الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قبول الهدية من المشركين

2475 2618 - حدثنا أبو النعمان، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هل مع أحد منكم طعام؟". فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه، فعجن ثم جاء رجل مشرك -مشعان طويل- بغنم يسوقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بيعا أم عطية؟" أو قال: "أم هبة؟". قال: لا، بل بيع. فاشترى منه شاة، فصنعت وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بسواد البطن أن يشوى، وايم الله، ما في الثلاثين والمائة إلا قد حز النبي صلى الله عليه وسلم له حزة من سواد بطنها، إن كان شاهدا أعطاها إياه، وإن كان غائبا [ ص: 391 ] خبأ له، فجعل منها قصعتين، فأكلوا أجمعون، وشبعنا، ففضلت القصعتان، فحملناه على البعير. أو كما قال. [انظر: 2216 - مسلم: 2056 - فتح: 5 \ 230]

التالي السابق


ثم ذكر حديث أنس في الشاة المسمومة المهداة له من جهة اليهودية.

وحديثه أيضا: أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبة سندس -وكان ينهى عن الحرير- فعجب الناس منها، فقال: "والذي نفس محمد بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا".

وقال سعيد، عن قتادة، عن أنس: إن أكيدر دومة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم ساق حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة .. وذكر شراء الشاة من المشرك بعد أن قال له: "بيعا أم عطية؟" أو قال: "أم هبة؟".

الشرح: تعليق أبي هريرة سلف في البيوع مسندا، وإهداء الشاة المسمومة، قد أسنده بعده من حديث أنس، ويأتي في الجزية مطولا، واسم أبي حميد: عبد الرحمن بن عمرو.

وتعليق أبي حميد سلف في الزكاة مسندا، وعند مسلم: جاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة بكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي "الهدايا" لأبي إسحاق الحربي، عن علي: أهدى يوحنا بن رؤبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلته البيضاء.

[ ص: 392 ] وفي مسلم: أنه - عليه السلام - كان يوم حنين على بغلة له بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي.

وحديث عبد الرحمن سلف قريبا في باب الشراء والبيع من المشركين وأهل الحرب، من كتاب البيوع.

واحتجاج البخاري بقصة سارة، يدل أن مذهبه أنا مخاطبون بشرع من قبلنا، وهو قول مالك.

قال ابن التين: وهو الصحيح; لقوله تعالى: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [الأنعام: 90]، والقول الآخر: أنا غير مخاطبين به.

وأحاديث الباب دالة على جواز قبول هدية المشركين، وفي الترمذي أنه رد هدية المشرك وقال: "إني نهيت عن زبد المشركين".

وصححه، وزبد المشركين هداياهم. قيل: إنه عياض بن حمار، وقيل: إنه نسخ، وقيل: يفرق بين المشرك والكتابي.

وأكيدر من أهل الكتاب، فقبل هديته، وقيل: كان يؤدي الجزية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سلف ذلك واضحا.

والأول أولى; لحديث المشرك المشعان، وحديث أم عطية، إلا أن تركها أفضل; عملا باليد العليا.

[ ص: 393 ] وقد سئل مالك عمن وصل بشيء فقال: تركه أفضل، إلا أن يخاف على نفسه الجوع.

وأوضح المسألة ابن بطال فقال: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآثار وغيرها، أنه قبل هداياهم. قال: وأكثر العلماء على أنه لا يجوز ذلك لغيره من الأمراء; إذ كان قبولها منهم على جهة الاستبداد بها دون رعيته; لأنه إنما أهدى له ذلك من أجل أنه أمير الجيش، وليس الشارع في ذلك كغيره; لأنه مخصوص بما أفاء الله عليه من أموال الكفار من غير قتال.

وقد اختلف العلماء في هداياهم على أقوال: أحدها: أن ما أهداه الحربي إلى والي الجيش -كان الوالي الأعظم أو دونه- فهو مغنم; لأنه لم ينله إلا بهم.

وفيه الخمس، وهو قول الأوزاعي، ومحمد بن الحسن، وابن حبيب، قال: وسمعت أهل العلم يقولون: إنما والي الجيش في سهمانه كرجل منهم، له ما لهم وعليه ما عليهم.

ثانيها: ما أهدي لوالي الجيش فهو له خاصة، وكذا ما يعطاه الرسول، قاله أبو يوسف.

ثالثها: قال محمد بن الحسن: لو أهدى العدو إلى رجل من المسلمين، ليس بقائد ولا أمير، هدية، فلا بأس أن يأخذها، وتكون له [ ص: 394 ] دون أهل العسكر. وهو قول الأوزاعي، وابن القاسم.

قال: وأما حديث عياض: "إني نهيت عن زبد المشركين" فهو معارض لقبوله هداياهم، فيكون ناسخا لها، قيل: يحتمل أن يكون تركها لما في ذلك من التأنيس والتحاب، ومن حاد الله ورسوله وشاقهما، حرم على المؤمنين موالاته; ألا ترى أنه جعل عليه ردها لما لم يسلم.

وقد روى معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: جاء ملاعب الأسنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدية، فعرض عليه الإسلام فأبى أن يسلم، فقال: "إني لا أقبل هدية مشرك". فدل هذا الحديث على مثل ما دل عليه حديث عياض، وبان به أن قبول الشارع هدية من قبل هديته من المشركين، إنما كان على وجه التأنيس والائتلاف; رجاء إنابتهم إلى الإسلام، ومن يئس من إسلامه منهم رد هديته.

وقال الطبري: قبول هدايا المشركين إنما كان نظرا منه للمسلمين، وعودا بنفعه عليهم، لا إيثارا منه نفسه به دونهم، وللإمام قبول هدايا أهل الشرك وغيرهم إذا كان ما يقبله من ذلك للمسلمين.

وأما رد هدية من رد هديته منهم، فإنما كان ذلك من أجل أنه أهداها له في خاصة نفسه فلم ير قبولها; تعريفا منه لأمته من بعده أنه ليس له قبول هدية أحد لخاصة نفسه، وبين ذلك ما رواه نعيم بن عون عن الحسن، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: عياض كانت بينه [ ص: 395 ] وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم صداقة قبل أن يبعث- بهدية فقال له: "أسلمت؟"; قال: لا. قال: "فإنه لا يحل لنا زبد المشركين"، قال الحسن: الزبد: الرفد. ذكره ابن سلام.

فإن ظن ظان أن قوله: "إنا لا نقبل هدية مشرك"، وأن ما رواه عطاء، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "هدايا العمال غلول" أن ذلك على العموم فقد أخطأ.

وذلك أنه لا خلاف بين الجميع في أن الله تعالى قد أباح للمسلمين أموال أهل الشرك بالله بالقهر والغلبة لهم; لقوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شيء الآية [الأنفال: 41] فهو بطيب أنفسهم لا شك أحل وأطيب.

دليله: حديث أبي سعيد الخدري، أن ملك الروم أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم جرة من زنجبيل فقسمها بين أصحابه، فأعطى كل رجل منهم قطعة.

وما رواه قرة عن الحسن، قال: أهدى أكيدر دومة الجندل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جرة فيها من، وبالنبي صلى الله عليه وسلم وأهله إليها حاجة، فلما قضى الصلاة أمر طائفا فطاف بها على أصحابه، فجعل الرجل يدخل يده فيخرج فيأكل، فأتى خالد بن الوليد فأدخل يده فقال: يا رسول الله، أخذ القوم مرة مرة وأخذت مرتين؟ فقال: "كل وأطعم أهلك".

[ ص: 396 ] وأهدى (البون) ملك الروم إلى مسلمة بن عبد الملك لؤلؤتين بالقسطنطينية، فشاور أهل العلم من ذلك الجيش فقالوا: لم يهدهما إليك إلا لموقعك من هذا الجيش، فنرى أن تبيعهما وتقسم ثمنهما على هذا الجيش، فثبت بفعل الشارع وقول أهل العلم بعده، أن الذي كان من رده هدية من رد من المشركين، كان لما وصف لك; إذ من المحال اجتماع الرد والقبول في شيء واحد، فبان أن سبب قبول ما قبل، غير سبب رد ما رده.

فإن قلت: إن آخر فعليه ناسخ للآخر. قلت: لو كان كذلك لكان مبينا، أو كان على الناسخ دليل يفرق بينه وبين المنسوخ; إذ غير جائز أن يكون شيء من حكم الله غير معلوم الواجب منه على عباده، إما بنص عليه، أو دلالة منصوبة على اللازم فيه، فبان بهذا أن سبيل الأئمة القائمين بعده بأمر الأمة سبيله في أن من أهدى إليه ملك من ملوك أهل الحرب هدية، فله قبولها وصرفها حيثما جعل الله ما خول المسلمين، من غير إيجاف منهم عليهم بخيل ولا ركاب، وإن كان الذي أهدى إليه وهو منيخ مع جيش من المسلمين بعقرة (دارهم) محاصرا لهم; فله قبوله وصرفه فيما جعل الله من أموالهم مصروفا، فيما نيل بالقهر والغلبة لهم، وذلك ما أوجفوا عليه بالخيل والركاب، كالذي فعل الشارع بأموال (قريظة); إذ نزلوا على حكم سعد لما [ ص: 397 ] نزل هو وأصحابه محاصرين لهم.

تنبيهات:

أحدها: معنى قوله: (وكتب له ببحرهم)؛ قيل: ولاه المكان، وقيل: ألا يؤخذ عند الغلبة عليهم.

ثانيها: قال المهلب: في حديث أبي حميد مكافأة المشرك على هديته; لأنه - عليه السلام - أهدى له بردة.

وفيه: جواز تأمير المسلم للمشرك على قومه؛ لما في ذلك من طوعهم له، وانقيادهم.

وأيلة: بفتح الهمزة؛ قال الطبري: كان صاحبها من أهل الجزية بالصلح الذي جرى بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال المهلب: وفيه تولية البحر، وأنه عمل من الأعمال.

وفيه جواز نسبة العمل إلى من أمر به; لقوله: (وكتب له ببحرهم) وهو - عليه السلام- لم يكتب كما قال: رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أمر بذلك.

ثالثها: في قبول الشاة المسمومة دلالة على أكل طعام من يحل أكل طعامه دون أن يسأل عن أصله، ولا يحترس من حيث إن كان فيه مع جواز ما قد ظهر إليه من السم، فدل ذلك على حمل الأمور على السلامة، حتى يقوم دليل على غيرها، وكذلك حكم ما بيع في سوق المسلمين، وهو محمول على السلامة، حتى يتبين خلافها.

رابعها: في حديث المشرك المشعان جواز قبول هدايا المشركين، وقد تقدم كثير من معناه في البيوع حيث ذكره.

[ ص: 398 ] وفيه المواساة بالطعام عند المسغبة والشدة، وتساوي الناس في ذلك، وفي أكل أهل الجيش من الكبد، على قلته، علامة باهرة من أعلام نبوته، وآية باهرة من آياته.

خامسها: قوله: (لمناديل سعد)؛ فيه ضرب المثال بالمناديل التي يمسح بها الأيدي، وينفض بها الغبار، وتتخذ لفافة لجيد الثياب، فكانت كالخادم، والثياب كالمخدوم، فإذا كانت المناديل أفضل من هذه الثياب -أعني: جبة السندس- دل على عظم عطايا الرب جل جلاله؛ قال تعالى: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [السجدة: 17] قال الداودي: والسندس: رقيق الديباج، والإستبرق: غليظه.

والذي ذكره غيره كما قال ابن التين: الإستبرق أفضل من السندس; لأنه غليظ الديباج، وكل ما غلظ من الحرير كان أفضل من رقيقه.

سادسها: أكيدر دومة: هو ملك دومة الجندل، كان يدعى أكيدر، ودومة، بفتح الدال وضمها.

[ ص: 399 ] سابعها: إنما لم يقتل من سمه على الأصح; لأنه كان من شأنه ألا يقتل أحدا، أو أراد أن لا ينقص من عذابها في الآخرة، وأن يبقي أجره موفرا فيما نيل منه، وقد قال الفاروق: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي على يد رجل سجد لله سجدة يحاجني بها يوم القيامة.

ولما ولي مصعب العراق أتي بعمرو بن جرموز التميمي قاتل الزبير، فسجنه، وكتب إلى عبد الله بأمره، فكتب إليه: ما كنت أقيد بالزبير رجلا أعرابيا.

وروي أنه - عليه السلام- قال لها: "ما حملك على هذا؟" قالت: إن كنت نبيا لم يضرك، وإن كنت كاذبا استراح الناس منك.

وروي أن بعض من أكل معه مات.

وجاء في "الصحيح": "ما زالت أكلة خيبر تعادني، فهذا أوان انقطاع أبهري".

ومعنى: (تعادني) تأتيني في وقت دون وقت، والأبهر: نياط القلب، وهو العرق الذي يتعلق به القلب، فإذا انقطع مات صاحبه، فجمع الله له بين الرسالة والشهادة.

وقوله: (ما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال الداودي: لهواته: ما يبدو من فيه عند التبسم.

[ ص: 400 ] وقال الجوهري: اللهاة: الهنة اللطيفة في أقصى سقف الحلق، والجمع: اللها واللهوات واللهيات أيضا.

وقال القاضي عياض: هي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم.

ثامنها: إنما أدخل في الباب حديث عبد الرحمن بن أبي بكر; لقوله: (أو قال: هبة) لا كما وقع للداودي من أنه من أجل قوله، أو عطية. والمشعان: فسره في رواية أبي ذر بالطويل جدا. وقال ابن فارس: مشعان الرأس.

وقال القزاز: هو الجافي الثائر الرأس، وقد سلف.

وفيه: المواساة عند الضرورة، وفيه: أكل القوم بعد القوم; لأن القصعتين لا تحملان أيدي الجماعة.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث