الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم

( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب )

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب )

اعلم أن في الآية مسائل :

المسألة الأولى : قوله تعالى : ( في بيوت أذن الله ) يقتضي محذوفا يكون فيها وذكروا فيه وجوها :

أحدها : أن التقدير كمشكاة فيها مصباح في بيوت أذن الله ، وهو اختيار كثير من المحققين ، اعترض أبو مسلم بن بحر الأصفهاني عليه من وجهين :

الأول : أن المقصود من ذكر المصباح المثل وكون المصباح في بيوت أذن الله لا يزيد في هذا المقصود لأن ذلك لا يزيد المصباح إنارة وإضاءة .

الثاني : أن ما تقدم ذكره فيه وجوه تقتضي كونه واحدا كقوله : ( كمشكاة ) [النور : 35] وقوله : ( فيها مصباح ) [النور : 35] وقوله : ( في زجاجة ) [النور : 35] وقوله : ( كأنها كوكب دري ) [النور : 35] ولفظ البيوت جمع ولا يصح كون هذا الواحد في كل البيوت .

والجواب عن الأول : أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في المساجد كان أعظم وأضخم فكان أضوأ ، فكان التمثيل به أتم وأكمل .

وعن الثاني : أنه لما كان القصد بالمثل هو الذي له هذا الوصف فيدخل تحته كل كمشكاة فيها مصباح في زجاجة تتوقد من الزيت ، وتكون الفائدة في ذلك أن ضوأها يظهر في هذه البيوت بالليالي عند الحاجة إلى عبادة الله تعالى ، ولو أن رجلا قال : الذي يصلح لخدمتي رجل يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته لكان . وإن ذكره بلفظ الواحد فالمراد النوع ، فكذا ما ذكره الله سبحانه في هذه الآية .

وثانيها : التقدير توقد من شجرة مباركة في بيوت أذن الله أن ترفع .

وثالثها : وهو قول أبي مسلم أنه [ ص: 4 ] راجع إلى قوله : ( ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ) [النور : 34] أي ومثلا من الذين خلوا من قبلكم في بيوت أذن الله أن ترفع ، ويكون المراد بالذين خلوا الأنبياء والمؤمنين ، والبيوت المساجد ، وقد اقتص الله أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذكر أماكنهم فسماها محاريب بقوله : ( إذ تسوروا المحراب ) [ص : 21] و ( كلما دخل عليها زكريا المحراب ) [آل عمران : 37] فيقول : ( ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ) [النور : 34] ، "وأنزلنا أقاصيص من بعث قبلكم من الأنبياء والمؤمنين" ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) [النور : 36] .

ورابعها : قول الجبائي إنه كلام مستأنف لا تعلق له بما تقدم ، والتقدير : صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع .

وخامسها : وهو قول الفراء والزجاج إنه لا حذف في الآية بل فيه تقديم وتأخير كأنه قال يسبح في بيوت أذن الله أن ترفع رجال صفتهم كيت وكيت ، وأما قول أبي مسلم فقد اعترض عليه القاضي من وجهين :

الأول : أن قوله : ( ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ) المراد منه من خلا من المكذبين للرسل لتعلقه بما تقدم من الإكراه على الزنا ابتغاء للدنيا ، فلا يليق ذلك بوصف هذه البيوت لأنها بيوت أذن أن يذكر فيها اسمه .

الثاني : أن هذه الآية صارت منقطعة عن تلك الآية بما تخلل بينهما من قوله تعالى : ( الله نور السماوات والأرض ) [النور : 35] وأما قول الجبائي فقيل الإضمار لا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة وعلى التأويل الذي ذكره الفراء والزجاج لا حاجة إليه فلا يجوز المصير إليه ، فإن قيل على قول الزجاج يتوجه عليه إشكال أيضا لأن على قوله يصير المعنى في بيوت أذن الله يسبح له فيها فيكون قوله فيها تكرارا من غير فائدة ، فلم قلتم إن تحمل هذه الزيادة أولى من تحمل ذلك النقصان ؟ قلنا الزيادة لأجل التأكيد كثيرة فكان المصير إليها أولى .

المسألة الثانية : أكثر المفسرين قالوا : المراد من قوله : ( في بيوت ) المساجد ، وعن عكرمة ( في بيوت ) قال : هي البيوت كلها والأول أولى لوجهين :

الأول : أن في البيوت ما لا يمكن أن يوصف بأن الله تعالى أذن أن ترفع .

الثاني : أنه تعالى وصفها بالذكر والتسبيح والصلاة وذلك لا يليق إلا بالمساجد ، ثم للقائلين بأن المراد هو المساجد قولان :

أحدهما : أن المراد أربع مساجد : الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ، وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ، ومسجد المدينة بناه النبي صلى الله عليه وسلم ، ومسجد قباء الذي أسس على التقوى بناه النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن الحسن هو بيت المقدس يسرج فيه عشرة آلاف قنديل .

والثاني : أن المراد هو جميع المساجد ، والأول ضعيف لأنه تخصيص بلا دليل فالأولى حمل اللفظ على جميع المساجد ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : المساجد بيوت الله في الأرض وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث