الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ المسألة الثانية ]

[ هل يقبل قول المطلق أنه أراد بطلاقه أكثر من طلقة ؟ ]

وأما المسألة الثانية : فهي اختلافهم فيمن قال لزوجته : أنت طالق ، وادعى أنه أراد بذلك أكثر من واحدة : إما ثنتين وإما ثلاثا ، فقال مالك : هو ما نوى ، وقد لزمه - وبه قال الشافعي - إلا أن يقيد فيقول : طلقة واحدة ، وهذا القول هو المختار عند أصحابه . وأما أبو حنيفة ، فقال : لا يقع ثلاثا بلفظ الطلاق ، لأن العدد لا يتضمنه لفظ الإفراد ، لا كناية ولا تصريحا .

وسبب اختلافهم : هل يقع الطلاق بالنية دون اللفظ ، أو بالنية مع اللفظ المحتمل ؟ .

فمن قال بالنية أوجب الثلاث ، وكذلك من قال بالنية واللفظ المحتمل ورأى أن لفظ الطلاق يحتمل العدد . ومن رأى أنه لا يحتمل العدد وأنه لا بد من اشتراط اللفظ في الطلاق مع النية قال : لا يجب العدد وإن نواه . وهذه المسألة اختلفوا فيها ، وهي من مسائل شروط ألفاظ الطلاق ( أعني : اشتراط النية مع اللفظ ، أو بانفراد أحدهما ) ، فالمشهور عن مالك أن الطلاق لا يقع إلا باللفظ والنية ، وبه قال أبو حنيفة ، وقد روي عنه أنه يقع باللفظ دون النية . وعند الشافعي أن لفظ الطلاق الصريح لا يحتاج إلى نية .

فمن اكتفى بالنية احتج بقوله صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات " . ومن لم يعتبر النية دون اللفظ احتج بقوله عليه الصلاة والسلام : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها " . والنية دون قول حديث نفس ، قال : وليس يلزم من اشترط النية في العمل في الحديث المتقدم أن تكون النية كافية بنفسها .

واختلف المذهب هل يقع بلفظ الطلاق في المدخول بها طلاق بائن إذا قصد ذلك المطلق ولم يكن هنالك عوض ؟ فقيل يقع ، وقيل لا يقع ، وهذه المسألة هي من مسائل أحكام صريح ألفاظ الطلاق .

وأما ألفاظ الطلاق التي ليست بصريح ، فمنها : ما هي كناية ظاهرة عند مالك ، ومنها : ما هي كناية [ ص: 456 ] محتملة . ومذهب مالك أنه إذا ادعى في الكناية الظاهرة أنه لم يرد طلاقا لم يقبل قوله ، إلا أن تكون هنالك قرينة تدل على ذلك كرأيه في الصريح ، وكذلك لا يقبل عنده ما يدعيه من دون الثلاث في الكنايات الظاهرة ، وذلك في المدخول بها ، إلا أن يكون قال ذلك في الخلع . وأما غير المدخول بها فيصدقه في الكناية الظاهرة فيما دون الثلاث ، لأن طلاق غير المدخول بها بائن ، وهذه هي مثل قولهم : حبلك على غاربك ، ومثل : البتة ، ومثل قولهم : أنت خلية وبرية .

وأما مذهب الشافعي في الكنايات الظاهرة : فإنه يرجع في ذلك إلى ما نواه ، فإن كان نوى طلاقا كان طلاقا ، وإن كان نوى ثلاثا كان ثلاثا ، أو واحدة كان واحدة ، ويصدق في ذلك .

وقول أبي حنيفة في ذلك مثل قول الشافعي ، إلا أنه إذا نوى على أصله واحدة أو اثنتين وقع عنده طلقة واحدة بائنة ، وإن اقترنت به قرينة تدل على الطلاق وزعم أنه لم ينوه لم يصدق ، وذلك إذا كان عنده في مذاكرته الطلاق . وأبو حنيفة يطلق بالكنايات كلها إذا اقترنت بها هذه القرينة إلا أربع : حبلك على غاربك ، واعتدي ، واستبرئي ، وتقنعي . لأنها عنده من المحتملة غير الظاهرة .

وأما ألفاظ الطلاق المحتملة غير الظاهرة : فعند مالك أنه يعتبر فيها نيته ، كالحال عند الشافعي في الكناية الظاهرة . وخالفه في ذلك جمهور العلماء فقالوا : ليس فيها شيء ، وإن نوى طلاقا .

فيتحصل في الكنايات الظاهرة ثلاثة أقوال : قول أن يصدق بإطلاق ، وهو قول الشافعي . وقول إنه لا يصدق بإطلاق إلا أن يكون هنالك قرينة ، وهو قول مالك . وقول إنه يصدق إلا أن يكون في مذاكرة الطلاق ، وهو قول أبي حنيفة .

وفي المذهب خلاف في مسائل يتردد حملها بين الظاهر والمحتمل ، وبين قوتها وضعفها في الدلالة على صفة البينونة فوقع فيها الاختلاف ، وهي راجعة إلى هذه الأصول .

وإنما صار مالك إلى أنه لا يقبل قوله في الكنايات الظاهرة إنه لم يرد به طلاقا ، لأن العرف اللغوي والشرعي شاهد عليه ، وذلك أن هذه الألفاظ إنما تلفظ بها الناس غالبا ، والمراد بها الطلاق ، إلا أن يكون هنالك قرينة تدل على خلاف ذلك ، وإنما صار إلى أنه لا يقبل قوله فيما يدعيه دون الثلاث ; لأن الظاهر من هذه الألفاظ هو البينونة ، والبينونة لا تقع إلا خلعا عنده في المشهور أو ثلاثا ، وإذا لم تقع خلعا - لأنه ليس هناك عوض - فبقي أن يكون ثلاثا ، وذلك في المدخول بها ، ويتخرج على القول في المذهب بأن البائن تقع من دون عوض ودون عدد أن يصدق في ذلك وتكون واحدة بائنة .

وحجة الشافعي : أنه إذا وقع الإجماع على أنه يقبل قوله فيما دون الثلاث في صريح ألفاظ الطلاق كان أحرى أن يقبل قوله في كنايته ، لأن دلالة الصريح أقوى من دلالة الكناية ، ويشبه أن تقول المالكية إن لفظ الطلاق وإن كان صريحا في الطلاق فليس بصريح في العدد ومن الحجة للشافعي حديث ركانة المتقدم ، وهو مذهب عمر في : حبلك على غاربك . وإنما صار الشافعي إلى أن الطلاق في الكنايات الظاهرة إذا نوى ما دون الثلاث يكون رجعيا لحديث ركانة المتقدم .

وصار أبو حنيفة إلى أنه يكون بائنا لأنه المقصود به قطع العصمة ، ولم يجعله ثلاثا لأن الثلاث معنى زائد على البينونة عنده .

[ ص: 457 ] فسبب اختلافهم : هل يقدم عرف اللفظ على النية أو النية على عرف اللفظ ؟ وإذا غلبنا عرف اللفظ : فهل يقتضي البينونة فقط ، أو العدد ؟ .

فمن قدم النية لم يقض عليه بعرف اللفظ ، ومن قدم العرف الظاهر لم يلتفت إلى النية .

ومما اختلف فيه الصدر الأول وفقهاء الأمصار من هذا الباب ( أعني : من جنس المسائل الداخلة في هذا الباب ) : لفظ التحريم ( أعني : من قال لزوجته أنت علي حرام ) ، وذلك أن مالكا قال : يحمل في المدخول بها على البت ( أي : الثلاث ) وينوى في غير المدخول بها ، وذلك على قياس قوله المتقدم في الكنايات الظاهرة ، وهو قول ابن أبي ليلى ، وزيد بن ثابت وعلي من الصحابة ، وبه قال أصحابه إلا ابن الماجشون فإنه قال : لا ينوي في غير المدخول بها وتكون ثلاثا ، فهذا هو أحد الأقوال في هذه المسألة .

والقول الثاني : أنه إن نوى بذلك ثلاثا فهي ثلاث ، وإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة ، وإن نوى يمينا فهو يمين يكفرها ، وإن لم ينو به طلاقا ولا يمينا فليس بشيء ، هي كذبة ، وقال بهذا القول الثوري .

والقول الثالث : أنه يكون أيضا ما نوى بها ، وإن نوى واحدة فواحدة ، أو ثلاثا فثلاث ، وإن لم ينو شيئا فهو يمين يكفرها ، وهذا القول قاله الأوزاعي .

والقول الرابع : أن ينوي فيها في الموضعين : في إرادة الطلاق وفي عدده ، فما نوى كان ما نوى ، فإن نوى واحدة كان رجعيا ، وإن أراد تحريمها بغير طلاق فعليه كفارة يمين ، وهو قول الشافعي .

والقول الخامس : أنه ينوي أيضا في الطلاق وفي العدد ، فإن نوى واحدة كانت بائنة ، فإن لم ينو طلاقا كان يمينا ، وهو مول ، فإن نوى الكذب فليس بشيء ، وهذا القول قاله أبو حنيفة وأصحابه .

والقول السادس : إنها يمين يكفرها ما يكفر اليمين ، إلا أن بعض هؤلاء قال : يمين مغلظة ، وهو قول عمر وابن مسعود ، وابن عباس وجماعة من التابعين . وقال ابن عباس وقد سئل عنها : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " خرجه البخاري ومسلم . ذهب إلى الاحتجاج بقوله تعالى : ( ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) الآية .

والقول السابع : أن تحريم المرأة كتحريم الماء ، وليس فيه كفارة ولا طلاق لقوله تعالى : ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) وهو قول مسروق والأجدع ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن والشعبي وغيرهم . ومن قال فيها إنها غير مغلظة : بعضهم أوجب فيها الواجب في الظهار ، وبعضهم أوجب فيها عتق رقبة .

وسبب الاختلاف : هل هو يمين أو كناية ؟ أو ليس بيمين ولا كناية ؟ فهذه أصول ما يقع من الاختلاف في ألفاظ الطلاق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث