الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ الإعارة عند الحاجة ] :

( وليعر ) من ثبت في كتابه أو جزئه أو نحوهما تسميع بخط المالك أو غيره ما أثبت فيه السماع الطالب ( المسمى به ) واحدا فأكثر ( إن يستعر ) ليكتب منه أو يقابل عليه أو ينقل سماعه أو يحدث منه ، وهذه العارية - فيما إذا كان التسميع بغير خط المالك - مستحبة ، ( وإن يكن ) التسميع ( بخط مالك ) للمسموع ( سطره فقد رأى ) القاضيان ( حفص ) هو ابن غياث النخعي الكوفي قاضيها ، بل وقاضي بغداد أيضا ، وصاحب الإمام أبي حنيفة الذي قال له في جماعة : أنتم مسار قلبي وجلاء حزني .

وكان هو يقول : ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة ، ولأن يدخل الرجل إصبعه في عينيه فيقلعهما فيرمي بهما خير من أن [ ص: 119 ] يكون قاضيا . ولما ولي قال أبو يوسف لأصحابه : تعالوا نكتب نوادر حفص ، فلما وردت قضاياه عليه قال له أصحابه : أين النوادر ؟ فقال : إن حفصا أراد الله فوفقه . مات على الأكثر سنة تسع وخمسين ومائة ( 159 ه ) .

( وإسماعيل ) بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي مولاهم البصري المالكي شيخ مالكية العراق وعالمهم ومصنف ( أحكام القرآن ) وغيرها المتوفى في سنة اثنتين وثمانين ومائة ( 282 ه ) .

وكذا أبو عبد الله الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام الأسدي الزبيري بالضم نسبة لجده المذكور ، البصري الضرير ، أحد أئمة الشافعية ، وصاحب ( الكافي ) و ( المسكت ) وغيرهما المتوفى سنة سبع عشرة وثلاثمائة ( 317 ه ) .

( فرضها ) أي : العارية ( إذ سيلوا ) بإبدال الهمزة ياء ساكنة للضرورة ، حيث ادعي عند كل من الأولين في زمنه على من امتنع من عارية كتابه ، وأجاب بإلزامه بإخراجه لينظر فيه ; فما يكون من سماع المدعي مثبتا بخط المدعى عليه ألزمه بإعارته ، حسبما روى ذلك عن الثاني الخطيب ، وعن الأول الرامهرمزي ، قال : إنه سأل الثالث عنه فقال : لا يجيء في هذا الباب حكم أحسن من هذا .

( إذ خطه ) ; أي : صاحب المسموع فيه ( على الرضا به ) ; أي : بالاسم المثبت ( دل ) يعني : وثمرة رضاه بإثبات اسمه بخطه في كتابه عدم منع عاريته ، قال ابن الصلاح : ولم يبن لي وجهه أولا ، ثم بان لي أن ذلك ( كما على الشاهد ) المتحمل .

يعني : سواء استدعي له أو اتفاقا ( ما [ ص: 120 ] تحمل ) أي : أداء الذي تحمله وجوبا ، وإن كان فيه بذل نفسه بالسعي إلى مجلس الحكم لأدائها .

ووجه غيره أيضا بأن مثل هذا من المصالح العامة المحتاج إليها مع وجود علقة بينهما تقتضي إلزامه بإسعافه في مقصده .

أصله إعارة الجدار لوضع جذوع الجار الذي صح الحديث فيه ، وأوجبه جمع من العلماء ، بل هو أحد قولي الشافعي ، وإذا ألزمنا الجار بالعارية مع دوام الجذوع في الغالب ، فلأن تلزم صاحب الكتاب مع عدم دوام العارية أولى ، وهو ظاهر .

ولو قلنا كما قاله عياض : إن خطه ليس فيه أكثر من شهادته بصحة سماعه . لأنا نقول : إلزامه بإبرازه لحصول ثمرته وإن لم يسأله في إثبات اسمه وقت السماع كما يلزم الشاهد الأداء ولو لم يستدع للتحمل .

ثم إن قياس تعليل ما كتبه بخطه بكونه علامة للرضا أنه لو كتبه غيره برضاه ; كان الحكم كذلك ، إذ لا فرق ، وكلام ابن الصلاح يشهد له ، فإنه قال : ويرجع حاصل أقوالهم إلى أن سماع غيره إذا ثبت في كتابه برضاه ، فيلزمه إعارته . وتبعه النووي في " تقريبه " .

بل قال الحاكم : سمعت أبا الوليد الفقيه يقول : مررت أنا وأبو الحسن الصباغ بمحمد بن علي الخياط ، يعني القاضي أبا عبد الله المروزي ، وهو جالس مع كاتبه ، فادعيت أنا أو هو أن أحدنا سمع في كتاب الآخر ، وأنه يمتنع من إعارته لرفيقه ، فسكت ساعة ثم قال : [ ص: 121 ] بإذنك سمع في كتابك ؟ قال : نعم . قال : فأعره سماعه . وإذا كان هذا في صورة تسميع المدعي لنفسه مع إمكان اعتقاد التهمة ، فالغير الأجنبي أولى وأحرى .

وتوقف بعضهم في الوجوب في ذلك كله ، وقال : إنه ليس بشيء . وأيد بأنه يمتنع على المالك حينئذ الرواية إذا كان يروي من كتابه لغيبته عنه ، على مذهب من يشدد في ذلك ، لا سيما إذا كان ضريرا ، وإن كان الصواب خلافه كما ستأتي المسألة قريبا .

وقد حكى ابن الصلاح في ( أدب الطالب ) عن إسحاق بن راهويه أنه قال لبعض من سمع منه في جماعة : ( انسخ من كتابهم ما قد قرأت ) . فقال : ( إنهم لا يمكنونني ) . فقال : ( إذن والله لا يفلحون ، قد رأينا أقواما منعوا هذا السماع ، فوالله ما أفلحوا ولا أنجحوا ) .

وقال ابن الصلاح عقبه : ( إنه أيضا رأى أقواما منعوا فما أفلحوا ولا أنجحوا ) .

( وليحذر المعار ) له المسموع ( تطويلا ) أي : من التطويل في العارية والإبطاء بما استعاره على مالكه إلا بقدر الحاجة ، فقد روينا عن الزهري أنه قال ليونس بن يزيد : إياك وغلول الكتب . قال يونس : فقلت : وما غلولها ؟ قال : حبسها عن أصحابها .

وروينا عن الفضيل بن عياض أنه قال : ليس من فعل أهل الخير والورع أن يأخذ سماع رجل وكتابه فيحبسه ، فمن فعل ذلك فقد ظلم نفسه .

[ ص: 122 ] وأما ما رويناه في ترجمة أبي بكر محمد بن داود بن يزيد بن حازم الرازي من ( تاريخ نيسابور ) أنه قال : سمعت أحمد بن أبي سريج يقول : سمعت أحمد بن حنبل يقول : إذا رد صاحب الحديث الكتاب بعد سنة فقد أحسن . فليس على إطلاقه .

وبلغنا عن ابن المنصف أنه كان يقول : إذا غاب الكتاب عند المستعير أكثر من عدد ورقه فهو دليل على أنه لم يأخذه لكتابة ولا قراءة ولا مقابلة ولا مطالعة . أو كما قال .

ثم إن التمسك في المنع ببطوء وما أشبهه لا يكفي في عدم الإلزام بالدفع ، فقد ساق ابن النجار في ترجمة الأمير أبي محمد عبد الله بن عثمان بن عمر من ( ذيله ) ، أن إسماعيل القاضي المالكي بعد أن حكم بما تقدم قال له المحكوم عليه - وهو صاحب الكتاب - : إنه يعذبني في كتبي إذا دفعتها إليه . فقال له : أخرج إليه ما لزمك بالحكم .

ثم قال للمدعي : إذا أعارك أخوك كتبه لتنسخها فلا تعذبه ، فإنك تطرق على نفسك منعك فيما تستحق . فرضيا بذلك وطابا ، بل وفي لفظ عند أبي بكر اليزدي في جزء عارية الكتب له المسموع لنا ، أن صاحب الكتاب - وهو سهل بن محمد الجوهري - قال لإسماعيل : أعز الله القاضي ، هذا رجل غريب أخاف أن يذهب بكتبي ، فيوثق لي حتى أعطيه . فقال له القاضي : فاكتر رجلا بدرهمين في كل يوم ، وأقعده معه حتى يفرغ من نسخ سماعه .

( و ) كذا ليحذر إذا نسخ من المسموع المعار لنفسه فرعا ( أن يثبت ) سماعه فيه ( قبل عرضه ) ومقابلته ، بل لا ينبغي إثبات تسميع على كتاب مطلقا إلا بعد المقابلة ، ( ما لم يبن ) [ ص: 123 ] بفتح الموحدة ، في كل من الإثبات والنقل أن النسخة غير مقابلة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث