الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم

المسألة الثالثة : دلت الآية على أن أعلى مراتب الصديقين التفكر في دلائل الذات والصفات وأن التقليد أمر باطل لا عبرة به ولا التفات إليه .

واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء العباد الصالحين المواظبين على الذكر والفكر أنهم ذكروا خمسة أنواع من الدعاء :

[ ص: 113 ] النوع الأول : قوله : ( ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في الآية إضمار وفيه وجهان : قال الواحدي - رحمه الله - : التقدير : يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا ، وقال صاحب الكشاف : إنه في محال الحال بمعنى يتفكرون قائلين .

المسألة الثانية : " هذا " في قوله : ( ما خلقت هذا ) كناية عن المخلوق ، يعني ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلا ، وفي كلمة " هذا " ضرب من التعظيم كقوله : ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) [ الإسراء : 9 ] .

المسألة الثالثة : في نصب قوله ( باطلا ) وجوه :

الأول : أنه نعت لمصدر محذوف ، أي خلقا باطلا .

الثاني : أنه بنزع الخافض تقديره : بالباطل أو للباطل .

الثالث : قال صاحب الكشاف : يجوز أن يكون " باطلا " حالا من " هذا " .

المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إن كل ما يفعله الله تعالى فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبيد ولأجل الحكمة ، والمراد منها رعاية مصالح العباد ، واحتجوا عليه بهذه الآية لأنه تعالى لو لم يخلق السماوات والأرض لغرض لكان قد خلقها باطلا ، وذلك ضد هذه الآية ، قالوا : وظهر بهذه الآية أن الذي تقوله المجبرة : إن الله تعالى أراد بخلق السماوات والأرض صدور الظلم والباطل من أكثر عباده وليكفروا بخالقها ، وذلك رد لهذه الآية ، قالوا : وقوله : ( سبحانك ) تنزيه له عن خلقه لهما باطلا ، وعن كل قبيح . وذكر الواحدي كلاما يصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة فقال : الباطل عبارة عن الزائل الذاهب الذي لا يكون له قوة ولا صلابة ولا بقاء ، وخلق السماوات والأرض خلق متقن محكم ، ألا ترى إلى قوله : ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ) [ الملك : 3 ] وقال : ( وبنينا فوقكم سبعا شدادا ) [ النبأ : 12 ] فكان المراد من قوله : ( ربنا ما خلقت هذا باطلا ) هذا المعنى ، لا ما ذكره المعتزلة .

فإن قيل : هذا الوجه مدفوع بوجوه :

الأول : لو كان المراد بالباطل الرخو المتلاشي لكان قوله ( سبحانك ) تنزيها له عن أن يخلق مثل هذا الخلق ، ومعلوم أن ذلك باطل .

الثاني : أنه إنما يحسن وصل قوله : ( فقنا عذاب النار ) به إذا حملناه على المعنى الذي ذكرناه ؛ لأن التقدير : ما خلقته باطلا بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة ، وهي أن تجعلها مساكن للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك ، فقنا عذاب النار ، لأنه جزاء من عصى ولم يطع ، فثبت أنا إذا فسرنا قوله : ( ما خلقت هذا باطلا ) بما ذكرنا حسن هذا النظم ، أما إذا فسرناه بأنك خلقته محكما شديد التركيب لم يحسن هذا النظم .

الثالث : أنه تعالى ذكر هذا في آية أخرى فقال : ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا ) [ ص : 27 ] وقال في آية أخرى : ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ) [ الدخان : 38 ، 39 ] وقال في آية أخرى : ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ) [ المؤمنون : 115 ] إلى قوله : ( فتعالى الله الملك الحق ) [ المؤمنون : 116 ] أي فتعالى الملك الحق عن أن يكون فعله عبثا ، وإذا امتنع أن يكون عبثا فبأن يمتنع كونه باطلا أولى .

والجواب : اعلم أن بديهة العقل شاهدة بأن الموجود إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ، وشاهده أن كل ممكن لذاته فإنه لا بد وأن ينتهي في رجحانه إلى الواجب لذاته ، وليس في هذه القضية تخصيص [ ص: 114 ] بكون ذلك الممكن مغايرا لأفعال العباد ، بل هذه القضية على عمومها قضية يشهد العقل بصحتها ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشر بقضاء الله . وإذا كان كذلك امتنع أن يكون المراد من هذه الآية تعليل أفعال الله تعالى بالمصالح . إذا عرفت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يكون تأويل الآية ما حكيناه عن الواحدي : قوله : ولو كان كذلك لكان قوله : ( سبحانك ) تنزيها له عن فعل ما لا شدة فيه ولا صلابة وذلك باطل . قلنا : لم لا يجوز أن يكون المراد : ربنا ما خلقت هذا رخوا فاسد التركيب بل خلقته صلبا محكما ، وقوله ( سبحانك ) معناه أنك وإن خلقت السماوات والأرض صلبة شديدة باقية فأنت منزه عن الاحتياج إليه والانتفاع به ، فيكون قوله ( سبحانك ) معناه هذا .

قوله ثانيا : إنما حسن وصل قوله ( فقنا عذاب النار ) به إذا فسرناه بقولنا ، قلنا لا نسلم بل وجه النظم أنه لما قال : ( سبحانك ) اعترف بكونه غنيا عن كل ما سواه ، فعندما وصفه بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال : ( فقنا عذاب النار ) وهذا الوجه في حسن النظم إن لم يكن أحسن مما ذكرتم لم يكن أقل منه ، وأما سائر الآيات التي ذكرتموها فهي دالة على أن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بكونها عبثا ولعبا وباطلا ، ونحن نقول بموجبه ، وإن أفعال الله كلها حكمة وصواب ، لأنه تعالى لا يتصرف إلا في ملكه ، فكان حكمه صوابا على الإطلاق ، فهذا ما في هذه المناظرة ، والله أعلم .

المسألة الخامسة : احتج حكماء الإسلام بهذه الآية على أنه سبحانه خلق هذه الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة ، وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع سكان هذه البقعة الأرضية ، قالوا : لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة ، وذلك رد للآية . قالوا : وليس لقائل أن يقول : الفائدة فيها الاستدلال بها على وجود الصانع المختار ، وذلك لأن كل واحد من كرات الهواء والماء يشارك الأفلاك والكواكب في هذا المعنى ، فحينئذ لا يبقى لخصوص كونه فلكا وشمسا وقمرا فائدة ، فيكون باطلا وهو خلاف هذا النص .

أجاب المتكلمون عنه : بأن قالوا : لم لا يكفي في هذا المعنى كونها أسبابا على مجرى العادة لا على سبيل الحقيقة .

أما قوله تعالى : ( سبحانك ) ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : هذا إقرار بعجز العقول عن الإحاطة بآثار حكمة الله في خلق السماوات والأرض ، يعني : أن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم يعرفوا منها إلا هذا القدر ، وهو أن خالقها ما خلقها باطلا ، بل خلقها لحكم عجيبة ، وأسرار عظيمة ، وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها .

المسألة الثانية : المقصود منه تعليم الله عباده كيفية الدعاء ، وذلك أن من أراد الدعاء فلا بد وأن يقدم الثناء ، ثم يذكر بعده الدعاء كما في هذه الآية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث