الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مقالة ذي النون المصري في وصف الأبدال من الأولياء

حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن مقسم ، حدثنا العباس بن يوسف الشكلي ، حدثني محمد بن عبد الملك ، قال : قال عبد الباري : قلت لذي النون المصري رحمه الله : صف لي الأبدال ، فقال : إنك لتسألني عن دياجي الظلم ، لأكشفنها لك عبد الباري ، هم قوم ذكروا الله عز وجل بقلوبهم تعظيما لربهم عز وجل ، لمعرفتهم بجلاله ، فهم حجج الله تعالى على خلقه ، ألبسهم النور الساطع من محبته ، ورفع لهم أعلام الهداية إلى مواصلته ، وأقامهم مقام الأبطال لإرادته ، وأفرغ عليهم الصبر عن مخالفته ، وطهر أبدانهم بمراقبته ، وطيبهم بطيب أهل مجاملته ، وكساهم حللا من نسج مودته ، ووضع على رءوسهم تيجان مسرته ، ثم أودع القلوب من ذخائر الغيوب فهي معلقة بمواصلته ، فهمومهم إليه ثائرة ، وأعينهم إليه بالغيب ناظرة . قد أقامهم على باب النظر من قربه ، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته ، ثم قال : إن أتاكم عليل من فقري فداووه ، أو مريض من فراقي فعالجوه ، أو خائف مني فآمنوه ، أو آمن مني فحذروه ، أو راغب في مواصلتي فهنئوه ، أو راحل نحوي فرودوه ، أو جبان في متاجرتي فشجعوه ، أو آيس من فضلي فعدوه ، أو راج لإحساني فبشروه ، أو حسن الظن بي فباسطوه ، أو محب لي فواظبوه ، أو معظم لقدري فعظموه ، أو مستوصفكم نحوي فأرشدوه ، أو مسيء بعد إحسان فعاتبوه ، ومن واصلكم في فواصلوه ، ومن غاب عنكم فافتقدوه ، ومن ألزمكم جناية فاحتملوه ، ومن قصر في واجب حقي فاتركوه ، ومن أخطأ خطيئة فناصحوه ، ومن مرض من أوليائي فعودوه ، [ ص: 13 ] ومن حزن فبشروه ، وإن استجار بكم ملهوف فأجيروه .

يا أوليائي لكم عاتبت ، وفي إياكم رغبت ، ومنكم الوفاء طلبت ، ولكم اصطفيت وانتخبت ، ولكم استخدمت واختصصت ، لأني لا أحب استخدام الجبارين ، ولا مواصلة المتكبرين ، ولا مصافاة المخلطين ، ولا مجاوبة المخادعين ، ولا قرب المعجبين ، ولا مجالسة البطالين ، ولا موالاة الشرهين .

يا أوليائي جزائي لكم أفضل الجزاء ، وعطائي لكم أجزل العطاء ، وبذلي لكم أفضل البذل ، وفضلي عليكم أكثر الفضل ، ومعاملتي لكم أوفى المعاملة ، ومطالبتي لكم أشد المطالبة ، أنا مجتني القلوب ، وأنا علام الغيوب ، وأنا مراقب الحركات ، وأنا ملاحظ اللحظات ، أنا المشرف على الخواطر ، أنا العالم بمجال الفكر ، فكونوا دعاة إلي ، لا يفزعكم ذو سلطان سوائي ، فمن عاداكم عاديته ، ومن والاكم واليته ، ومن آذاكم أهلكته ، ومن أحسن إليكم جازيته ، ومن هجركم قليته .

قال الشيخ رحمه الله : وهم الشغفون به وبوده ، والكلفون بخطابه وعهده .

حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا ابن منصور المدايني ، حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي ، حدثنا عبد الله بن محمد بن الحسن بن عروة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أن موسى - عليه السلام - قال : يا رب ، أخبرني بأكرم خلقك عليك ، قال : الذي يسرع إلى هواي إسراع النسر إلى هواه ، والذي يكلف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي بالناس ، والذي يغضب إذا انتهكت محارمي غضب النمر لنفسه ، فإن النمر إذا غضب لم يبال أقل الناس أم كثروا " .

حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ، حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان الحناط ، حدثنا أبو الفيض ذو النون بن إبراهيم المصري قال : إن لله عز وجل لصفوة من خلقه ، وإن لله عز وجل لخيرة ، فقيل له : يا أبا الفيض ، فما علامتهم ؟ قال : إذا خلع العبد الراحة ، وأعطى المجهود في الطاعة ، وأحب سقوط المنزلة . ثم قال :

[ ص: 14 ]

منع القران بوعده ووعـيده مقل العيون بليلها أن تهجعا     فهموا عن الملك الكريم كلامه
فهما تذل له الرقاب وتخضعا

وقال له بعض من كان في المجلس حاضرا : يا أبا الفيض ، من هؤلاء القوم يرحمك الله ؟ فقال : ويحك ! هؤلاء قوم جعلوا الركب لجباههم وسادا ، والتراب لجنوبهم مهادا ، هؤلاء قوم خالط القرآن لحومهم ودمائهم ، فعزلهم عن الأزواج وحركهم بالإدلاج ، فوضعوه على أفئدتهم فانفرجت ، وضموه إلى صدورهم فانشرحت ، وتصدعت هممهم به فكدحت ، فجعلوه لظلمتهم سراجا ، ولنومهم مهادا ، ولسبيلهم منهاجا ، ولحجتهم أفلاجا ، يفرح الناس ويحزنون ، وينام الناس ويسهرون ، ويفطر الناس ويصومون ، ويأمن الناس ويخافون ، فهم خائفون حذرون ، وجلون مشفقون مشمرون ، يبادرون من الفوت ، ويستعدون للموت ، لم يتصغر جسيم ذلك عندهم لعظم ما يخافون من العذاب ، وخطر ما يوعدون من الثواب ، درجوا على شرائع القرآن ، وتخلصوا بخالص القربان ، واستناروا بنور الرحمن ، فما لبثوا أن أنجز لهم القرآن موعوده ، وأوفى لهم عهوده ، وأحلهم سعوده ، وأجارهم وعيده ، فنالوا به الرغائب ، وعانقوا به الكواعب ، وأمنوا به العواطب ، وحذروا به العواقب ، لأنهم فارقوا بهجة الدنيا بعين قالية ، ونظروا إلى ثواب الآخرة بعين راضية ، واشتروا الباقية بالفانية ، فنعم ما اتجروا ، ربحوا الدارين ، وجمعوا الخيرين ، واستكملوا الفضلين ، بلغوا المنازل بصبر أيام قلائل ، قطعوا الأيام باليسير ، حذار يوم قمطرير ، وسارعوا في المهلة ، وبادروا خوف حوادث الساعات ، ولم يركبوا أيامهم باللهو واللذات ، بل خاضوا الغمرات للباقيات الصالحات ، أوهن والله قوتهم التعب ، وغير ألوانهم النصب ، وذكروا نارا ذات لهب ، مسارعين إلى الخيرات ، منقطعين عن اللهوات ، بريئون من الريب والخنا ، فهم خرس فصحاء ، وعمي بصراء ، فعنهم تقصر الصفات ، وبهم تدفع النقمات ، وعليهم تنزل البركات ، فهم أحلى الناس منطقا ومذاقا ، وأوفى [ ص: 15 ] الناس عهدا وميثاقا ، سراج العباد ، ومنار البلاد ، مصابيح الدجى ، ومعادن الرحمة ، ومنابع الحكمة ، وقوام الأمة ، تجافت جنوبهم عن المضاجع ، فهم أقبل الناس للمعذرة ، وأصفحهم للمغفرة ، وأسمحهم بالعطية ، فنظروا إلى ثواب الله عز وجل بأنفس تائقة ، وعيون رامقة ، وأعمال موافقة ، فحلوا عن الدنيا مطي رحالهم ، وقطعوا منها حبال آمالهم ، لم يدع لهم خوف ربهم عز وجل من أموالهم تليدا ولا عتيدا ، فتراهم لم يشتهوا من الأموال كنوزها ، ولا من الأوبار خزوزها ، ولا من المطايا عزيزها ، ولا من القصور مشيدها ، بلى ! ولكنهم نظروا بتوفيق الله تعالى لهم وإلهامه إياهم ، فحركهم ما عرفوا بصبر أيام قلائل ، فضموا أبدانهم عن المحارم ، وكفوا أيديهم عن ألوان المطاعم ، وهربوا بأنفسهم عن المآثم ، فسلكوا من السبيل رشاده ، ومهدوا للرشاد مهاده ، فشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم ، عزوا عن الرزايا ، وغصص المنايا ، هابوا الموت وسكراته وكرباته وفجعاته ، ومن القبر وضيقه ، ومنكر ونكير ومن ابتدارهما وانتهارهما وسؤالهما ، ومن المقام بين يدي الله عز ذكره ، وتقدست أسماؤه .

قال الشيخ أبو نعيم رحمه الله : وهم مصابيح الدجى ، وينابيع الرشد والحجى ، خصوا بخفي الاختصاص ، ونقوا من التصنع بالإخلاص .

حدثنا عبد الله بن محمد ، وأبو أحمد محمد بن أحمد - في جماعة - قالوا : حدثنا الفضل بن الحباب ، حدثنا شاذ بن فياض ، حدثنا أبو قحذم ، عن أبي قلابة ، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، قال : مر عمر بمعاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنهما - وهو يبكي ، فقال : ما يبكيك يا معاذ ؟ فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أحب العباد إلى الله تعالى الأتقياء الأخفياء ، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا شهدوا لم يعرفوا ، أولئك هم أئمة الهدى ومصابيح العلم " .

حدثنا أبو عمرو بن حمدان ، حدثنا الحسن بن سفيان ، حدثنا أبو موسى إسحاق بن إبراهيم الهروي ، حدثنا أبو معاوية عمرو بن عبد الجبار السنجاري ، حدثنا عبيدة بن حسان ، عن عبد الحميد بن ثابت بن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم [ ص: 16 ] قال : حدثني أبي ، عن جدي : شهدت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسا ، فقال : " طوبى للمخلصين ، أولئك مصابيح الهدى ، تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء " .

قال الشيخ رحمه الله : وهم الواصلون بالحبل ، والباذلون للفضل ، والحاكمون بالعدل .

حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا يحيى بن إسحاق السليحيني ، حدثنا ابن لهيعة ، عن خالد بن أبي عمران ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أتدرون من السابقون إلى ظل الله عز وجل ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " الذين إذا أعطوا الحق قبلوه ، وإذا سئلوه بذلوه ، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم " . رواه أحمد بن حنبل عن يحيى بن إسحاق مثله .

قال الشيخ رحمه الله : وهم المنبسطون جهرا ، المنقبضون سرا ، يبسطهم روح الارتياح والاشتياق ، ويقلقهم خوف القطيعة والفراق .

حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، حدثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ، حدثنا سلمة بن شبيب ، حدثنا الوليد بن إسماعيل الحراني ، حدثنا شيبان بن مهران ، عن خالد بن المغيرة بن قيس ، عن مكحول ، عن عياض بن غنم أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن من خيار أمتي- فيما نبأني الملأ الأعلى ، في الدرجات العلى - قوما يضحكون جهرا من سعة رحمة ربهم ، ويبكون سرا من خوف شدة عذاب ربهم عز وجل ، يذكرون ربهم بالغداة والعشي ، في بيوته الطيبة ، ويدعونه بألسنتهم رغبا ورهبا ، ويسألونه بأيديهم خفضا ورفعا ، ويشتاقون إليه بقلوبهم عودا وبدءا ، مؤنتهم على الناس خفيفة ، وعلى أنفسهم ثقيلة ، يدبون في الأرض حفاة على أقدامهم دبيب النمل بغير مرح ولا بذخ ولا مثلة ، يمشون بالسكينة ، ويتقربون بالوسيلة ، يلبسون الخلقان ، ويتبعون البرهان ، ويتلون الفرقان ، ويقربون القربان ، عليهم من الله تعالى شهود حاضرة ، وأعين حافظة ونعم ظاهرة ، يتوسمون العباد ، ويتفكرون في البلاد ، أجسادهم في الأرض وأعينهم في السماء ، أقدامهم في الأرض وقلوبهم في السماء ، وأنفسهم في الأرض وأفئدتهم عند العرش ، أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة ، [ ص: 17 ] ليس لهم هم إلا أمامهم ، قبورهم في الدنيا ، ومقامهم عند ربهم عز وجل ، ثم تلى هذه الآية : ( ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) .

قال الشيخ رحمه الله : وهم المبادرون إلى الحقوق من غير تسويف ، والموفون الطاعات من غير تطفيف .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا محمد بن موسى الأيلي ، ثنا عمر بن يحيى الأيلي ، ثنا حكيم بن حزام ، عن أبي جناب الكلبي ، عن أبي الزبير ، عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن من موجبات الله ثلاثا : إذا رأى حقا من حقوق الله لم يؤخره إلى أيام لا يدركها ، وأن يعمل العمل الصالح العلانية على قوام من عمله في السريرة ، وهو يجمع مع ما يعمل صلاح ما يأمل " . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فهكذا ولى الله وعدد بيده ثلاثا " .

حدثنا أبو بكر بن خلاد ، ثنا الحارث بن أبي أسامة ، ثنا داود بن المحبر ، ثنا ميسرة بن عبد ربه ، عن حنظلة بن وداعة ، عن أبيه ، عن البراء بن عازب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن لله عز وجل خواص يسكنهم الرفيع من الجنان كانوا أعقل الناس " قلنا : يا رسول الله ، وكيف كانوا أعقل الناس ؟ قال : " كانت همتهم المسابقة إلى ربهم عز وجل ، والمسارعة إلى ما يرضيه ، وزهدوا في فضول الدنيا ورياستها ونعيمها ، وهانت عليهم ، فصبروا قليلا ، واستراحوا طويلا " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث