الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فرع أذن لزوجته في الإحرام بالحج ثم رجع عن الإذن أو اختلفا فادعت الإذن وأنكره

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإن أحرمت المرأة بغير إذن الزوج فإن كان في تطوع جاز له أن يحللها ، لأن حق الزوج واجب فلا يجوز إبطاله عليه بتطوع ، وإن كان في حجة الإسلام ففيه قولان ( أحدهما ) أن له أن يحللها لأن حقه على الفور ، والحج على التراخي ، فقدم حقه ( والثاني ) أنه لا يملك لأنه فرض فلا يملك تحليلها منه كالصوم والصلاة ) .

التالي السابق


( الشرح ) قوله ( لأنه فرض فلا يملك تحليلها منه ) ينتقض بصوم الكفارة والنذر في الذمة والقضاء الذي لم ينتقض ، فإن له منعها من كل ذلك في الأصح وكان ينبغي أن يقول : فرض بأصل الشرع والله أعلم .

( أما الأحكام ) فقال أصحابنا : ينبغي للمرأة أن لا تحرم بغير إذن زوجها ، ويستحب له أن يحج بها ، واحتجوا فيه بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال { لا يخلون رجل بامرأة ، ولا تسافر امرأة إلا مع محرم ، فقام رجل فقال : يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني كتبت في غزوة كذا . قال : فانطلق فاحجج مع امرأتك } رواه البخاري ومسلم . فإن أرادت حج إسلام أو تطوع فأذن الزوج وأحرمت به لزمه تمكينها من إتمامه بلا خلاف ، سواء كان فرضا أو نفلا كما سبق فيما لو أذن لعبده في الإحرام فأحرم وكما لا يجوز له تحليلها لا يجوز لها التحلل ، فإن تحللت لم يصح تحللها ولم تخرج من الحج ، كما لو نوى غيرها الخروج من الحج بلا إحصار فإنه لا يخرج منه بلا خلاف وإن أرادت حج الإسلام فمنعها الزوج فهل له المنع ؟ فيه قولان مشهوران ، وعجب كيف أهملهما المصنف قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : المنصوص في باب حج المرأة والعبد من المناسك الكبير أن للزوج منعها ، ونص الشافعي [ ص: 307 ] في باب خروج النساء إلى المساجد من اختلاف الحديث على أنه ليس له منعها . وقال البندنيجي : نص الشافعي في عامة كتبه أن له منعها ، واتفقوا على أن الصحيح من هذين القولين أن له منعها ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والمحاملي وآخرون ، قال القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد والروياني وغيرهما : هذا القول هو الصحيح المشهور ، واحتجوا له بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { ليس لها أن تنطلق إلى الحج إلا بإذن زوجها } رواه الدارقطني والبيهقي . ولأن حق الزوج على الفور والحج على التراخي ، فقدم ما كان على الفور ، كما تقدم العدة على الحج بلا خلاف .

( والقول الثاني ) ليس له منعها لعموم قوله صلى الله عليه وسلم { لا تمنعوا إماء الله مساجد الله } رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر ، وقياسا على الصوم والصلاة . وأجاب الأولون عن الحديث بأنه محمول على أنه تنزيه أو على غير المتزوجات ، لأن غير المتزوجات لم يتعلق بهن حق على الفور ، وذلك كالبنت والأخت ونحوهما ، وأن المراد لا تمنعوهن مساجد الله للصلوات ، وهذا هو ظاهر سياق الحديث ، والله أعلم .

قال أصحابنا : والفرق بين الحج والصوم والصلاة أن مدته طويلة بخلافهما ، والله تعالى أعلم . فإن أحرمت بحج الإسلام بغير إذنه قال أصحابنا : إن قلنا : ليس له منعها من الابتداء فليس له تحليلها ( وإن قلنا ) له منعها فهل له تحليلها ؟ فيه قولان مشهوران وهما اللذان ذكرهما المصنف هنا وفي التنبيه ، قال القاضي أبو الطيب والروياني وغيرهما : نص عليهما الشافعي في باب حج المرأة والعبد ، قال أصحابنا ( أصحهما ) أن له تحليلها ، وهو نصه في مختصر المزني ومما صرح بتصحيحه الجرجاني في التحرير والغزالي في الخلاصة [ ص: 308 ] والروياني في الحلية وأبو علي الفارقي في فوائد المهذب والرافعي في كتابيه وغيرهم . وشذ عنهم المحاملي في المقنع ، فجزم بأنه ليس له تحليلها لأنه يضيق بالشروع ( والمذهب ) أن له تحليلها ، كما صححه الجمهور ، لأن حق الزوج سابق والله أعلم .

قال الدارمي والجرجاني في التحرير : وحجة النذر كالإسلام ، فإذا أحرمت بها بغير إذنه فله تحليلها في أصح القولين ، وينبغي أن يكون القضاء كذلك والله أعلم .

أما إذا أحرمت بحجة تطوع فله منعها منه بلا خلاف ، فإن أحرمت به فهل له تحليلها منه ؟ فيه طريقان مشهوران حكاهما القاضي أبو حامد المروذي والشيخ أبو حامد الإسفراييني والدارمي والقاضي أبو الطيب في كتابيه المجموع والتجريد والماوردي والقاضي أبو علي البندنيجي والقاضي حسين والفوراني وإمام الحرمين والغزالي وابن الصباغ والمتولي والبغوي وصاحب العدة والروياني الشاشي وخلائق آخرون ( أصحهما ) باتفاقهم له تحليلها ( والثاني ) لا ، لأنها لما أحرمت بها صارت كحجة الإسلام ، لأن حجة التطوع تلزم بالشروع والله أعلم .

( فرع ) قال أصحابنا : حيث أبحنا له تحليلها لا يجوز لها أن تتحلل حتى يأمرها ، فإذا أمرها تحللت كما يتحلل المحصر سواء ، فتذبح الهدي وتنوي عنده الخروج من الحج ، وتقصر رأسها أو ثلاث شعرات إذا قلنا الحلق نسك ، فإن كانت واجدة للهدي فلا بد مما ذكرناه ، وإن كانت عادمة له فهي كالحر المحصر إذا عدم الهدي ، وقد سبق إيضاحه ، واتفق أصحابنا على أن تحللها لا يحصل إلا مما يحصل به تحلل المحصر ، وأنها لو تطيبت أو جومعت أو قتلت صيدا أو فعلت غير ذلك من محظورات الإحرام أو فعل الزوج ذلك بها لا تصير متحللة بل يلزمه الفدية فيما ارتكبته ، والله أعلم .

قال أصحابنا : ومتى أمرها بالتحلل حيث جوزناه [ ص: 309 ] له لزمها المبادرة به وإن امتنعت منه مع تمكنها جاز للزوج وطؤها وسائر الاستمتاعات بها ولا إثم عليه وعليها هي الإثم لتقصيرها . وكذلك الأمة إذا امتنعت من التحلل فللسيد وطؤها ولا إثم عليه وعليها هي الإثم . وحكى إمام الحرمين هذا عن الصيدلاني ثم قال الإمام : وهذا فيه نظر ، لأن المحرمة حرام لحق الله تعالى ، كما أن المرتدة حرام لحق الله تعالى ، فيحتمل تحريمها على الزوج والسيد . هذا كلام الإمام والمذهب القطع بالجواز كما قاله الصيدلاني وغيره ، وبه جزم الغزالي وغيره ، والله أعلم .



( فرع ) ليس للأمة المزوجة الإحرام إلا بإذن السيد والزوج جميعا بلا خلاف لأن لكل واحد منهما حقا ، فإن أذن أحدهما فللآخر المنع بلا خلاف ، فإن أحرمت بغير إذنهما ، قال الدارمي : إن اتفقا على تحليلها فلهما ذلك ، وإن اتفقا على بقائها وذهابها في الحج جاز ، وإن أراد السيد تحليلها فله ذلك ، وإن أراده الزوج ، قال ابن القطان : نص الشافعي أن له ذلك ، قال ابن القطان : فيحتمل هذا ويحتمل أن يقال : لا يحللها ، لأن للسيد المسافرة بها ، نقله الدارمي . ونقل الروياني عن القفال أن المذهب أن للزوج تحليلها ، كما هو للسيد ، وأن من الأصحاب من قال بالنسبة إلى الزوج كالزوجة الحرة إذا أحرمت بتطوع ، هل له تحليلها ؟ فيه طريقان ، والمذهب الأول



( فرع ) قال الدارمي : إذا أحرمت في العدة فإن كانت رجعية فلم يراجعها ، فليس له تحليلها ، وله منعها من الخروج ، فإن قضت العدة ولم يراجعها مضت في الحج ، فإن أدركته فذلك ، وإن فاتها فلها حكم الفوات وإن راجعها فهل له تحليلها ؟ فيه القولان السابقان ، وإن كانت مطلقة بائنا فليس له تحليلها بلا خلاف ، وله منعها ، فإن أدركت الحج بعد انقضاء العدة وإلا فهي كذات الفوات ، ولو أحرمت ثم طلقها فوجبت العدة [ ص: 310 ] أقامت على إحرامها ، ولم يجز لها التحلل ، فإن انقضت عدتها فأدركت الحج فذاك ، وإن فاتها - قال ابن المرزبان : إن كانت هي سبب وجوب العدة بخيار ونحوه فهي المفوتة وإن طرأت بغير اختيارها ففي القضاء وجهان بناء على القولين في المحصر إذا سلك طريقا ففاته ، هذا كلام الدارمي . وكذا قال الروياني والرافعي وغيرهما إن المعتدة الرجعية إذا أحرمت فللزوج منعها من الذهاب في الحج ، وليس له تحليلها ولكن له رجعتها ، فإذا رجع هل له تحليلها ؟ فيه القولان ، وجزم الرافعي بأنه يحللها بعد المراجعة ، وهو تفريع على الأصح وإلا فالقولان لا بد منهما كما ذكره الدارمي والروياني وغيرهما . ونقل الروياني فيما إذا أحرمت بحج تطوع ثم طلقت ثم اعتدت ففاتها قولين ( أحدهما ) يجب القضاء كالخطأ في العدد ( والثاني ) لا ، لعدم تقصيرها ، وهذا موافق لما ذكره ابن المرزبان والله أعلم .

وقال الماوردي : إذا أحرمت ثم وجبت العدة بوفاة زوج أو طلاقه لزمها المضي في الإحرام وأعمال النسك ، ولا تكون العدة مانعة لأن الإحرام سابق ، قال : فإن منعها حاكم من إتمام الحج بسبب العدة صارت كالمحصر ، فتتحلل وعليها دم الإحصار



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث