الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( وإن بان ) الزوج ( عنينا ) أي عاجزا عن الوطء وربما اشتهاه ولا يمكنه ، من عن الشيء إذا اعترض ، لأن ذكره يعن إذا أراد إيلاجه أي يعترض ( لا يمكنه الوطء بإقراره ) متعلق ببان ( أو ببينة على إقراره ) أنه عنين .

قال في المبدع : فإن كان للمدعي بينة من أهل الخبرة والثقة عمل بها ( أو بنكوله ) عن اليمين ( كما يأتي ) أجل سنة هلالية ، ( ولو عبدا منذ ترافعه إلى الحاكم ) فيضرب الحاكم ( له المدة ولا يضربها غيره ) أي غير الحاكم لما روي " أن عمر أجل العنين سنة " وروى ذلك الدارقطني عن ابن مسعود والمغيرة بن شعبة وروي أيضا عن عثمان ولا مخالف لهم ورواه أبو حفص عن علي ولأنه عيب يمنع الوطء فأثبت الخيار ، كالجب في الرجل والرتق في المرأة .

وأما ما روي { أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير وإن ما له مثل هدبة الثوب فقال تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ولم يضرب له مدة } فقال ابن عبد البر قد صح أن ذلك كان بعد طلاقه ، فلا معنى لضرب المدة ( ولا تعتبر عنته إلا بعد بلوغه ) لاحتمال أن يكون عجزه لصغره لا خلقة ( ولا يحتسب عليه منها ) أي السنة ( ما اعتزلته ) المرأة له بالنشوز أو غيره لأن المانع منها .

وإنما تضرب له السنة لأنه قول من سمى من [ ص: 107 ] الصحابة ولأن هذا العجز قد يكون لعنته وقد يكون لمرض فضرب له سنة لتمر به الفصول الأربعة فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة وإن كان من رطوبة زال في فصل اليبس ، وإن كان من برودة زال في فصل الحرارة ، وإن كان من انحراف مزاج زال في فصل الاعتدال فإذا مضت الفصول الأربعة ولم يزل علمنا أنه خلقة ( ولو عزل ) الزوج ( نفسه ) عنها ( أو سافر ) لحاجة ( أو غيرها حسب عليه ) ذلك من المدة لأنه من قبله وكالمولي .

( فإن وطئ ) الزوج ( فيها ) أي في السنة فليس بعنين ( وإلا ) بأن مضت ولم يطأها فيها ( فلها الفسخ ) أي فسخ نكاحها منه لما سبق ( وإن جب أي قطع ذكره قبل الحول ولو ) كان الجب ( بفعلها فلها الخيار من وقتها ) لأنه لا فائدة ، إذ التأجيل والفسخ إذن للجب لا للعنة .

( فإن قال ) الزوج ( قد علمت أني عنين قبل أن أنكحها فإن أقرت ) بذلك ( أو ثبت ) علمها به ( ببينة فلا يؤجل وهي امرأته ) ولا فسخ لها لدخولها على بصيرة ( وإن علمت أنه عنين بعد الدخول فسكتت عن المطالبة ثم طالبت بعد فلها ذلك ) لأنه على التراخي ( ويؤجل سنة من يوم ترافعه ) لا من العقد ولا من الدخول .

( وإن قالت في وقت من الأوقات : رضيت به عنينا لم يكن لها المطالبة بعد ) ذلك بالفسخ لإسقاطها حقها منه ( وإن لم يعترف ) بأنه عنين ولم تكن بينة تشهد باعترافه أو بعنته إن أمكن ولم يدع وطئا حلف على ذلك لقطع دعواها وإنما كان القول قوله لأن الأصل في الرجل السلامة ( فإن نكل ) عن اليمين أجل سنة لما يأتي في القضاء بالنكول .

( فإن اعترفت ) المرأة ( أنه وطئها مرة في القبل ولو ) كان الوطء ( في مرض يضرها فيه الوطء وفي حيض ونحوه ) كنفاس ( أو في إحرام أو هي صائمة وظاهره ولو في الردة بطل كونه عنينا ) لزوال عنته بالوطء ( فإن وطئها في الدبر ) لم تزل العنة لأنه ليس محلا للوطء فيما دون الفرج ولذلك لا يتعلق به إحصان ولا إحلال لمطلقة ثلاثا ( أو ) وطئها ( في نكاح سابق أو وطئ غيرها لم تزل العنة لأنها قد تطرأ ) ولأن حكم كل امرأة يعتبر بنفسها .

والفسخ لزوال الضرر الحاصل بعجزه عن وطئها وهو لا يزول بوطء غيرها ( وإن ادعى ) زوج ( وطء بكر فشهد بعذرتها ) بضم العين أي بكارتها ( امرأة ثقة ) أجل سنة كما لو كانت ثيبا ( والأحوط شهادة امرأتين ) تقيتين ( وإن لم يشهد بها ) أي البكارة ( أحد فالقول قوله ) لأن الأصل السلامة ( وعليها اليمين إن قال ) الزوج ( أزلتها ) أي البكارة [ ص: 108 ] ( وعادت ) لاحتمال صدقه لكنه خلاف الظاهر .

فلذلك كان القول قولها بيمينها ( وإن شهدت ) امرأة ثقة ( بزوالها ) أي البكارة بعد دعواه الوطء ( لم يؤجل ) أي لم يثبت له حكم العنين في تأجيله سنة لبيان كذبها بثبوت زوال بكارتها ( وعليه اليمين إن قالت ) المرأة ( زالت ) البكارة ( بغيره ) أي بغير وطئه لاحتمال صدقها ( وكذا إن أقر بعنته وأجل ) السنة ( وادعى وطأها في المدة ) فقولها إن كانت بكرا وشهدت ثقة ببقاء بكارتها عملا بالظاهر .

( وإن كانت ثيبا وادعى وطأها بعد ثبوت عنته وأنكرته ف ) القول ( قولها ) لأن الأصل عدم الوطء وقد انضم إليه وجود ما يقتضي الفسخ وهو ثبوت العنة ( وإن ادعى الوطء ابتداء مع إنكار العنة وأنكرته ) أي الوطء ( فقوله مع يمينه ) إن كانت ثيبا لأن الأصل السلامة ( فإن نكل ) عن اليمين ( قضي عليه بنكوله ويكفي في زوال العنة تغييب الحشفة أو قدرها من مقطوع ) الحشفة ( مع انتشاره ) ليكون ما يجزئ من المقطوع مثل ما يجزئ من الصحيح .

وكذا يسقط حق امرأة من جب بعض ذكره بتغييب قدر الحشفة مع الانتشار ( وإن ادعت زوجة مجنون عنته ضربت له المدة ) عند ابن عقيل وصوبه في الإنصاف وعند القاضي لا تضرب .

ووجه الأول أن مشروعية ملك الفسخ لدفع الضرر الحاصل بالعجز عن الوطء وذلك يستوي فيه المجنون والعاقل قال في المنتهى : ومجنون ثبتت عنته كعاقل في ضرب المدة ( ويكون القول قولها هنا في عدم الوطء ولو كانت ثيبا ) لأن قول المجنون لا حكم له ( وإن علم أن عجزه ) أي الزوج ( عن الوطء لعارض من صغر أو مرض مرجو الزوال لم تضرب له مدة ) لأنه ليس بعنين وعارضه مرجو الزوال .

( وإن كان ) عجزه عن الوطء ( لكبر أو مرض لا يرجى زواله ضربت له المدة ) كالخلقي لأن عارضه لا يرجى زواله ( وكل موضع حكمنا بوطئه فيه بطل حكم عنته فإن كان ) الحكم بوطئه ( في ابتداء الأمر ) عند الترافع ( لم تضرب له مدة ) لأنه لا عنة مع الوطء .

( وإن كان ) الحكم بوطئه ( بعد ضربها انقطعت ) عنته لأنه لا يمكن زوالها ( وإن كان ) الحكم بوطئه ( بعد انقضائها لم يثبت لها خيار ) الفسخ لزوال موجبه كما لو زال عيب المبيع سريعا ( وكل موضع حكمنا بعدم الوطء فيه حكمنا بعنته كما لو أقر بها ) أي بالعنة لأن عدم الوطء علامتها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث