الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الكلام على مباني المتصوفة وأنه أربعة أركان

قال الشيخ رحمه الله : فمباني المتصوفة المتحققة في حقائقهم على أركان أربعة : معرفة الله تعالى ، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله ، ومعرفة النفوس وشرورها ودواعيها ، ومعرفة وساوس العدو ومكائده ومضاله ، ومعرفة الدنيا وغرورها وتفنينها وتلوينها ، وكيف الاحتراز منها والتجافي عنها ، ثم ألزموا أنفسهم بعد توطئة هذه الأبنية دوام المجاهدة ، وشدة المكابدة وحفظ الأوقات ، واغتنام الطاعات ، ومفارقة الراحات ، والتلذذ بما أيدوا به من المطالعات ، وصيانة ما خصوا به من الكرامات ، لا عن المعاملات انقطعوا ، ولا إلى التأويلات ركنوا ، رغبوا عن العلائق ، ورفضوا العوائق ، وجعلوا الهموم هما واحدا ، ومزايلة الأعراض طارفا وتالدا . اقتدوا بالمهاجرين والأنصار ، وفارقوا العروض والعقار ، وآثروا البذل والإيثار ، وهربوا بدينهم إلى الجبال والقفار ، احترازا من موامقة الأبصار ، أن يومى إليها بالأصابع ، ويشار لما أنسوا به من التحف والأنوار ، فهم الأتقياء الأخفياء والغرباء النجباء ، صحت عقيدتهم فسلمت سريرتهم .

حدثنا أبو بكر بن خلاد ، ثنا الحارث بن أبي أسامة ، ثنا محمد بن عمر الواقدي ، ثنا بكير بن مسمار ، عن عامر [ ص: 25 ] بن سعد بن أبي وقاص ، سمعه يخبر عن أبيه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي " .

حدثنا أبو بكر بن مالك ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ثنا سفيان بن وكيع ، ثنا عبد الله بن رجاء ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء له " . قيل : ومن الغرباء ؟ قال : " الفرارون بدينهم ، يبعثهم الله يوم القيامة مع عيسى ابن مريم عليهما السلام " .

حدثنا أبو غانم سهل بن إسماعيل الفقيه الواسطي ، ثنا عبد الله بن الحسن ، ثنا إسحاق بن وهب ، ثنا عبد الملك بن يزيد ، ثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : إذا أحب الله عبدا اقتناه لنفسه ولم يشغله بزوجة ولا ولد ، وقال ابن مسعود : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه ، إلا رجل يفر بدينه من قرية إلى قرية ، ومن شاهق إلى شاهق ، ومن جحر إلى جحر " .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا عباس بن الفضل ، ثنا عبد الله بن محمد بن عائشة ، قال : ثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي ، عن ليث ، عن عبيد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن من أغبط أوليائي عندي مؤمنا خفيف الحاذ ، ذا حظ من صلاة وصيام ، أحسن عبادة ربه ، وأطاعه في سره ، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع ، وكانت معيشته كفافا وصبر على ذلك ، فعجلت منيته ، وقلت بواكيه ، وقل تراثه " .

قال الشيخ رحمه الله : لهم الأحوال الشريفة ، والأخلاق اللطيفة ، مقامهم منيف ، وسؤالهم ظريف .

حدثنا سليمان بن أحمد ، ثنا إبراهيم بن أحمد بن برة الصنعاني ، ثنا هشام بن إبراهيم أبو الوليد المخزومي ، ثنا موسى بن جعفر بن أبي كثير ، عن عبد القدوس بن حبيب ، عن مجاهد ، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له : " يا غلام ، ألا أحبوك ؟ ألا أنحلك ؟ ألا أعطيك ؟ " قال : قلت : بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، قال : [ ص: 26 ] فظننت أنه سيقطع لي قطعة مال . فقال : " أربع تصليهن في كل يوم وليلة فتقرأ أم القرآن وسورة ، ثم تقول : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، خمس عشرة مرة ، ثم تركع فتقولها عشرا ، ثم ترفع فتقولها عشرا ، ثم تفعل في صلاتك كلها مثل ذلك ، فإذا فرغت قلت بعد التشهد وقبل التسليم : اللهم إني أسألك توفيق أهل الهدى ، وأعمال أهل اليقين ، ومناصحة أهل التوبة ، وعزم أهل الصبر ، وجد أهل الخشية ، وطلبة أهل الرغبة ، وتعبد أهل الورع ، وعرفان أهل العلم ، حتى أخافك ، اللهم إني أسألك مخافة تحجزني عن معاصيك ، وحتى أعمل بطاعتك عملا أستحق به رضاك ، وحتى أناصحك في التوبة خوفا منك . وحتى أخلص لك النصيحة حبا لك ، وحتى أتوكل عليك في الأمور حسن الظن بك ، سبحان خالق النور . فإذا فعلت ذلك يا ابن عباس غفر الله لك ذنوبك صغيرها وكبيرها ، قديمها وحديثها ، سرها وعلانيتها ، وعمدها وخطأها " .

قال الشيخ رحمه الله : هم السفراء إلى الخلق ، والأسراء لدى الحق ، أزعجهم الفرق ، وهيمهم القلق .

حدثنا العباس بن محمد الكناني ، ثنا أبو الحريش الكلابي ، ثنا علي بن يزيد بن بهرام ، ثنا عبد الملك بن أبي كريمة ، عن أبي حاجب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ بن جبل ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " يا معاذ ، إن المؤمن لدى الحق أسير ، يعلم أن عليه رقيبا ، على سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وبطنه وفرجه ، حتى اللمحة ببصره وفتات الطين بأصبعه وكحل عينيه وجميع سعيه ، إن المؤمن لا يأمن قلبه ولا يسكن روعته ولا يأمن اضطرابه ، يتوقع الموت صباحا ومساء ، فالتقوى رقيبه ، والقرآن دليله ، والخوف حجته ، والشرف مطيته ، والحذر قرينه ، والوجل شعاره ، والصلاة كهفه ، والصيام جنته ، والصدقة فكاكه ، والصدق وزيره ، والحياء أميره ، وربه تعالى من وراء ذلك كله بالمرصاد . يا معاذ ، إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من هوى نفسه وشهواته ، وحال بينه وبين أن [ ص: 27 ] يهلك فيما يهوى بإذن الله . يا معاذ : إني أحب لك ما أحب لنفسي ، وأنهيت إليك ما أنهى إلي جبريل - عليه السلام - فلا أعرفنك توافيني يوم القيامة وأحد أسعد بما آتاك الله عز وجل منك " .

حدثنا أبو عمرو بن حمدان ، ثنا الحسين بن سفيان ، ثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم ، ثنا الحسين بن محمد ، عن أبي عبد الله القشيري ، عن أبي حاجب ، عن عبد الرحمن ، عن معاذ ، وعن غالب بن شهر ، عن معاذ ، وعن مكحول ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ بلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - : " يا معاذ " فذكر نحوه .

قال الشيخ رحمه الله : حبهم للحق ، وفي الحق يحييهم ويفنيهم ، وعمن سواه من الخلق يلهيهم ويسليهم .

حدثنا عبد الله بن جعفر ، ثنا يونس بن حبيب ، ثنا أبو داود ، ثنا شعبة ، أخبرني قتادة ، قال : سمعت أنس بن مالك يحدث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ، من يكن الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يقذف الرجل في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه ، وأن يحب الرجل العبد لا يحبه إلا لله - أو قال في الله عز وجل " . شك أبو داود .

ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : حدثني أبي ، ثنا عبد الوهاب ، ثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله تعالى ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله عز وجل ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله عز وجل منه كما يكره أن توقد له نار فيقذف فيها " .

قال الشيخ رحمه الله : فقد ثبت بما روينا من حديث معاذ بن جبل وغيره : أن التصوف أحوال قاهرة ، وأخلاق طاهرة ، تقهرهم الأحوال فتأسرهم ، ويستعملون الأخلاق فتظهرهم ، تحلوا بخالص الخدمة ، فكفوا طوارق الحيرة ، وعصموا من الانقطاع والفترة ، ولا يأنسون إلا به ، ولا يستريحون إلا إليه . فهم أرباب القلوب المتسورون بصائب فراستهم على [ ص: 28 ] الغيوب ، المراقبون للمحبوب ، التاركون للمسلوب ، المحاربون للمحروب ، سلكوا مسلك الصحابة والتابعين ، ومن نحا نحوهم من المتقشفين والمتحققين ، العالمين بالبقاء والفناء ، والمميزين بين الإخلاص والرياء ، والعارفين بالخطرة والهمة والعزيمة والنية ، والمحاسبين للضمائر ، والمحافظين للسرائر ، المخالفين للنفوس ، والمحاذرين من الخنوس بدائم التفكر ، وقائم التذكر ، طلبا للتداني ، وهربا من التواني ، ولا يستهين بحرمتهم إلا مارق ، ولا يدعي أحوالهم إلا مائق ، ولا يعتقد عقيدتهم إلا فائق ، ولا يحن إلى موالاتهم إلا تائق ، فهم سرج الآفاق ، والممدود إلى رؤيتهم بالأعناق ، بهم نقتدي وإياهم نوالي إلى يوم التلاق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث