الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في النهي عن الأغلوطات والمغالطة وسوء القصد بالأسئلة

[ ص: 74 ] فصل ( في النهي عن الأغلوطات والمغالطة وسوء القصد بالأسئلة ) .

روى الأوزاعي عن عبد الله بن سعد ولم يرو عنه غير الأوزاعي فلهذا قيل مجهول وقال ابن حبان في الثقات يخطئ عن الصنابحي عن معاوية مرفوعا عنه { نهى عليه السلام عن الغلوطات } رواه أبو داود .

ورواه غيره الأغلوطات قال الأوزاعي شذاذ المسائل وصعابها ، واحدة الأغلوطات أغلوطة وهي التي يغالط بها وتجمع أيضا على أغاليط لقول حذيفة عن عمر حدثته حديثا ليس بالأغاليط .

قال الحسن البصري : شرار عباد الله ينتقون شرار المسائل يعمون بها عباد الله وقال مالك قال رجل للشعبي إني خبأت لك مسائل ، فقال : أخبئها لإبليس حتى تلقاه فتسأله عنها وقال مالك : العلم والحكمة نور يهدي الله به من يشاء وليس بكثرة المسائل وقال مالك قال بعضهم ما تعلمت العلم إلا لنفسي ما تعلمته ليحتاج إلي الناس .

وذكر ابن عبد البر أن صاحب الروم كتب إلى معاوية يسأله عن أفضل الكلام وما هو ؟ والثاني والثالث والرابع ، وكتب إليه يسأله عن أكرم الخلق على الله عز وجل ، وعن أكرم الإماء على الله ، وعن أربعة من الخلق لم يركضوا في رحم . وعن قبر سار بصاحبه ، وعن المجرة وعن القوس ، وعن مكان طلعت فيه الشمس لم تطلع فيه قبل ذلك ولا بعده .

فلما قرأ معاوية الكتاب قال : أخزاه الله وما علمي بما ههنا ؟ قيل اكتب إلى ابن عباس فكتب إليه يسأله عن ذلك فكتب إليه ابن عباس أفضل الكلام لا إله إلا الله كلمة الإخلاص لا عمل إلا بها ، والتي تليها سبحان الله وبحمده صلاة الخلق . والتي تليها الحمد لله كلمة الشكر ، والتي تليها الله أكبر فاتحة الصلوات والركوع والسجود ، وأكرم الخلق على الله آدم عليه السلام .

[ ص: 75 ] وأكرم الإماء على الله مريم عليها السلام ، وأما الأربعة الذين لم يركضوا في رحم فآدم وحواء والكبش الذي فدي به إسماعيل وعصا موسى حيث ألقاها فصارت ثعبانا مبينا ، وأما القبر الذي سار بصاحبه فهو الحوت الذي التقم يونس ، وأما المجرة فباب السماء ، وأما القوس فإنها أمان لأهل الأرض من الغرق بعد نوح ، وأما المكان الذي طلعت فيه الشمس ولم تطلع فيه قبله ولا بعده فالمكان الذي انفجر من البحر لبني إسرائيل مع موسى عليه السلام .

فلما قدم عليه الكتاب أرسله إلى ملك الروم فقال : لقد علمت أن معاوية لم يكن له بهذا علم وما أصاب هذا إلا رجل من أهل بيت النبوة . كذا ذكر ابن عبد البر هذا الأثر ، وبعضه صحيح وبعضه باطل وما ذكره في آدم ومريم فبعضه الله به وبغيره أعلم .

وبعث ملك الروم إلى معاوية بقارورة فقال ابعث لي فيها من كل شيء فبعث إلى ابن عباس فقال : تملأ ماء ، فلما ورد به على ملك الروم قال له أخوه : ما أهداه فقيل لابن عباس : كيف اخترت ذلك قال : لقوله تعالى { وجعلنا من الماء كل شيء حي } والله أعلم .

وعن يحيى بن أكثم قال قال لي المأمون من تركت بالبصرة ؟ فوصف له مشايخ منهم سليمان بن حرب فقلت هو ثقة حافظ للحديث عاقل في نهاية الستر والصيانة فأمرني بحمله إليه فكتبت إليه فقدم فأدخلته إليه وفي المجلس ابن أبي داود وثمامة وأشباه لهما فكرهت أن يدخل مثله بحضرتهم ، فلما دخل سلم فأجابه المأمون ورفع مجلسه ودعا له سليمان بالعز والتوفيق ، فقال ابن أبي داود يا أمير المؤمنين نسأل الشيخ عن مسألة ؟ فنظر إليه المأمون نظرة تخيير له فقال يا أمير المؤمنين : ثنا حماد بن زيد قال : قال رجل لابن شبرمة : أسألك ؟ قال : إن كانت مسألتك لا تضحك الجليس ولا تزري بالمسئول فسل ، وثنا وهب قال : قال إياس بن معاوية : من المسائل ما لا ينبغي للسائل أن يسأل عنها ولا للمجيب أن يجيب [ ص: 76 ] عنها ، فإن كانت مسألته من غير هذا فليسأل قال فهابوه فما نطق أحد منهم حتى قام وولاه قضاء مكة فخرج إليها .

وفي الصحيحين أن عبد الله بن مسعود سأله رجل كيف تقرأ هذا الحرف ألفا أم ياء من ماء غير آسن أو ياسن ؟ فقال عبد الله وكل القرآن قد أحصيت غير هذا الحرف قال : إني لأقرأ المفصل في ركعة فقال : هذا كهذا الشعر إن قوما يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع وقال في شرح مسلم هذا محمول على أنه فهم منه أنه غير مسترشد في سؤاله ، إذ لو كان مسترشدا لوجب جوابه وهذا ليس بجواب .

وفي البخاري عن يوسف بن ماهك أن رجلا عراقيا قال لعائشة أي الكفن خير ؟ قالت : ويحك وما يضرك ؟ قال يا أم المؤمنين أريني مصحفك ، قالت : لم ؟ قال لعلي أؤلف القرآن عليه فإنه يقرأ غير مؤلف ، قالت وما يضرك آية آية قرأت قبل إلى أن قال فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور .

فأما رمي الشيخ المسألة بين أصحابه ومن يحضره من الطلبة ليختبر ما عندهم فحسن لحديث { طرح النبي صلى الله عليه وسلم شجرة لا ترمي ورقها هي مثل المؤمن وأنه وقع في نفس ابن عمر رضي الله عنهما أنها النخلة ولم يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هي النخلة } متفق عليه . ثم إن أصاب واحد وأخطأ غيره جاز مدح المصيب لتزداد رغبته وحرصه ويجتهد أيضا المخطئ ، وإن كان الأولى تركه .

ويكره عيب المخطئ لحصول المصلحة بدونه مع ما فيه من كثرة الأذى . وهذه المسألة تشبه مدح الأمين والشهود للمصيب في السبق وعيب المخطئ وهو مكروه وقال ابن عقيل لا يجوز .

وروى مسلم عن أبي عتيق واسمه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال : تحدثت أنا والقاسم وهو ابن محمد بن أبي بكر الصديق عند عائشة حديثا وكان القاسم رجلا لحانا وروي لحانة [ ص: 77 ] بفتح اللام وتشديد الحاء أي كثير اللحن في كلامه ، وروي لحنة بضم اللام وإسكان الحاء ، وروي بفتح الحاء أيضا وهو بمعنى التسكين وقيل بل هو الذي يخطئ الناس قال ابن أبي عتيق : وكان القاسم لأم ولد ، فقالت له عائشة ما لك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا ؟ أما إني قد علمت من أين أتيت ؟ هذا أدبته أمه ، وأنت أدبتك أمك قال فغضب القاسم وأضب عليه . وهو بفتح الهمزة وفتح الضاد المعجمة وتشديد الباء أي حقد فلما رأى مائدة عائشة قد أتي بها قام ، قالت أين ؟ قال : أصلي . قالت : اجلس قال : إني أصلي ، قالت : اجلس غدر إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين } غدر بضم الغين المعجمة وفتح الدال . أي يا غادر وهو ترك الوفاء ، ويقال لمن غدر غادر وغدر وأكثر ما يستعمل في النداء بالشتم قال في شرح مسلم : وإنما قالت له غدر لأنه مأمور باحترامها لأنها أم المؤمنين وعمته وأكبر منه وناصحة له ومؤدبة فكان حقه أن يحتملها ولا يغضب عليها انتهى كلامه وعلى هذا ينبغي للمستفيد أن يصبر ويحتمل ولا يغضب لئلا يفوته العلم ولا يكثر مخالفته .

قال الزهري : كان أبو سلمة بن عبد الرحمن بحرا وكان كثيرا ما يخالف ابن عباس فحرم لذلك من ابن عباس علما كثيرا ، وسأل ابن سيرين ابن عمر عن إطالة القراءة في سنة الفجر ، فقال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل مثنى مثنى ويوتر بركعة } قلت : لست عن هذا أسألك .

فقال : إنك لضخم ألا تدعني أستقرئ لك الحديث ؟ ثم ذكره فيه تأديب السائل والتلميذ .

وقوله به به بموحدة مفتوحة ، وهاء ساكنة مكرر ، قيل معناه : مه مه زجر وكف .

قال ابن السكيت : هي لتفخيم الأمر معناه بخ بخ ، وقوله إنك لضخم إشارة إلى الغباوة وقلة الأدب لأن هذا الوصف يكون غالبا وإنما قال ذلك لأنه قطع كلامه وعاجله ، وقوله أستقرئ [ ص: 78 ] بالهمزة من القراءة ومعناه أذكره على وجهه بكماله { وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب يا أبا المنذر أي آية من كتاب الله معك أعظم قلت : الله ورسوله أعلم قال يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم قلت : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } . فضرب في صدري وقال : ليهنك العلم يا أبا المنذر } رواه مسلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث