي الحواري ، ثنا محمد بن حاتم ، قال : قال الفضيل : " لو خيرت بين أن أبعث فأدخل الجنة ، وبين أن لا أبعث لاخترت أن لا أبعث " قلت لمحمد بن حاتم : هذا من الحياء ؟ قال : نعم ، هذا من طريق الحياء من الله عز وجل .

حدثنا أبو محمد بن حيان ، ثنا يحيى الداري ، ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ، قال : سمعت أبا إسحاق يقول : قال الفضيل بن عياض : " لو خيرت بين أن أعيش كلبا وأموت كلبا ، ولا أرى يوم القيامة لاخترت أن أعيش كلبا وأموت كلبا ، ولا أرى يوم القيامة " .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، ثنا أحمد بن الحسين الحذاء ، ثنا إبراهيم [ ص: 85 ] الثقفي ، حدثني محمد بن شجاع أبو عبد الله ، عن سفيان بن عيينة ، قال : " ما رأيت أحدا أخوف من الفضيل وأبيه " .

حدثنا عبد الله ، ثنا أحمد بن الحسن ، ثنا أحمد بن إبراهيم ، ثنا الفيض بن إسحاق ، قال : سمعت فضيلا يقول : " والله لأن أكون هذا التراب أو هذا الحائط أحب إلي من أن أكون في مسلخ أفضل أهل الأرض اليوم ، وما يسرني أن أعرف الأمر حق معرفته إذا لطاش عقلي ، ولو أن أهل السماء وأهل الأرض طلبوا أن يكونوا ترابا فشفعوا كانوا قد أعطوا عظيما ، ولو أن جميع أهل الأرض من جن وإنس ، والطير الذي في الهواء ، والوحش الذي في البر ، والحيتان التي في البحر علموا الذي يصيرون إليه ، ثم حزنوا لك وبكوا كنت موضع ذلك ، فأنت تخاف الموت أو تعرف الموت لو أخبرتني أنك تخاف الموت ما قبلت منك ، ولو خفت الموت ما نفعك طعام ولا شراب ولا شيء في الدنيا " .

وقال : " سأل داود عليه السلام ربه أن يلقي الخوف في قلبه ففعل فلم يحتمله قلبه وطاش عقله حتى ما كان يفعل صلاة ولا ينتفع بشيء ، فقال له : تحب أن ندعك كما أنت أو نردك إلى ما كنت عليه ؟ قال : ردني فرد الله إليه عقله " .

حدثنا محمد بن إبراهيم ، ثنا المفضل بن محمد الجندي ، ثنا إسحاق بن إبراهيم الطبري ، قال : سمعت الفضيل بن عياض يقول : أنت تخاف الموت ؟ لو قلت : إنك تخاف الموت ما قبلت منك ، ولو خفت الموت ما نفعك طعام أو شراب ولا شيء من الدنيا ، ولو عرفت الموت حق معرفته ما تزوجت ولا طلبت الولد ، وقال الفضيل : ما يسرني أن أعرف هذا الأمر حق معرفته ، إذا لطاش عقلي ، ولم أنتفع بشيء .

حدثنا محمد بن إبراهيم ، ثنا المفضل بن محمد ، ثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : قال رجل للفضيل : كيف أصبحت يا أبا علي ؟ فكان يثقل عليه كيف أصبحت ، وكيف أمسيت ، فقال : " في عافية " فقال : كيف حالك ؟ فقال : " عن أي حال تسأل عن حال الدنيا ، أو حال الآخرة ؟ إن كنت تسأل عن حال الدنيا ، فإن الدنيا قد مالت بنا وذهبت بنا كل مذهب ، وإن كنت تسأل عن حال الآخرة ، فكيف [ ص: 86 ] ترى حال من كثرت ذنوبه وضعف عمله ، وفني عمره ، ولم يتزود لمعاده ، ولم يتأهب للموت ، ولم يخضع للموت ، ولم يتشمر للموت ، ولم يتزين للموت ، وتزين للدنيا ؟ هيه وقعد يحدث يعني نفسه واجتمعوا حولك يكتبون عنك بخ ، فقد تفرغت للحديث ، ثم قال : هاه وتنفس طويلا ويحك أنت تحسن تحدث أو أنت أهل أن يحمل عنك استحي يا أحمق بين الحمقان ، لولا قلة حيائك ، وسفاهة وجهك ما جلست تحدث وأنت أنت ، أما تعرف نفسك ؟ أما تذكر ما كنت وكيف كنت ؟ أما لو عرفوك ما جلسوا إليك ، ولا كتبوا عنك ، ولا سمعوا منك شيئا أبدا ، فيأخذ في مثل هذه ، ثم يقول : ويحك أما تذكر الموت ؟ أما للموت في قلبك موضع ؟ أما تدري متى تؤخذ فيرمى بك في الآخرة فتصير في القبر وضيقه ووحشته ؟ أما رأيت قبرا قط ؟ أما رأيت حين دفنوه ؟ أما رأيت كيف سلوه في حفرته وهالوا عليه التراب والحجارة ؟ ثم قال : ما ينبغي لك أن تتكلم بفمك كله - يعني نفسه - تدري من تكلم بفمه كله عمر بن الخطاب كان يطعمهم الطيب ، ويأكل الغليظ ، ويكسوهم اللين ويلبس الخشن ، وكان يعطيهم حقوقهم ويزيدهم . أعطى رجلا عطاءه أربعة آلاف درهم وزاده ألفا ، فقيل له : ألا تزيد أخاك كما زدت هذا ؟ قال : إن أبا هذا ثبت يوم أحد ، ولم يثبت أبو هذا " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث