الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ حكم من رأى سماعه في الكتاب ] :

( وإذا رأى ) المحدث ( سماعه ) في كتاب بخطه ، أو بخط من يثق به - سواء الشيخ أو غيره - فلا يخلو ، إما أن يتذكره أو لا ، فإن تذكره - وهو أرفع الأقسام - جازت له روايته على المعتمد إن لم يكن حافظا له ، وبلا خلاف إن كان له حافظا ، وإن لم يتذكره بل تذكر أنه غير سماعه فقد تعارضا ، والظاهر اعتماد ما في ذكره ، وقد حكى لنا شيخنا عن بعض المحدثين ممن أخذ عن شيخنا ، بل وأخذ شيخنا أيضا عنه ، وثنا عنه غير واحد أنه كان يكتب الطبقة قبل سماعه قصدا للإسراع ، لكن يؤخر تعيين التاريخ ، وطعن فيه بسبب ذلك ونحوه ، وفيه متمسك للمانعين .

( و ) إن ( لم يذكر ) سماعه له ، يعني : ولا عدمه ( فعن ) أبي حنيفة ( نعمان ) أي : النعمان أيضا ( المنع ) من روايته ، يعني : وإن كان حافظا لما في الكتاب فضلا عما لم يعرفه ، كما جاء عن ابن مهدي أنه قال : وجدت في كتبي بخطي عن شعبة ما لم أعرفه فطرحته . وعن شعبة قال : وجدت بخطي في كتاب عندي ، عن منصور ، عن مجاهد قال : لم يحتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم . ما أدري كيف كتبته ، ولا أذكر أني سمعته .

وهو مقتضى ما ذهب إليه مالك والصيدلاني أيضا في المسألة الأولى ، إذ ضبط أصل السماع كضبط المسموع ، ولعل الصيدلاني هو المقرون عند ابن الصلاح تبعا لعياض بأبي حنيفة حيث قال : [ ص: 128 ] فعن أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي عدم الجواز . وهو قول الجويني كما قال عياض ، بل قال القاضي حسين في ( فتاواه ) : إنه كذلك من طريق الفقه .

واختاره ابن دقيق العيد فقال القطب الحلبي : أتيته بجزء سمعه من ابن رواج الطبقة بخطه ، فقال : حتى أنظر فيه . ثم عدت إليه فقال : هو بخطي لكن ما أحقق سماعه ولا أذكره . ولم يحدث به .

( وقال ) صاحب أبي حنيفة ( ابن الحسن ) هو محمد ( مع ) شيخه ورفيقه القاضي ( أبي يوسف ثم ) إمامنا ( الشافعي والأكثرين ) من أصحابه ( بالجواز الواسع ) الذي لم يقل الشافعي وأكثر أصحابه بمثله في الشهادة ; لأن باب الرواية أوسع ، والأولان ممن سوى بين البابين .

على أن الإمام من أصحابنا قال : كان شيخي يتردد فيمن شهد شهادة ووضعها عنده في صندوق بحيث كان يتحقق أن أحدا لم يصل إليه ، ثم دعي إلى تلك الشهادة فلم يتذكر ، هل يجوز له أن يشهد ؟ [ ص: 129 ] ولكن الجواز قد حكاه القاضي حسين في " فتاواه " عن المحدثين ، ولم يحك عنهم خلافه ; إما بالنظر لما استقر عليه عملهم - كما نقله ابن دقيق العيد - أو لكونه مذهب أكثرهم كما اقتضاه تقرير ابن الصلاح في كونه لا فرق بين مسألتنا والأولى التي الأكثر فيها على الجواز .

وعلى هذا المذهب مشى شيخنا ، بل وجد في ( صحيح ابن حبان ) بلاغا بخطه عند موضع منه ، وفي أوله أثبت ما يدل لأزيد منه ، فحكى حين إيراد سنده صورة الحال مع غلبة الظن بصحة كل منهما ، وعدم منافاة أحدهما للآخر ، ولذا أقول : إنه يحسن الإفصاح بالواقع ، بل قال العز بن جماعة : إنه يتعين .

ثم إنه لكون المعتمد أن نسيانه غير مؤثر يجوز للفرع رواية ما سمعه من شيخه مع تصريح الشيخ بعد تحديثه إياه بما يقتضي نسيانه ، ولذا قال ابن كثير هنا : وهذا يشبه ما إذا نسي الراوي سماعه ، فإنه يجوز لمن سمعه منه روايته عنه ، ولا يضره نسيان شيخه . انتهى .

على أن ابن الصباغ قد حكى في ( العدة ) في هذه الصورة إسقاط المروي عن أصحاب أبي حنيفة كما تقدم في الفصل العاشر من معرفة من تقبل روايته ، مع الإشارة للتوقف فيه ، فإما أن يخص بالمتأخرين منهم كما صرح به الخطيب ، أو يستثنى أبو يوسف ومحمد من أصحابه ، أو يفرق بين البابين .

وبقيت مسألة أخرى عكس التي قبلها ، وهي ما إذا كان ذاكرا لسماعه ، ولكن لم يجد بذلك خطا ، وقد قال القاضي حسين في " فتاواه " : إن مقتضى الفقه [ ص: 130 ] الجواز . ونقل المنع عن المحدثين .

وقال الفرغاني : الديانة لا توجب روايته ، والعقل لا يجيز إذاعته ; لأنه في صورة كذاب وإن كان صادقا في نفس الأمر . قال : وللراوي أن يقلده فيه إذا احتاج إليه وعلم حفظه لما فيه ، إلا أنه لا يجوز له أن يكتب سماعه على كتابه لئلا يوهم الجزم بصحته . انتهى . والمعتمد الجواز .

ثم إن محل الجواز كما قال ابن الصلاح - يعني في مسألتي اعتماد الكتاب في المسموع وأصل السماع - إذا سكنت نفسه إلى صحته ، ولم يتشكك فيه ، فإن تشكك - يعني في تطرق التزوير ونحوه إليه ، بحيث لم تسكن نفسه إلى صحته ، أو كان كل من الطرفين على حد سواء ، فلا .

قال ابن معين : ( من لم يكن سمحا في الحديث - بمعنى أنه إذا شك في شيء تركه - كان كذابا ) .

وعن الشافعي أن مالكا كان إذا شك في شيء من الحديث تركه كله .

ونحوه تقييد غيره بما إذا لم تظهر فيه قرينة التغيير ; لأن الضرورة دعت لاعتماد الكتاب المتقن من جهة انتشار الأحاديث والرواية انتشارا يتعذر معه الحفظ لكله عادة ، فلو لم نعتمد غلبة الظن في ذلك لأبطلنا جملة من السنة أو أكثرها .

وكذا خص بعض المتشددين الجواز بما إذا لم يخرج الكتاب عن يده بعارية أو غيرها ، قال بعضهم : ( وهو احتياط حسن . يقرب منه صنيع المتقدمين أو جلهم في المكاتبة حيث يختمون الكتاب كما تقدم في محله ) .

وممن امتنع من رواية ما غاب عنه محمد بن عبد الله الأنصاري ، وإسماعيل بن العباس جد أبي بكر الإسماعيلي ، وهو مقتضى صنيع ابن مهدي حيث جلس مع من رام استعارة كتابه حتى نسخ منه ، وقال : خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن ; [ ص: 131 ] الحكم والحديث .

وابن المبارك ورواه نازلا عن الذي أخذ منه الكتاب من رفقائه عن ذاك الشيخ فإنه قال : سمعت أنا وغندر حديثا من شعبة ، فباتت الرقعة عند غندر ، فحدثت به عن غندر ، عن شعبة . وهو شبيه بمن كان يروي عن تلميذه عن نفسه ما نسي أنه حدث التلميذ به في آخرين .

والأصح أنه ( إن يغب ) الكتاب عنه غيبة طويلة فضلا عن يسيرة ، بإعارة أو ضياع أو سرقة ، ( وغلبت ) على الظن ( سلامته ) من التغيير والتبديل ( جازت لدى ) ; أي : عند ( جمهورهم ) كيحيى بن سعيد القطان وفضيل بن ميسرة وغيرهما من المحدثين كما حكاه الخطيب وجنح إليه .

( روايته ) لا سيما إذا كان ممن لا يخفى عليه في الغالب إذا غير ذلك أو شيء منه ; لأن باب الرواية مبني على غلبة الظن ، فإذا حصل أجزأ ، ولم يشترط مزيد عليه .

قال الخطيب : ( وهكذا الحكم في الرجل يجد سماعه في كتاب غيره ) ، وقد قال أحمد : إنه لا بأس به إذا عرف الخط .

وقيده القاضي أبو الطيب الطبري بأن يعرف الشيخ ، وذلك أن الخطيب سأله عمن وجد سماعه في كتاب من شيخ قد سمي ونسب في الكتاب غير أنه لا يعرفه ; أي : الشيخ ، فقال : لا تجوز له رواية ذلك الكتاب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث