الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المتأول يحتاج إلى بيان الاحتمال المرجوح وعاضده

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 577 ]

وقد قيل في حمل : لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل على صوم القضاء والنذر : إنه من هذا القبيل ، لوجوبهما بسبب عارض ، فهو كالمكاتبة في حديث النكاح . والصحيح أنهما ليسا مثلها في الندرة والقلة . فقصر مضمون الحديث عن صوم رمضان ، يحتاج إلى دليل قوي ، فحصل من هذا ، أن إخراج النادر قريب ، والقصر عليه ممتنع ، وبينهما درجات متفاوتة ، بعدا وقربا .

والمجمل يأتي ذكره إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


قوله : " وقد قيل في حمل : لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل على صوم القضاء " ، إلى آخره .

معنى هذا : أن الحنفية حملوا قوله عليه السلام : لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل على صوم القضاء والنذر ، فقالوا : يجب تبييت النية لهما ، دون شهر رمضان ، والفرق أن زمن رمضان متعين لصيامه فرضا ، بخلاف القضاء والنذر ، فقال بعض الناس : إن هذا التأويل في البعد والندرة ، كتأويل حديث النكاح بغير ولي على المكاتبة ، وذلك لأن قوله : " لا صيام " صيغة عموم ، فيتناول الواجب والتطوع ، فإذا خص منها التطوع بدليل جاز ، وكان قريبا ، لقلة التطوع بالإضافة إلى أصناف الصيام . أما إذا قصر هذا العموم على القضاء والنذر ، كان بعيدا نادرا ، وذلك لأن النفل يخرج من العموم باتفاق ، وصوم رمضان الذي هو أعلى الصيام رتبة عند الخصم متعين ، فلم يبق إلا القضاء ، والنذر ، وصوم الكفارات ، وهي واجبة بأسباب عارضة ، فهو لذلك نادر ، كالمكاتبة في حديث النكاح ، والمعروف من عادات [ ص: 578 ] الناس - العرب وغيرهم - أنهم يهتمون بما هو الأصل والأهم ، فيضمنونه كلامهم ، ويريدونه منه ، كرمضان من عموم الصيام ، والحرة من عموم : " أيما امرأة أنكحت " . أما إرادة الأمور العارضة ، وقصر الكلام على إرادتها دون الأمور الأصلية ، فهو مما تأباه الأفهام ، ولم تجر به عادة أهل اللغة في الكلام .

هذا تقرير القول المذكور في قولنا : وقد قيل .

قوله : " والصحيح أنهما ليسا مثلها في الندرة والقلة " .

أي الصحيح أن القضاء والنذر ، اللذين قصر عليهما حديث : لا صيام لمن لم يبيت ليسا في الندرة والقلة ، كالمكاتبة التي قصر عليها حديث : أيما امرأة أنكحت نفسها لأن العموم هناك أقوى من العموم هنا ، والمكاتبة هناك أقل بالنسبة إلى العموم من القضاء والنذر هنا .

أما أن العموم هناك أقوى ، فلما ذكرنا من الوجوه الثلاثة في قوته وتأكده ، وهو متفق عليه عند أكثر الناس .

وأما صيغة " لا صيام " ونحوها ، فالخلاف فيها مشهور متجه ، لأنها تحتمل نفي كمال الصوم لا صحته ، وبتقدير نفي صحته ، فأصناف الصوم خمسة ، قد قصر على ثلاثة منها : وهي صوم القضاء ، والنذر ، والكفارات . ولم يبق إلا التطوع [ ص: 579 ] وصوم رمضان ، وليس نسبة ثلاثة إلى خمسة ، كنسبة نوع المكاتبة إلى جنس النساء .

قوله : " فقصر مضمون الحديث عن صوم رمضان يحتاج إلى دليل قوي " .

مضمون الحديث المذكور وجوب تبييت النية لكل صيام ، وقولهم : لا يجب تبييت النية لصوم رمضان ، قصر لمضمون الحديث عن صوم رمضان ، أي : حبس له عنه حتى لا يتناوله ، فيحتاج ذلك إلى دليل قوي ، لكون صوم رمضان أسبق إلى الفهم من إطلاق لفظ الصيام فيه ، لأنه آكد الصوم وأعلى رتبة ، ولا يبطل بالكلية ، كبطلان قصر حديث النكاح على المكاتبة .

قوله : " فحصل من هذا " ، إلى آخره .

أي : فحصل من هذا الكلام في أمثلة التأويل والتخصيص المذكورة أن إخراج النادر من العام قريب ، كإخراج المكاتبة من عموم حديث النكاح كما سبق بيانه ، وقصر العموم على النادر ممتنع ، كقصر حديث النكاح على المكاتبة ، وبينهما ، أي : بين هذين القسمين درجات متفاوتة في البعد والقرب ، كقصر حديث الصيام على النذر والقضاء ، فإنه دون إخراج النادر من العام في القرب ، ودون قصر حديث النكاح على المكاتبة في البعد .

وبالجملة : فالصور تتفاوت في القلة والكثرة فتتفاوت بالنسبة إلى إخراجها من العموم ، وقصره عليها في البعد والقرب . [ ص: 580 ]

قوله : " والمجمل يأتي ذكره إن شاء الله تعالى " .

يعني أنا ذكرنا في أول هذا البحث ، أن الكلام نص وظاهر ومجمل ، ولم نتكلم إلا على النص والظاهر ، لقرب مباحثهما من مباحث مبادئ اللغة المذكورة في هذا البحث . وأخرت الكلام في المجمل إلى موضعه في عادة الأصوليين ، وهو بعد المطلق والمقيد ، لأنه أشبه به . والشيخ أبو محمد استوعب الكلام عليه مع إخوته في باب تقاسيم الأسماء ، وهو باب اللغات ، وفي كل خير ، والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث