الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


5226 5546 - حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، عن أيوب، عن محمد، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين". [انظر: 954 - مسلم: 1962 - فتح: 10 \ 3]

التالي السابق


وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: هي سنة ومعروف.

ثم ساق حديث البراء السالف في العيد وفيه: "ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء".

قال مطرف، عن عامر، عن البراء: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "من ذبح بعد الصلاة تم نسكه وأصاب سنة المسلمين".

وحديث أنس قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن يذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين".

[ ص: 565 ] الشرح:

أثر ابن عمر أسنده ابن حزم . لا شك أن الأضحية من الأمور المهمة المطلوبة.

واختلف أهل العلم في وجوبها على قولين:

أحدهما: أنها لا تجب بل هي سنة يثاب فاعلها ومن تركها لا إثم عليه، وهو قول ابن المسيب وعطاء بن أبي رباح وعلقمة والأسود والشافعي وأحمد وأبي يوسف وأبي ثور.

قال ابن التين : وهو المعروف من مذهب مالك، وذكر عنه أبو حامد: الوجوب، قال ابن المنذر: وروينا أخبارا عن الأوائل تدل على أن ذلك ليس بفرض، روينا ذلك عن أبي بكر وعمر وأبي مسعود البدري وسعد وبلال.

وقال الليث وربيعة: لا نرى أن يترك الموسر المالك لأمر الضحية الضحية .

وقال مالك: لا يتركها فإن تركها بئس ما صنع إلا أن يكون له عذر.

وذكر ابن حبيب وغيره أنه قال: هي سنة لا رخصة لأحد في تركها، وعنه إن وجد الفقير من يسلفه ثمنها فليستسلف.

[ ص: 566 ] وفي "المدونة": من اشترى أضحية ثم حبسها حتى ذهب أيام الذبح أنه آثم إذ لم يضح بها، وقال الثوري: لا بأس حية بتركها.

وقد روي عن الصحابة ما يدل أنها ليست بواجبة.

ذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن أبي سريحة قال: رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان .

وعن ابن عمر: من شاء ضحى ومن شاء لم يضح .

وقد ذكر البخاري فيما مضى أنها سنة ومعروف.

وروى الثوري، عن أبي معشر مولى لابن عباس قال: أرسلني ابن عباس أشتري له لحما بدرهم وقال: قل هذه أضحية ابن عباس. وقال النخعي: قال علقمة: لأن لا أضحي أحب إلي من أن أراه حتما علي .

والقول الثاني: أنها واجبة وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وعن النخعي أنها واجبة على أهل الأمصار ما خلا الحاج، وقال محمد: هي واجبة على كل مقيم في الأمصار إذا كان موسرا، قال أبو بكر: لا تجب فرضا; لأن الله لم يوجبها ولا الرسول ولا أجمع أهل العلم على (وجوبها) .

والدليل على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره" الحديث ، فلو كان واجبا لم يجعل ذلك إلى إرادة المضحي. أي: الذي يراه أبو حنيفة وأصحابه أنها تجب على

[ ص: 567 ] الحر المقيم المسلم الموسر، وذهب أبو يوسف إلى عدم وجوبها وقال هو ومحمد: هي سنة غير مرخص فيها لمن وجد السبيل إليها.

قال الطحاوي: وبه نأخذ، وليس في الآثار ما يدل على أن وجوبها وجوب فرض، ولكن يدل على تأكيدها وأن الإباحة في تركها، وعبارة ابن حزم عن أبي حنيفة أنها فرض وعلى المرء أن يضحي عن زوجته.

قال ابن حزم: وممن روينا عنه إيجابها مجاهد ومكحول، وعن الشعبي: لم يكونوا يرخصون في تركها إلا لحاج أو مسافر وروي عن أبي هريرة: ولا يصح .

احتج من لم يوجب بحديث الباب "أول ما نبدأ .. " إلى أن قال: "فقد أصاب سنتنا" وما كان سنة فليس بواجب اللهم إلا أن يراد بالسنة الطريقة فيدخل الواجب كما في لفظ الدين.

واحتج من أوجب بحديث الباب أيضا: "ولن تجزي عن أحد بعدك".

قال الطحاوي: فإن قيل كان أوجبها فأتلفها فلذلك أوجب عليه إعادتها، قيل له: لو أراد هذا ليعرف قيمة المتلف ليأمره بمثلها فلما لم يتعرف ذلك دل أنه لم يقصد إلى ما ذكرت.

وقال مرة: قوله: ("لن تجزي (جذعة) عن أحد بعدك") ولا يكون الإجزاء إلا عن واجب، وهي حجة صحيحة إذ لو كانت إنما وجبت عليه بإيجابه إياها على نفسه واستهلاكه بما يذبحه إياها قبل أوان ذبحها.

[ ص: 568 ] قلت: الاستدلال به عجب، فإنه لما أوقع أضحيته على غير الوجه المشروع بين له الوجه المشروع بقوله: اذبح مكانها أخرى إن أردت السنة، ولن تجزي عن أحد بعدك في القيام بالسنة، يوضحه أنك تقول في السنة إذا وقعت بشرطها أجزأت عنك وإذا أفسدتها لم تجز عنك.

وأما ابن حزم فقال: احتج أبو حنيفة بأشياء منها: خبر مخنف بن سليم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال بعرفة: "إن على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة" .

ومنها حديث يحيى بن زرارة بن كريم بن الحارث، حدثني أبي، عن جده أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع: "في الغنم أضحيتها" .

ومنها حديث أم بلال الأسلمية رفعته: "ضحوا بالجذع من الضأن" .

ومنها حديث ابن عباس مرفوعا: "أمرت بالأضحى ولم تكتب" .

[ ص: 569 ] ومنها حديث معاذ: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر أن يضحى ويأمر أن يطعم منها الجار والسائل. ومنها حديث الربيع عن الحسن أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالأضحى.

ومنها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا: "من وجد سعة فليضح" .

ومنها حديثه أيضا مرفوعا: "من وجد سعة فلم يضح فلا يقرب مصلانا" .

قال ابن حزم: وكل هذا ليس بشيء. أما حديث مخنف فقد تقدم تضعيفه، وأما حديث الحارث فهو عن يحيى بن زرارة، عن أبيه وكلاهما مجهول لا يدرى.

قلت: يحيى روى عنه جماعة منهم: ابن المبارك، وذكره ابن حبان في "ثقاته" وأبوه روى عنه أيضا عتبة بن عبد الملك، وذكره ابن حبان في "ثقاته" وقال: من زعم أن له صحبة فقد وهم ، وأما ابن الجوزي فقال: له رؤية، وكذا قال أبو نعيم ، وذكره ابن منده فيهم .

[ ص: 570 ] وأما حديث أم بلال ففيه أم محمد وابن أنعم وكلاهما في غاية السقوط.

قلت: ابن أنعم ثقة وثقه القطان وغيره.

وأما حديث أبي هريرة فكلا طريقيه برواية عبد الله بن عياش، وليس معروفا بالثقة.

قلت: هو من رجال مسلم، وقال أبو حاتم: صدوق ، فسقط كل ما موهوا به في ذلك .

قال الطحاوي في كتاب الصيد: نظرنا، هل خولف زيد بن حباب في هذا الحديث، فعند وقوفنا على أن أحدا لم يرفعه ممن روى عن عبد الله بن عياش غير ابن الحباب، فوجدنا عبيد الله بن أبي جعفر لم يتجاوز به أبا هريرة وهو في الجلالة والضبط فوق ابن عياش .

قلت: لكن الدارقطني أخرجه من حديث أحمد بن أخي بن وهب وفيه مقال عن عمه، ثنا ابن عياش، عن عيسى بن عبد الرحمن بن فروة الأنصاري، عن الزهري [عن سعيد بن المسيب] عن أبي هريرة ، ومن حديث ابن علاثة، عن عبيد الله بن أبي [جعفر] ، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعا .

[ ص: 571 ] وروى أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب "الضحايا" من حديث سلمة بن جنادة عن سنان بن سلمة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "الله أحق بالقضاء والوفاء اشترها جذعة سمينة فضح بها"، وفي لفظ: "فانسك بها".

ومن حديث أبي الحسناء، عن الحكم، عن حنش، عن علي قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أضحي بكبشين .

ومن حديث محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: يأيها الناس ضحوا وطيبوا بها نفسا .

ومن حديث الحجاج بن أرطاة، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه - صلى الله عليه وسلم - أقام عشر سنين لا يترك الأضحى. وفي لفظ: بالجزور أحيانا وبالكبش إذا لم يجد جزورا .

وللدارقطني بسند ضعيف عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: يا رسول الله أستدين وأضحي؟ قال: "نعم فإنه دين مقضي" ولابن ماجه بسند ضعيف عن محمد بن سيرين قال: سألت ابن عمر عن الضحايا

[ ص: 572 ] أواجبة قال: ضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون من بعده وجرت السنة
.

وأخرجه الترمذي من حديث جبلة بن سحيم (سألت) ابن عمر عن الأضحية أواجبة هي؟ فقال: ضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضحى المسلمون، أعاد عليه السؤال فقال: أتعقل؟ ضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

ولابن ماجه بإسناد جيد عن أبي زيد أنه - صلى الله عليه وسلم - مر بدار من دور الأنصار فوجد ريح قتار فقال: "من هذا الذي ذبح" فخرج رجل فقال: أنا يا رسول الله قال: فأمره أن يعيد، فقال: لا والله ما عندي إلا جذع أو حمل قال: "اذبح ولن تجزي عن أحد بعدك" .

ولمالك في "الموطأ" بإسناد صحيح متصل أن عويمر بن أشقر ذبح أضحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى، وأنه ذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمره أن يعيد ضحية أخرى .

ولابن وهب في "مسنده"، حدثنا يحيى بن عبد الله العامري، عن أبي عبد الرحمن الجبلي أن عبد الله بن عمرو بن العاصي أخبره أن رجلا جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أبي ذبح قبل أن نصلي، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "بل لا نسك صل ثم اذبح" قال: وأنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نحر فأمر عليه السلام من كان قد نحر أن يعيد نحرا آخر ولا ينحره حتى ينحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

[ ص: 573 ] وفي مسلم عن جندب بن عبد الله نحوه ، وفي القرآن سماها: نسكا، قال الله تعالى: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت [الأنعام: 162، 163] قالوا: فاقتضى الأمر الوجوب.

وفي الدارقطني: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند التضحية: إن صلاتي ونسكي الآية .

وكذا حكي عن علي، وقال أيضا: "إن أول نسكنا في يومنا هذا" فدل على أن النسك أريد به الأضحية وأخبر أنه مأمور بذلك والأمر يقتضي الوجوب.

وقال تعالى: فصل لربك وانحر [الكوثر: 2] قالوا: أراد بالصلاة: صلاة العيد، وبالنحر: الأضحية، وإذا أوجب عليه فهو واجب علينا، قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [الأحزاب: 21] وتأويله على نحر البدن أولى من تأويله بوضع اليمين على الشمال تحت النحر.

فصل:

واستدل من قال بعدم الوجوب مع ما سبق بحديث ابن عباس رضي الله عنهما رفعه: "كتب علي النحر ولم يكتب عليكم، وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها" أخرجه أبو يعلى الموصلي عن إسماعيل بن [ ص: 574 ] موسى، حدثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، عنه به .

وأخرجه أبو الشيخ من حديث [أبي جناب] ، عن عكرمة عنه مرفوعا: "ثلاث هن علي فرائض وهن لكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى" .

وأخرجه الدارقطني من حديث جابر، عن عكرمة عنه مرفوعا: "أمرت بالنحر وليس بواجب" .

وأخرجه أبو الشيخ أيضا من حديث الحسن بن شبيب، ثنا أبو يوسف، عن عبد الله بن محرز، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت بالوتر والأضحى ولم يفرضا علي".

قلت: وكلها معلولة، ومن حديث شريك عن جابر، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: لم يكتب علينا الأضحى من شاء ضحى، ومن حديث عيسى (بن هلال) ، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: "إن الله تعالى أمرني بيوم الأضحى عيدا للمسلمين" فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن لم أجد إلا ذبيحة أهلي أما أضحي بها؟ قال: "لا ولكن

[ ص: 575 ] تأخذ من شعرك وتقلم أظفارك وتقص شاربك وتحلق عانتك فذاك تمام أضحيتك عند الله"
.

وعن أبي مسعود البدري قال: لقد هممت أن أدع الأضحية وإني لمن أيسركم مخافة أن تحدثني نفسي بخلاف السنة .

وعن أبي سريحة حذيفة بن أسيد قال: حملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت من السنة، كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين، والآن يبخلنا جيراننا .

وفي رواية لابن حزم: ولقد رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان كراهة أن يقتدى بهما.

قال ابن حزم: وروينا من طريق سعيد بن منصور، ثنا أبو الأحوص، أنا عمران بن مسلم الجعفي، عن سويد بن غفلة قال: قال لي بلال: ما كنت أبالي لو ضحيت بديك، ولأن آخذ ثمن الأضحية فأتصدق به على مسكين أحب إلي من أن أضحي .

ومن طريق حماد بن سلمة، عن عقيل بن طلحة، عن زياد بن عبد الرحمن، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: الأضحية سنة.

ومن طريق شعبة عن تميم بن حويص الأزدي قال: ضلت أضحيتي قبل أن أذبحها، فسألت ابن عباس فقال: لا يضرك.

[ ص: 576 ] هذا كله [صحيح. و] من طريق وكيع، ثنا أبو معشر المديني، عن عبد الله بن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه أعطى مولى له درهمين، وقال: اشتر بهما لحما ومن لقيك فقل: هذه أضحية ابن عباس.

قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أن الأضحية واجبة، وصح أنها ليست واجبة عن سعيد بن المسيب والشعبي، وأنه قال: لأن أتصدق بثلاثة دراهم أحب إلي من أن أضحي، وعن سعيد بن جبير وعطاء والحسن وطاوس وأبي الشعثاء.

وروي أيضا عن علقمة وهو قول الثوري وعبيد بن الحسن وإسحاق بن إبراهيم وأبي سليمان .

فصل:

اختلفوا في تفضيل الصدقة على الأضحية فقال ربيعة وأبو الزناد والكوفيون: الضحية أفضل.

وروي عن طاوس مثله.

وروي عن بلال أنه قال: ما أبالي أن لا أضحي إلا بديك ولكن أضعه في في يتيم قد ترب أحب إلي أن أضحي به.

وقال الشعبي: الصدقة أفضل (وقد سلف) ، وهو قول مالك وأبي ثور، ذكره ابن المنذر، والمعروف من مذهب مالك عند أصحابه كما قال ابن بطال : إنها أفضل من الصدقة .

[ ص: 577 ] وروى ابن وهب عن مالك: أن الصدقة ثمنها أحب إلى الحاج من أن يضحي، فهذا يدل أن الضحية عنده لغير الحاج أفضل من الصدقة، قلت: لأن سنته عنده الهدي كما سيأتي، وقال ابن حبيب: هي أفضل من العتق ومن عظم الصدقة لا إحياء السنة أفضل من التطوع.

وقال ربيعة: هي أفضل من صدقة بسبعين دينارا.

وقال غيره: ولم يحفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ترك الأضحى طول عمره، وندب أمته إليه فلا ينبغي لموسر تركها.

وإنما قال: إن الصدقة ثمنها أفضل للحاج بمنى من أصل أنه لا يرى على الحاج أضحية.

فصل:

قوله في الحديث: ("إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر").

قال الداودي: الأحاديث كلها من ذبح قبل أن يصلي لم يجزئه ولم يعتبر بالأيام، وكأنه لم يبلغه حديث جابر: صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نحر، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أخرجه مسلم .

وفي "الموطأ": أن أبا بردة ذبح أضحيته قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزعم أنه - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يعيد أخرى .

ومذهب أبي حنيفة: أن من ذبح بعد الصلاة قبل الإمام أجزأه.

[ ص: 578 ] وعندنا لا يتوقف على ذبحه، بل إذا مضى مقدار خطبتين وركعتين خفيفات دخل وقته.

وحكى ابن التين عن الشافعي اعتبار صلاتين تامتين، قال: وحكي عنه ركعتين وخطبتين، وعن غيره: الصلاة والخطبة الأولى.

وقوله: ("ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء") ظاهره أنه غير نسك وأنه لا يجوز بيعه، وفي لفظ: "من نسك قبل الصلاة فلا نسك له" واستدل به القابسي على أن من ذبح قبلها لا تباع; لأنه سماه نسيكة.

وقوله: (إن عندي جذعة)، يريد من الماعز كما بينه بعد.

وقال مالك في "المدونة": أرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجذع من الضأن .

قال أبو عبد الملك: إنما أراد هذا الحديث; لأنه لا يوجد له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخصة في الجذع من الضأن سواه، قاله الداودي: وقال في موضع آخر: عندي عناق. وهي: التي استحقت أن تحمل دون الثنية سواء بنت سنة أو نحوها.

وقوله: ("ولن تجزي عن أحد بعدك") هو بفتح التاء أي: تقضي.

قال الخطابي: يقال: جزى وأجزى مثل وفى وأوفى، وأجزأ يجزئ مهموزا إذا كفاه الشيء وقام فيه مقامه ، وليس هو هنا مهموز إلا أن الهمز لا يستعمل معه (عن) عند الضرر، إنما يقولون: هذا مجزي من هذا.

[ ص: 579 ] وفي "الصحاح" جزى بمعنى قضى، وبنو تميم يقولون أجزأ [مهموز] .

فصل:

شرط إجزاء الإبل عندنا أن يطعن في السنة السادسة، والبقر والماعز في الثالثة، والغنم في الثانية وتجذع قبلها.

وقال ابن حزم: لا يجزئ في الأضاحي جذع ولا جذعة لا من الضأن ولا من غيره، ويجزئ ما فوق الجذع، والجذع من الضأن والماعز والظباء والبقر ما أتم عاما كاملا ودخل في الثانية من أعوامه فلا يزال جذعا حتى تتم عامين، ويدخل في الثالثة فيكون ثنيا من حينئذ، كذا قال في الضأن والمعز الكسائي والأصمعي وأبو عبيد، وهؤلاء عدول أهل العلم واللغة.

قاله ابن قتيبة -وهو ثقة في علمه ودينه- وقاله العدبس الكلابي وأبو فقعس الأسدي وهما ثقتان في اللغة، وقال ذلك في البقر والظباء أيضا أبو فقعس، ولا نعلم له مخالفا من أهل العلم باللغة، والجذع من الإبل ما استكمل أربع سنين ودخل في الخامسة فهو جذع إلى أن يدخل في السادسة فيكون ثنيا، قال: هذا مما لا خلاف فيه .

قلت: قد ذكر الأزهري في "تهذيبه" عن ابن الأعرابي: ربما أخذت العناق قبل تمام السنة.

ثم حكى أيضا عن ابن الأعرابي أنه قال: إذا كان الضأن ابن شابين أجذع لستة أشهر إلى سبعة أشهر، وإذا كان ابن هرمين أجذع لثمانية

[ ص: 580 ] أشهر إلى عشرة أشهر، قال الأزهري: فابن الأعرابي فرق بين المعز والضأن في الإجذاع فجعل الضأنين أسرع إجذاعا.

ثم حكى عن ابن الأعرابي أيضا أنه قال: الإجذاع وقت وليس بسن. وذكر أبو حاتم عن الأصمعي: الجذع من الضأن لثمانية أشهر أو تسعة أشهر .

وفي "الموعب" عن أبي زيد: الإجذاع زمن وليس بسن يسقط ولا ينبت، قال الشاعر:


إذا سهيل مغرب الشمس طلع فابن اللبون الحق والحق جذع



وفي "العين": الجمع الجذاع، وجذعان . الفراء: وأجذاع، وجذوع. أبو حاتم: جذعان بكسر الجيم وضمها.

وفي "المحكم": الجذع الصغير السن . وفي "المغيث": الجذع ما تمت له ستة أشهر ودخل في السابع .

وقال أبو حاتم عن الأصمعي: الجذع من الماعز لستة أشهر، ومن الضأن لثمانية أو تسعة.

وقال ابن دريد: الإجذاع ليس بوقوع سن إنما هو وقت . فهذا كما ترى ما فيه من الخلاف. ولله الحمد.

وقال أبو عمر: لا خلاف علمته بين العلماء أن الجذع من الماعز لا يجزئ ضحية ولا هديا، والذي يجزئ فيها الجذع من الضأن فما

[ ص: 581 ] فوقه، والثني من الماعز فما فوقه من الأزواج والجذع من الضأن ابن سبعة أشهر، قيل: إذا دخل فيها، وقيل: إذا أكملها وعلا أن يرقد صوف ظهره بعد قيامه، وثني الماعز إذا تم له سنة ودخل في الثانية.

قال ابن حزم: ومن طريق السبيعي، عن هبيرة بن يريم، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: ضحوا بثني فصاعدا، وكذا قاله ابن عمر.

وفي لفظ: لا تجزئ إلا الثني فصاعدا، وقال حصين بن عبد الرحمن: رأيت هلال بن يساف يضحي بجذع من الضأن فقلت له: أتفعل؟ فقال: رأيت أبا هريرة يضحي بجذع من الضأن.

وقال الحسن: يجزئ ما دون الجذع من الإبل عن واحد في الأضحية; برهان صحة قولنا حديث أبي بردة في الجذعة "ولن تجزئ عن أحد بعدك"، فقطع - صلى الله عليه وسلم - أن لا تجزئ جذعة فلا يحل لأحد تخصيص نوع دون نوع بذلك، ولو أن ما دون الجذعة لا يجزئ لسنه. رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

فإن اعترض معترض متعسف فقال: إن حديث أبي بردة هذا قد رواه منصور بن المعتمر، عن الشعبي، عن البراء فقال فيه: إن عندي عناقا جذعة فهل تجزئ عني؟ قال: "نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك" قلنا: نعم.

والعناق: اسم يقع على الضأنية كما يقع على الماعزة ولا فرق، قالوا: إن مطرف بن طريف رواه عن الشعبي، عن البراء بلفظ:

[ ص: 582 ] يا رسول الله إن عندي داجنا جذعة من الماعز، قال: "اذبحها ولا تصلح لغيرك" قلنا: نعم، ولا خلاف في أن هذا كله خبر واحد في موطن واحد، فرواية من روى: "لا تجزئ عن أحد بعدك" هي الزائدة ما لم يروه من لم يرو هذه اللفظة، وزيادة العدل خبر قائم بنفسه وحكم وارد ولا يسع أحد تركه وإنما يحتج برواية مطرف هذا من لم يمنع الجذع إلا من الماعز فقط، وأما من منع الجذاع كلها ما عدا الضأن فلا حجة له في شيء، هذا الخبر يكن هو الحجة عليه، كما أن هذا الخبر نفسه قد رواه زكريا عن فراس، عن الشعبي، عن البراء أن أبا بردة قال: يا رسول الله إن عندي شاة هي خير من شاتين، قال: "ضح بها فإنها خير نسيكة" فلم يذكر أنها لا تجزئ عن أحد بعدك.

وكذلك روينا من طريق ابن عيينة عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أنس فذكر هذا الخبر وأن ذلك القائل قال: يا رسول الله عندي جذعة هي أحب إلي من شاتي لحم أفأذبحها؟ قال: فرخص له، قال أنس: فلا أدري أبلغت رخصته من سواه أم لا . فلم يجعل المخالفون سكوت زكريا عما زاده غيره من بيان أنه خصوص، ولا سكوت أنس عن ذلك أيضا، ومغيب ذلك عنه حجة في رد الزيادة التي رواها غيرهما فما الذي (جعل هذه) الزيادة واجبا أخذها، وزيادة من زاد لفظ الجذعة لا يجب أخذها إن هذا لتحكم- نعوذ بالله منه.

قال: وقد جاء خبر يمكن أن يشغب به وهو ما روينا من طريق مسلم

[ ص: 583 ] عن أبي بكرة فذكر حديثا فيه: "أليس يوم النحر؟ " قالوا: بلى، وفيه: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جذعة من الغنم فقسمها بيننا ، وليس فيه أنه أعطاهم إياها ليضحوا بها ولا أنهم ضحوا بها، وأيضا فاسم الغنم يقع على الماعز كما يقع على الضأن، فإن كان حجة لهم في إباحة التضحية بالجذاع من الغنم فليس حجة في إباحة التضحية بالجذاع من الماعز، وإن لم يكن حجة في إباحة التضحية بالجذاع من الماعز فليس حجة في إباحة التضحية بالجذاع من الضأن.

والذي قد صح عاما في أن لا تجزئ جذعة عن أحد بعد أبي بردة.

وفي مسلم أيضا عن جابر - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن" وهو حجة على الحاضرين المخالفين; لأنهم يجيزون الجذع من الضأن مع وجود المسنات فقد خالفوه وهم يصححونه، وأما نحن فلا نصححه; لأن أبا الزبير مدلس، ثم لو صح لكان خبر البراء ناسخا له; لأن قوله له: "لا تجزئ جذعة عن أحد بعدك" خبر قاطع ثابت ما دامت الدنيا، ناسخ لكل ما تقدم فلا يجوز نسخه، واحتج من أجاز الجذاع بخبر رويناه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب، عن عقبة بن عامر قال: ضحينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجذاع من الضأن .

[ ص: 584 ] ومن طريق وكيع عن أسامة بن زيد، عن معاذ بن خبيب، عن ابن المسيب، عن عقبة قال: سألت رسول الله عن الجذع من الضأن، فقال: "ضح به" . وبخبر رويناه من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن أبي يحيى، عن أمه، عن أم بلال، قال - صلى الله عليه وسلم -: "ضحوا بالجذع من الضأن" .

ومن طريق الحجاج بن أرطاة، عن ابن النعمان، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين جذعين .

ومن طريق الحجاج أيضا، عن أبي جعفر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ضحى بكبشين جذعين.

ومن طريق وكيع عن عثمان بن واقد، عن كدام بن عبد الرحمن، عن أبي كباش أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "نعم -أو نعمت- الأضحية الجذع من الضأن" .

ومن طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة أن جبريل قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا محمد إن الجذع من الضأن خير من المسن من المعزى" .

[ ص: 585 ] ومن طريق سعيد بن منصور، عن عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن رافع، عن شيخ من أهل حمص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "قال لي جبريل" بمثله.

ومن طريق ابن أبي شيبة عن [ابن] مسهر، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبادة بن أبي الدرداء، عن أبيه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين جذعين .

ومن طريق سليمان بن موسى، عن مكحول أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ضحوا بالجذع من الضأن والماعز".

قال ابن حزم: لا يحتج بهذه الأخبار إلا قليل العلم بوهيها فيعذر، أو قليل الدين يحتج بالأباطيل.

أما حديث عقبة الذي صدرنا به فمن طريق معاذ بن عبد الله وهو مجهول، ورواية ابن وهب له غير مسندة; لأنه ليس فيه أنه - صلى الله عليه وسلم - عرف ذلك وهم لا يجعلون قول أسماء: نحرنا فرسا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكلناه . مسندا، ولا قول جابر: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . مسندا، (ولا قول ابن عباس أن طلاق الثلاث

[ ص: 586 ] كان يرد على عهد رسول الله . مسندا) .

وكلها في غاية الصحة، ويقولون: ليس فيها أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعرف ذلك ثم يجعلون هذا الخبر الساقط الواهي مسندا .

قلت: معاذ هذا ليس مجهولا; لأن جماعة رووا عنه منهم زيد بن أسلم، قال أبو داود: ثقة روى عنه غير واحد، وقال ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "ثقاته" وكذا ابن سعد في "طبقاته" في الثالثة من أهل المدينة، وقال: مات قديما وكان قليل الحديث.

وقال ابن ماكولا: هو أخو عبد الله بن عبد الله بن خبيب [و] مسلم بن عبد الله بن خبيب .

وفي "الجرح والتعديل" عن الدارقطني: ليس بذاك، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة. وقال ابن أبي عاصم في "تاريخه": توفي سنة ثمان عشرة ومائة.

قلت: وله متابعين أيضا عن عقبة أخرجه أبو الشيخ في كتاب "الضحية" من حديث يحيى بن أبي كثير، عن بعجة بن عبد الله، ومن حديث يزيد عن أبي الخير كلاهما عن عقبة.

ومن حديث ابن إسحاق عن بشير بن يسار، عن أبي بردة بن نيار، قلت: يا رسول الله التمست مسنة فلم أجدها، فقال: "التمس جذعا من الضأن" فقال: "ضح به".

[ ص: 587 ] وقوله : ورواية ابن وهب له غير مسندة. عجيب، فإذا قال الصحابي: فعلنا ذلك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا خلاف في رفعه نعم الخلاف في قوله: كنا نفعل كذا أو كنا نقول كذا من غير إضافة إلى زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والصحيح أنه مرفوع مسند فلأن يكون قول عقبة أحرى بكونه مسندا.

ثم قال ابن حزم: والثاني من طريق أسامة بن زيد وهو ضعيف جدا عن مجهول .

قلت: أسامة أخرج له مسلم ووثقه يحيى وأحمد وابن حبان وقال: يخطئ وهو مستقيم الأمر صحيح الكتاب، وكان يحيى بن سعيد يكتب عنه، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن نمير: مدني مشهور، وقال العجلي: ثقة، وقال أبو داود: صالح، وقال يعقوب بن سفيان: هو عند أهل المدينة من أصحابنا ثقة مأمون.

وذكره ابن شاهين والأونبي في "ثقاته"، زاد ابن خلفون: هو حجة في بعض شيوخه وضعيف في بعضهم، ومن تدبر حديثه عرف ذلك، وقال أبو العرب: اختلفوا فيه فقيل ثقة وقيل: غير ثقة.

ثم قال ابن حزم: وأما حديث أم بلال فهو (عن محمد بن أبي يحيى فلا ندري من هو، وأم بلال مجهولة) لا ندري لها صحبة أم لا .

[ ص: 588 ] قلت: قد ذكر هو أن يحيى القطان روى عنه، ومن روى عنه يحيى بن سعيد قبل حديثه; لأنه لا يروي إلا عن ثقة، قاله الفلاس وغيره، وذكر أبو نعيم في "معرفة الصحابة" أن أم بلال هذه روت هذا الحديث عن ابنها هلال عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فتكون على هذا تابعية .

ثم قال ابن حزم: وحديث أبي الدرداء وأبي جعفر كلاهما من حديث ابن أرطاة وهو هالك، وطريق أبي هريرة الأول أسقطها كلها، وفضيحة الدهر أنه عن عثمان بن واقد وهو مجهول عن كدام، ولا ندري من هو عن أبي كباش الذي جلب الكباش الجذعة إلى المدينة فبارت عليه، هكذا نص حديثه فأبو كباش وما أدراك ما أبو كباش ما شاء الله كان، وكذلك خبر الشيخ من أهل حمص وكفاك به، وطريق أبي هريرة الآخر من حديث هشام بن سعد وهو ضعيف، وحديث مكحول مرسل، وحديث أبي الدرداء من طريق ابن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ .

قلت: عثمان بن واقد، هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري، قال ابن أبي حاتم: روى عنه هذيل بن بلال ووكيع وزيد بن حباب، أنا عبد الله بن أحمد فيما كتب إلي قال: سألت أبي عن عثمان بن واقد، فقال: عمري لا أرى به بأسا. وقرئ على العباس بن محمد: سمعت يحيى يقول: عثمان بن واقد ثقة ، وذكره ابن حبان وغيره في "ثقاته"، ولما خرج أبو داود حديثه ضعفه.

[ ص: 589 ] وفي "الجرح والتعديل" عن الدارقطني: لا بأس به، وأما كدام فقد روى عنه أيضا أبو حنيفة مع عثمان فارتفعت عنه جهالة العين.

وقوله في هشام إنه ضعيف قد قال فيه يحيى بن معين: إنه صالح، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ويحتج به . وقال العجلي: جائز الحديث حسنه . وقال أبو زرعة: محله الصدق . ولما خرج الحاكم حديثه مصححا له، قال: قد احتج به مسلم. وقال الساجي: صدوق حدث عن ابن مهدي.

قال ابن حزم: ثم لو صحت هذه الأخبار كلها بالأسانيد التي لا مغمز فيها ما كان لهم في شيء منها حجة; لأن الأضحية كانت مباحة في كل ما كان من الأنعام بلا شك، وقد كان نزل حكمها -بلا شك من أحد- قبل قصة أبي بردة.

(وصح قول أبي بردة) وقوم معه بيقين قبل أن يقول: "لا تجزئ جذعة عن أحد بعدك" فلو صحت هذه الأخبار كلها لكان قوله ذلك ناسخا لها بلا شك.

وذكروا عن بعض السلف إجازة الجذع من الضأن، فذكروا عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليا - رضي الله عنه - قال: يجزئ من الضأن الجذع، وعن حبة العرني عن علي مثله مع رواية جعفر بن محمد أن عليا قال: يجزئ من البدن ومن البقر ومن الماعز الثني فصاعدا، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -: لأن أضحي بجذعة سمينة أحب إلي من أن أضحي بجدي.

[ ص: 590 ] ومن طريق سعيد بن منصور، ثنا خالد بن عبد الله الطحان، عن عبد العزيز بن حكيم سمعت ابن عمر يقول: لأن أضحي بجذعة سمينة تجزئ في الصدقة أحب إلي من أن أضحي بجذع من المعز، مع قوله: لا تجزئ [إلا] الثنية من الإبل والبقر.

وعن أم سلمة: لأن أضحي بجذع من الضأن أحب إلي من أن أضحي بثني من البقر، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: لا بأس بالجذع من الضأن في الضحية.

وعن عمران بن حصين: إني لأضحي بالجذع من الضأن، فهؤلاء ستة من الصحابة، روينا إجازة الجذع من الضأن في الأضحية عن هلال بن يساف وكعب وعطاء وإبراهيم وطاوس وأبي رزين وسويد بن غفلة فهم سبعة من التابعين. وقال إبراهيم: لا يجزئ من الماعز إلا الثني فصاعدا، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي.

ثم قال ابن حزم: كل هؤلاء لا حجة لهم فيه، أما الرواية عن علي فمنقطعة والأخرى واهية، ثم ليس فيها المنع من التضحية بالجذع من الماعز ولا من الإبل والبقر، ثم لو صحت لكنا قد روينا عنه خلافها كما قدمناه، وإذا وجد خلاف من الصحابة فالواجب الرد إلى القرآن والسنة، وأما أثر ابن عمر فلا حجة لهم فيه بل هو عليهم; لأنه ليس في هذه الرواية عنه إلا اختيار الضأن على الماعز فقط، والمنع فيما دون الثني من الإبل والبقر فقط لا من الماعز، وقد روينا عنه قبل خلاف هذا، فهو اختلاف من قوله، وإذا جاء الاختلاف عن الصحابة وجب الرد إلى القرآن والسنة. وأما الرواية عن أم سلمة فإنما فيها

[ ص: 591 ] اختيار الجذع من الضأن وليس فيها المنع من الجذع من غير الضأن، وكذلك سائر من ذكرنا من الصحابة، فكيف ولا حجة في قول أحد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وقد أجاز جماعة من الصحابة والتابعين أن يضحى بالجذع من الماعز وبالجذع من الإبل والبقر وجاءت بذلك آثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليرى من نصح نفسه أنه لا حجة للحنفيين والشافعيين والمالكيين أصلا في إجازتهم الجذع من الضأن ومنعهم من الجذع من الإبل والبقر والماعز، وروينا من طريق ابن أبي شيبة، ثنا محمد بن نمير، ثنا محمد بن إسحاق، عن عمارة -هو: ابن عبد الله بن طعمة- عن ابن المسيب، عن زيد بن خالد الجهني قال: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه ضحايا فأعطاني عتودا من المعز، فقلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنه جذع فقال: "ضح به" .

وعند البخاري عن عقبة بن عامر أنه - صلى الله عليه وسلم - أعطاه غنما يقسمها بين أصحابه فبقي عتود فذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "ضح أنت به" . والعتود: هو الجذع من الماعز بلا خلاف .

قلت: قد قال ابن سيده: العتود: الجدي الذي استكرش، وقيل: هو الذي قد بلغ السفاد .

[ ص: 592 ] وحديث عقبة الذي عزاه للبخاري أهمل منه: فصاب لي جذعة فقلت: يا رسول الله صارت لي جذعة قال: "ضح بها" كذا في أكثر النسخ.

ثم قال ابن حزم: وهذان خبران في غاية الصحة، وقد أجاز التضحية بالجذع من الماعز فيهما اثنان من الصحابة: عقبة بن عامر وزيد بن خالد، وذكرنا قبل عن أم سلمة وابن عمر جواز التضحية بالجذع من المعز، وإن كان غيره خيرا منه، فإن قالوا: هذا منسوخ بخبر البراء، قلنا: خبر البراء لا دليل فيه على تخصيص الجذع من الماعز دون الجذع من الضأن والإبل والبقر بالمنع إلا بدعوى غير صحيحة.

وأما الآثار التي فيها إباحة التضحية بالجذع جملة من كل شيء، فروينا عن عبد الرزاق، عن سفيان بن سعيد، عن عاصم بن كليب، عن أبيه قال: كنا مع رجل من الصحابة يقال له: مجاشع من بني سليم فأمر مناديا ينادي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الجذع يوفي بما يوفي منه الثني" .

ومن طريق أبي الجهم [نا] يوسف بن يعقوب القاضي، ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حبان بن علي، عن عاصم بن كليب، عن أبيه قال: أمر علينا رجل من الصحابة من الأنصار فقال: إني شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النحر فطلبنا المسن فغلت علينا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الجذع يفي بما يفي منه المسن" ثم قال ابن حزم: الخبر الأول في غاية الصحة ورواته كلهم ثقات، والآخر خبر صحيح .

[ ص: 593 ] قلت: حبان تكلموا فيه: ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم.

وروينا من طريق معمر عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن الحصين قال: لأن أضحي بجذع أحب إلي من أن أضحي بهرم، وأحبهن إلي أن أضحي به، وفي خبر ابن عمر عموم الجذع.

ومن طريق وكيع ويحيى بن سعيد القطان، ثنا علي بن المبارك، عن أبي السوية التميمي: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: علي بدنة أتجزئ عني جذعة؟ قال: نعم. وفي رواية وكيع: جذعة من الإبل؟ قال: نعم. ومن طريقه أيضا: ثنا عمر بن ذر: قلت لطاوس: إنا ندخل السوق فنجد الجذع من البقر السمين العظيم فنختار الثني لسنه؟ فقال طاوس: أحبها إلي أسمنها وأعظمها. ومن طريق عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه: يجزئ الثني من المعز، والجذع من الضأن، والجذع من الإبل والبقر، يعني: في الأضاحي. ومن طريق وكيع، ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: يجزئ الجذع عن سبعة. ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء قال: يجزئ من الإبل الجذع فصاعدا.

ومن طريق ابن أبي شيبة، ثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن أنه كان يقول: يضحى بالجذع من الإبل والبقر عن ثلاثة، وما دون الجذع من الإبل عن واحد.

فهذه أسانيد في غاية الصحة عن طاوس وعطاء والحسن في جواز الجذع من الإبل في الأضاحي.

وعن ابن عباس جواز الجذع من الإبل في البدن، فإن قيل: قد روي عن عطاء كراهة ذلك. قلنا: رواه الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط ولا يعارض به ابن جريج إلا جاهل.

[ ص: 594 ] قال: والناسخ لهذا كله قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تجزئ جذعة عن أحد بعدك" ثم إنهم لم يجدوا في النهي عن الجذع من الإبل والبقر خبرا أصلا إلا هذا اللفظ، فمن أين خصوا به جذاع الإبل والبقر دون جذاع الضأن؟ فإن قالوا: قسنا جذاع الإبل والبقر على جذاع المعز. قلنا: وهلا قستموها على جذاع الضأن.

ويقولون أيضا: إن ولدت الأضحية الشاة أو الماعز أو البقرة أو الناقة ضحى بولدها معها، فهذا كما ترى أجازوا في التضحية الصغير جدا، فإن قالوا: إنما هو تبع. قلنا: هذا لا معنى له، إن قالوا: هو بعضها فليس بصحيح هو ذكر وهي أنثى، وإن كان غيرها فهو قولنا ولا فضل في ذلك .

فصل:

قال ابن عبد البر : أجمعوا أن من ذبح قبل الصلاة وكان ساكن مصر من الأمصار أنه لا يجزئه ذبحه ذلك.

واختلفوا في وقت ذبح أهل البادية، فقال مالك: يذبحون إذا ذبح أقرب أئمة أهل القرى إليهم فينحرون بعده، فإن لم يفعلوا وأخطأوا فنحروا قبله أجزأهم.

وقال الشافعي: وقت الذبح وقت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حين حلت الصلاة وقدر خطبتين، وأما صلاة من بعده فليس فيها وقت ، وبه قال أحمد والطبري.

[ ص: 595 ] وقال الحنفيون: من ذبح من أهل السواد بعد طلوع الفجر أجزأه; لأنه ليس عليهم صلاة العيد وهو قول الثوري وإسحاق.

وقال عطاء: يذبح أهل القرى بعد طلوع الشمس، قال ابن عبد البر: ورواية من روى حديث الشعبي عن جابر قصة أبي بردة فقد أخطأ، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري والليث إلى أنه لا يجوز ذبحها قبل الصلاة ويجوز بعدها قبل أن يذبح الإمام; لأنه وغيره فيما يحرم من الذبح ويحل سواء، فإذا حل للإمام حل لغيره ولا معنى لانتظاره، حجتهم حديث الشعبي عن البراء يرفعه: "من نسك قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم" ، وقال داود وعاصم، عن الشعبي، عن البراء يرفعه: "من ذبح قبل الصلاة فليعد" .

وعن أنس وجندب البجلي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله.

ورفع الطحاوي حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر من نحر قبله أن يعيد ضحيته، قال: ورواه حماد بن سلمة عن أبي الزبير فقال: إن رجلا ذبح قبل أن يصلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يذبح أحد قبل الصلاة .

قال ابن عبد البر: ومعروف عند العلماء أن ابن جريج أثبت في أبي

[ ص: 596 ] الزبير
من حماد وأعلم، وليس في الأحاديث عن البراء وغيره إلا النهي عن الذبح قبل الصلاة; ولأنه ليس في نهيه عن الذبح قبلها دليل على أن الذبح بعدها، وقبل الإمام جائز، هذا لو لم يكن نص، كيف والنص ثابت من حديث جابر ومرسل بشير بن يسار أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر من ذبح قبل أن يذبح بالإعادة ولفظه في "سنن أبي قرة": فأمر - صلى الله عليه وسلم - من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر - صلى الله عليه وسلم -. ولأبي الشيخ بإسناد جيد من حديث أبي جحيفة: أن رجلا ذبح قبل أن يصلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "لا تجزئ عنك".



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث