الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النظر الثالث في أحكامها وأصلها

جزء التالي صفحة
السابق

نظائر : قال العبدي : يرجع الإنسان في ماله حالة قيامه دون ثوابه إذا غلط في أربع مسائل : من أثاب من صدقة ظنا منه أنه يلزمه ، والأخذ من طعام الحرب ثم يرده ، والمشتري لرجل جارية ، فيقول : قامت علي بدون ما قد قامت عليه به ثم يظهر له الغلط ، والبائع ثوبا بالعشرة فيعطى أعلى منه في القيمة [ ص: 290 ] غلطا ، واختلف في بائع الجارية مرابحة للعشرة أحد عشر ، وقال : قامت علي بكذا ثم يظهر أنه أكثر فقيل يرجع في الحالين ها هنا .

فرع

قال سئل محمد : الصدقة أفضل أم العتق ؟ فقال : ذلك على قدر سد حاجة المعطى ، وقال : قال مالك : الحج أفضل من الغزو ; لأنه فرض عين فيفضل فرض الكفاية إلا أن يكون خوف ، والحج أفضل من الصدقة إلا أن تكون سنة مجاعة ، والصدقة أفضل من العتق ، قيل له فالصدقة بالدراهم ، أو إطعام الطعام ، قال : كل حسن ، وقد تقدم أول هذا الباب من هذا المعنى وتقريره .

فرع

قال : لا بأس بقبضك العطية من الخليفة ، وأكرهه من الناس بعضهم لبعض ; لأنه مهانة ، وما جعل في السبيل من العلف والطعام لا يأخذ منه إلا أهل الحاجة ، وما جعل في المسجد من الماء فليشرب منه كل أحد ; لأن المقصد به عموم الناس ولا مهانة فيه ، وأكره للمحتاج الخروج للحج أو الغزو ويسأل الناس لقوله تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ، نزلت في هؤلاء ، أي : خير الزاد ما وقاكم السؤال والسرقة ، وليس المراد التقوى المعهودة .

فرع

قال : قال مالك : لا بأس بشراء كسر السؤال ، لقوله في حديث [ ص: 291 ] بريرة : " هو لها صدقة ولنا هدية " .

فرع

قال مالك : إذا وهب شقصا من داره على عوض سمياه أم لا ، لا يؤخذ بالشفعة حتى يثاب لعدم تحقق المعاوضة قبل ذلك ، قال صاحب التنبيهات : له في كتاب الشفعة : إذا سميا الثواب فله الأخذ بالشفعة لكمال صورة البيع ، قال سحنون : هو خلاف لكونها لا تلزم بالقبول كالبيع ، وقيل وفاق ، قال : وهو أظهر ، ومعنى مسألة الشفعة أنه عين الثواب الذي يبذله فقبله الموهوب ; لأنه بيع لم يبق فيه خيار ، وها هنا لم يعين الثواب ، ومعنى سمياه أي : ذكرا لفظ العوض ولم يعيناه ولا نوعه ؛ قاله أبو عمران ، وقيل مسألة الشفعة رضي الموهوب بدفع الثواب ، وها هنا لم يلزمه ، قال عبد الحق : يريد لا يأخذ الشفيع وإن فاتت حتى يقتضي بالقيمة ، قال التونسي : لا يأخذ بالشفعة إلا بعد أن يثيب الموهوب ، فإن أثابه قبل فوتها أكثر من قيمتها لم يأخذ إلا بذلك عند ابن القاسم وأشهب ، فإن أثابه بعد فوات الهبة أكثر من قيمتها قال ابن القاسم : لا يأخذ إلا بذلك ; لأن الناس لا يهبون إلا ليأخذوا أكثر ، وقال أشهب : يأخذ بقيمة الهبة ; لأنها الواجب عند الفوت والزائد حينئذ هبة لا تلزم الشفيع ، قال : ويلزم أشهب هذا قبل الفوت لقدرته على الاقتصار ، إنما يصح قوله على القول بأن له التمسك بهبته بعد دفع القيمة حتى يرضى منها .

فرع

في الكتاب : إذا أخذ السيد الهبة من العبد فهي عليه بقيمتها في ماله [ ص: 292 ] لأن السيد أقرها كالبيع والقيمة كالثمن ، قال ابن يونس : إن لم يقبلها السيد وهي بحالها لم توطأ إن كانت أمة ولا نقصت خير السيد بين ردها ودفع قيمتها يوم الهبة من مال نفسه ، وإن وطئها السيد أو نقصت لزم العبد قيمتها في ماله .

فرع

في الكتاب : للأب أن يهب من مال ابنه الصغير للثواب ، ويعوض عنه ما وهب للثواب ; لأنه تنمية ماله ، قال ابن يونس : فإن وهب من ماله أو تصدق لغير ثواب ، أو في بيع رد ذلك كله ; لأن ماله معصوم ، بخلاف عتقه عبده إن كان مليا مضى العتق وغرم القيمة له ، أو عديما رد لتشوف الشرع لمصلحة العتق .

فرع

في النكت : إذا أعتق العبد ولا مال له رد للواهب ، وإن كان لو بيع في ثمنه فضل عن القيمة ; لأن عسره يصير الهبة قائمة لم تفت .

فرع

قال عبد الملك : إذا وهب لعبده فأعتقه فاتبعته الهبة كماله ثم استحق بحرية أو ملك لم ترجع العطية ، ولو أعتقه قبل العطية ثم أعطاه ثم استحق بحرية أو ملك أخذ العطية ; لأنه ظنه مولى له فأعطاه لذلك ، وقال مطرف : ليس له أخذ ذلك ; لأنه ملك مقرر .

فرع

في التنبيهات : إن استهلك سنين مسماة على أن عليه حرمتها فهو كراء [ ص: 293 ] مجهول ، أو أعطاه رقبتها على أن ينفق عليه ، فهو بيع فاسد ، والغلة للمعطى بالضمان وترد لربها ويتبعه بما أنفق عليه .

فرع

قال الأبهري : إذا تصدق على ولده بعبد فأعتقه وعوضه غيره مثله أو أدنى جاز إن كان في ولايته لشبهة الولاية وشبهته في ماله ، فإن كان كبيرا امتنع ، ويمتنع ذلك من الوصي لعدم الشبهة في المال ، وإن تصدق بغنم عليه ثم تصدق بها على غيره صح ; لأنه اعتصار .

فرع

قال : لا يلزمك ما نحلت امرأتك عند الخلوة ; لأن العادة أن ذلك يقال لتوطئة النفوس لا لتحقق العطاء .

فرع

قال : إذا أعطيت ابنتك لرجل يكفلها لا تأخذها عند البلوغ ; لأن ذلك ليس من مكارم الأخلاق إلا أن ترى إساءة تضربها ، ونكاحها للذي وهبت له إن كنت جعلت ذلك بيده ودعا إلى سداد ، وإن دفعتها إلى غير ذي محرم امتنع لامتناع خلوته بها ، وإذا مت فهو يزوجها لكن برضاها .

فرع

قال : إذا تصدقت على ابنها بجارية على أن لا يبيع ولا تخرج عنه ليكون لها تسلمها أبطله ابن القاسم للحجر المنافي لمقتضى العقد ، وأجازه أشهب مع الشرط توفية بالشرط .

فرع

قال صاحب الاستذكار : صدقة الحي عن الميت جائزة نافذة إجماعا ، وفي الموطأ قال : يا رسول الله : إن أمي افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت ، [ ص: 294 ] أفأتصدق عنها ؟ فقال - عليه السلام - : " نعم " .

فائدة : افتلتت نفسها ، اختلست ، ماتت فجأة من مجاز التشبيه ، كأن الذي يطول مرضه وطأ نفسه على الموت فكأنه دفع نفسه باختياره .

فرع

قال : قال مالك و ( ش ) و ( ح ) : إذا رجعت الصدقة بالميراث فحسن ؛ لما في الموطأ أن رجلا تصدق على أبويه بصدقة فهلكا فورثهما فقال له - عليه السلام - : " أجرت في صدقتك وخذها بميراثك " .

نظائر : قال أبو عمران : خمس مسائل تترتب على الميراث : لا ترجع الهبة إلا بالميراث ، ومن حلف بعتق عبده ليفعلن كذا فباعه ، فإن اليمين ترجع عليه إذا ملكه إلا بالميراث ، ويختلف إذا باعه السلطان لنفسه ، ويكمل عتق القريب إذا ملك بعضه إلا في الميراث ، ولا يشفع فيما باع إلا في الميراث بأن يموت الشفيع فيرثه البائع فيأخذ من المشتري بالشفعة ; لأنه رضي بالبيع له ولم يرض بشركته ، ولا ينقض البائع بيعه إلا في الميراث فله حل فعل نفسه .

فرع

قال الأبهري : قال مالك : إذا تصدقت بقلوصة في سبيل الله ، ثم وقعت الهدنة فتصدق بها على أيتام جاز ; لأن الجميع سبيل الله ، وبئس ما صنع لوضعها في غير ما جعلت له .

فرع

قال : قال مالك إذا تصدق بعبد اشتراه فظهر حرا فله الثمن ; لأنه لم يتصدق بالثمن بل بالعبد ، وقد بطل الملك فيه .

فرع

قال : قال مالك إذا تصدق على ولده فاعتقد الذكور أن صيغة الولد لا [ ص: 295 ] تتناول الإناث ، فاغتلوا أزمانا ، ثم تبين اندراجهن أخذن حقهن في المستقبل لتناول الاسم لهن دون الماضي ; لأن إخوتهن أخذوه بالتأويل ، وقال ابن القاسم وأشهب يرجعن بالماضي لثبوت الاستحقاق فيه .

فرع

قال : قال مالك : إذا تصدقت على غائب وبعثت بها إليه وأشهدت على ذلك ، ثم مات قبل الوصول نفذت لوجوبها بالإشهاد .

فرع

قال صاحب المنتقى : الهبة والصدقة والحبس متى كانت على وجه اليمين لمعين أم لا لا يقضى بها اتفاقا ; لأنه لم يقصد بها البر بل اللجاج ودفع المحلوف عليه ، وعلى غير اليمين يقضى بها ؛ قاله ابن القاسم ، وقال أشهب : إلا أن يكون على معين فإن الحق له حتى يطلبه .

فرع

قال : إذا ادعى هبة في غير الذمة فظاهر المذهب عدم تحليف المدعى عليه بمجرد الدعوى لضعف السبب ، وفي الجلاب عليه اليمين ، فإن أبى حلف الآخر وأخذها ، وإن كانت في ذمة الموهوب كالدين يدعى الإبراء منه فيحلف أنه ما وهبه له ، قال : وعندي تفصيل ؛ إن كانت في يد الواهب فلا يحلف ، أو بيد الموهوب لا ينتزعها الواهب إلا بعد حلفه ، قال شارح الجلاب : المسألة تتخرج على الخلاف في اليمين بدون خلطة ، فإن قلنا تجب حلف وإلا فلا ، ويحتمل قول شارح الجلاب حلف وبرئ إذا ثبتت بينهما خلطة ، أو برئ أن الخلطة إنما تشترط فيما يتعلق بالذمة دون المعينات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث