الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين )

قوله تعالى :( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين )

اعلم أن هذا شرح النوع الثالث من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين ، وهو إقدامهم على السعي في تغييرهم أحكام الله ، وذلك لأنه تعالى لما حكم في كل وقت بحكم خاص ، فإذا غيروا تلك الأحكام بسبب النسيء ، فحينئذ كان ذلك سعيا منهم في تغيير حكم السنة بحسب أهوائهم وآرائهم فكان ذلك زيادة في كفرهم وحسرتهم ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن السنة عند العرب عبارة عن اثني عشر شهرا من الشهور القمرية ، والدليل عليه هذه الآية ، وأيضا قوله تعالى :( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) [يونس : 5] فجعل تقدير القمر بالمنازل علة للسنين والحساب ، وذلك إنما يصح إذا كانت السنة [ ص: 41 ] معلقة بسير القمر ، وأيضا قال تعالى :( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) [البقرة : 189] وعند سائر الطوائف : عبارة عن المدة التي تدور الشمس فيها دورة تامة ، والسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بمقدار معلوم ، وبسبب ذلك النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل ، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة ، وفي الصيف أخرى ، وكان يشق الأمر عليهم بهذا السبب ، وأيضا إذا حضروا الحج حضروا للتجارة ، فربما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجارات من الأطراف ، وكان يخل أسباب تجاراتهم بهذا السبب ، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة على ما هو معلوم في علم الزيجات ، واعتبروا السنة الشمسية ، وعند ذلك بقي زمان الحج مختصا بوقت واحد معين موافق لمصلحتهم ، وانتفعوا بتجاراتهم ومصالحهم ، فهذا النسيء وإن كان سببا لحصول المصالح الدنيوية ، إلا أنه لزم منه تغير حكم الله تعالى ؛ لأنه تعالى لما خص الحج بأشهر معلومة على التعيين ، وكان بسبب ذلك النسيء يقع في سائر الشهور تغير حكم الله وتكليفه .

فالحاصل : أنهم لرعاية مصالحهم في الدنيا سعوا في تغيير أحكام الله وإبطال تكليفه ، فلهذا المعنى استوجبوا الذم العظيم في هذه الآية .

واعلم أن السنة الشمسية لما كانت زائدة على السنة القمرية جمعوا تلك الزيادة ، فإذا بلغ مقدارها إلى شهر جعلوا تلك السنة ثلاثة عشر شهرا ، فأنكر الله تعالى ذلك عليهم وقال : إن حكم الله أن تكون السنة اثني عشر شهرا لا أقل ولا أزيد ، وتحكمهم على بعض السنين ، أنه صار ثلاثة عشر شهرا حكم واقع على خلاف حكم الله تعالى ، ويوجب تغيير تكاليف الله تعالى ، وكل ذلك على خلاف الدين .

واعلم أن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا شمسية ، وهذا حكم توارثوه عن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ، فأما عند اليهود والنصارى ، فليس كذلك ، ثم إن بعض العرب تعلم صفة الكبيسة من اليهود والنصارى ، فأظهر ذلك في بلاد العرب .

المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : لا يجوز أن يتعلق قوله : في كتاب الله بقوله :( عدة الشهور ) لأنه يقتضي الفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو قوله :( اثنا عشر شهرا ) وإنه لا يجوز ، وأقول : في إعراب هذه الآية وجوه :

الأول : أن نقول : قوله :( عدة الشهور ) مبتدأ وقوله :( اثنا عشر شهرا ) خبر . وقوله :( عند الله ) في كتاب الله( يوم خلق السماوات والأرض ) ظروف أبدل البعض من البعض ، والتقدير : إن عدة الشهور اثنا عشر شهرا عند الله في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ، والفائدة في ذكر هذه الإبدالات المتوالية تقرير أن ذلك العدد واجب متقرر في علم الله ، وفي كتاب الله من أول ما خلق الله تعالى العالم .

الثاني : أن يكون قوله تعالى :( في كتاب الله ) متعلقا بمحذوف يكون صفة للخبر ، تقديره : اثنا عشر شهرا مثبتة في كتاب الله ، ثم لا يجوز أن يكون المراد بهذا الكتاب كتابا من الكتب ؛ لأنه متعلق بقوله :( يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ) وأسماء الأعيان لا تتعلق بالظروف ، فلا تقول : غلامك يوم الجمعة ، بل الكتاب ههنا مصدر ، والتقدير : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ، أي : في حكمه الواقع يوم خلق السماوات .

والثالث : أن يكون الكتاب اسما . وقوله :( يوم خلق السماوات ) متعلق بفعل محذوف ، والتقدير : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا مكتوبا في كتاب الله كتبه يوم خلق السماوات والأرض .

[ ص: 42 ] المسألة الثالثة : في تفسير أحكام الآية :( إن عدة الشهور عند الله ) أي : في علمه( اثنا عشر شهرا في كتاب الله ) وفي تفسير كتاب الله وجوه :

الأول : قال ابن عباس : إنه اللوح المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل ، وهو الأصل للكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء عليهم السلام .

الثاني : قال بعضهم : المراد من الكتاب القرآن ، وقد ذكرنا آيات تدل على أن السنة المعتبرة في دين محمد صلى الله عليه وسلم هي السنة القمرية ، وإذا كان كذلك كان هذا الحكم مكتوبا في القرآن .

الثالث : قال أبو مسلم :( في كتاب الله ) أي : فيما أوجبه وحكم به ، والكتاب في هذا الموضع هو الحكم والإيجاب ، كقوله تعالى :( كتب عليكم القتال ) [البقرة : 216]( كتب عليكم القصاص ) [البقرة : 178]( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) [الأنعام : 54] قال القاضي : هذا الوجه بعيد ؛ لأنه تعالى جعل الكتاب في هذه الآية كالظرف ، وإذا حمل الكتاب على الحساب لم يستقم ذلك إلا على طريق المجاز ، ويمكن أن يجاب عنه : بأنه وإن كان مجازا ، إلا أنه مجاز متعارف ، يقال : إن الأمر كذا وكذا في حساب فلان وفي حكمه .

وأما قوله :( يوم خلق السماوات والأرض ) فقد ذكرنا في المسألة الثانية وجوها فيما يتعلق به ، والأقرب ما ذكرناه في الوجه الثالث ، وهو أن يكون المراد أنه كتب هذا الحكم ، وحكم به يوم خلق السماوات والأرض ، والمقصود بيان أن هذا الحكم حكم محكوم به من أول خلق العالم ، وذلك يدل على المبالغة والتأكيد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث