الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( والكفاءة في زوج شرط للزوم النكاح لا لصحته ) هذا المذهب عند أكثر المتأخرين قال في المقنع والشرح وهي أصح وهذا قول أكثر أهل العلم لأنه صلى الله عليه وسلم { أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد مولاه فنكحها بأمره } متفق عليه .

روت عائشة " أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عقبة وهو مولى لامرأة من الأنصار رواه البخاري وأبو داود والنسائي وعن أبي حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه قالت " رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال رواه الدارقطني فعلى هذا ( يصح النكاح مع فقدها ) أي فقد الكفاءة ( فهي حق للمرأة والأولياء كلهم ) القريب والبعيد ( حتى من يحدث منهم ) بعد العقد لتساويهم في لحوق العار بفقد الكفاءة .

( فلو زوجت المرأة بغير كفء فلمن لم يرض ) بالنكاح ( الفسخ من المرأة والأولياء جميعهم ) بيان لمن لم يرض ( فورا وتراخيا ) لأنه خيار لنقص في المعقود عليه أشبه خيار البيع ( ويملكه الأبعد ) من الأولياء ( مع رضا الأقرب ) منهم به .

( و ) مع رضا ( الزوجة ) دفعا لما يلحقه من لحوق العار ( فلو زوج الأب ) بنته ( بغير كفء برضاها فللإخوة الفسخ نصا ) لأن العار في تزويج من ليس بكفء عليهم أجمعين .

( ولو زالت الكفاءة بعد العقد فلها ) أي الزوجة ( الفسخ فقط ) دون أوليائها كعتقها تحت عبد ولأن حق الأولياء في ابتداء العقد لا في استدامته ( والكفاءة ) لغة المماثلة والمساواة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم { المسلمون تتكافأ دماؤهم } أي : تتساوى فيكون دم الوضيع منهم كدم الرفيع وهي هنا ( مفسرة في خمسة أشياء الدين فلا يكون الفاجر والفاسق كفئا لعفيفة عدل ) لأنه مردود الشهادة والرواية وذلك نقص في إنسانيته فلا يكون كفئا لعدل يؤيده قوله تعالى { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } .

الثاني : المنصب وهو النسب فلا يكون العجمي وهو من ليس من العرب كفئا لعربية لقول عمر " لأمنعن أن تزوج ذات الأحساب إلا من الأكفاء " رواه الخلال والدارقطني ولأن العرب يعتدون الكفاءة في النسب ويأنفون من نكاح الموالي ويرون ذلك نقصا وعارا ويؤيده حديث :

{ إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى من كنانة قريشا واصطفى [ ص: 68 ] من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم } ولأن العرب فضلت الأمم برسول الله صلى الله عليه وسلم ( الثالث الحرية فلا يكون العبد ولا المبعض كفئا لحرة ولو ) كانت ( عتيقة ) لأنه منقوص بالرق ممنوع من التصرف في كسبه غير مالك له ولأن ملك السيد لرقبته يشبه ملك البهيمة فلا يساوي الحرة لذلك والعتيق كله كفء للحرة .

( الرابع الصناعة فلا يكون صاحب صناعة دنيئة كالحجام والحائك والكساح والزبال والفقاط كفئا لبنت من هو صاحب صناعة جليلة كالتاجر والبزاز ) أي الذي يتجر في البز وهو القماش .

( والثاني صاحب العقار ونحو ذلك ) لأن ذلك نقص في عرف الناس فأشبه نقص العيب وروي في حديث { العرب بعضهم لبعض أكفاء إلا حائكا أو حجاما } قيل لأحمد كيف تأخذ به وأنت تضعفه قال : العمل عليه يعني أنه موافق لأهل العرف .

( الخامس اليسار بمال بحسب ما يجب لها من المهر والنفقة ) و ( قال ابن عقيل بحيث لا تتغير عليها عادتها عند أبيها في بيته فلا يكون المعسر كفئا لموسرة ) لأن على الموسرة ضررا في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده ولهذا ملكت الفسخ بإعساره بالنفقة ولأن ذلك نقص في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب .

( فائدة ) ولد الزنا قد قيل إنه كفء لذات نسب وعن أحمد أنه ذكر له أن ينكح إليه فكأنه لم يحب ذلك لأن المرأة تتضرر به هي وأولياؤها ويتعدى ذلك إلى ولدها وليس هو كفئا للعربية بغير إشكال فيه لأنه أدنى حالا من الموالي قاله في الشرح ( وليس مولى القوم كفئا لهم ) نقل الميموني مولى القوم من أنفسهم في الصدقة ولم يكن عنده هذا هكذا في التزويج ونقل مهنا أنه كفؤ لهم ذكرهما في الخلاف .

( ويحرم ) على ولي المرأة ( تزويجها بغير كفء بغير رضاها ) لأنه إضرار بها وإدخال للعار عليها ( ويفسق به ) أي : بتزويجها بغير كفء بلا رضاها ( الولي ) .

قلت إن تعمده ( ويسقط خيارها ) أي المرأة إذا زوجت بغير كفء ( بما يدل ) منها ( على الرضا من قول أو فعل ) بأن مكنته من نفسها عالمة به ( وأما الأولياء فلا يثبت رضاهم إلا بالقول ) بأن يقولوا أسقطنا الكفاءة أو رضينا به غير كفء ونحوه .

وأما سكوتهم فليس برضا ( ولا تعتبر هذه الصفات ) وهي الدين والمنصب والحرية والصناعة غير الذرية واليسار ( في المرأة ) لأن الولد يشرف بشرف أبيه لا بشرف أمه ( فليست الكفاءة شرطا في حقها للرجل ) وقد تزوج صلى الله عليه وسلم بصفية بنت حيي وتسرى بالإماء .

( والعرب من قرشي وغيره بعضهم لبعض أكفاء ) لأن الأسود بن المقداد الكندي تزوج [ ص: 69 ] ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب وزوج أبو بكر أخته الأشعث بن قيس الكندي وزوج علي ابنته أم كلثوم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( وسائر الناس أي باقيهم بعد العرب بعضهم لبعض أكفاء ) لظاهر الخبر السابق انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث