الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي

أما قوله : ( ما تعبدون من بعدي ) ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : لفظ "ما" لغير العقلاء فكيف أطلقه في المعبود الحق؟

وجوابه من وجهين :

الأول : أن "ما" عام في كل شيء والمعنى أي شيء تعبدون .

والثاني : قوله : ( ما تعبدون ) كقولك عند طلب الحد والرسم : ما الإنسان ؟ .

[ ص: 69 ] المسألة الثانية : قوله : ( من بعدي ) أما قوله : ( قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : هذه الآية تمسك بها فريقان من أهل الجهل :

الأول : المقلدة قالوا : إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد ، وهو عليه السلام ما أنكره عليهم فدل على أن التقليد كاف .

الثاني : التعليمية . قالوا : لا طريق إلى معرفة الله إلا بتعليم الرسول والإمام والدليل عليه هذه الآية ، فإنهم لم يقولوا : نعبد الإله الذي دل عليه العقل ، بل قالوا : نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباؤك يعبدونه وهذا يدل على أن طريق المعرفة هو التعلم .

والجواب : كما أنه ليس في الآية دلالة على أنهم عرفوا الإله بالدليل العقلي ، فليس فيها أيضا دلالة على أنهم ما أقروا بالإله إلا على طريقة التقليد والتعليم ، ثم إن القول بالتقليد والتعليم لما بطل بالدليل علمنا أن إيمان القوم ما كان على هذه الطريقة بل كان حاصلا على سبيل الاستدلال ، أقصى ما في الباب أن يقال : فلم لم يذكروا طريقة الاستدلال .

والجواب عنه من وجوه :

أولها : أن ذلك أخصر في القول من شرح صفات الله تعالى بتوحيده وعلمه وقدرته وعدله .

وثانيها : أنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب عليه السلام فكأنهم قالوا : لسنا نجري إلا على مثل طريقتك فلا خلاف منا عليك فيما نعبده ونخلص العبادة له .

وثالثها : لعل هذا إشارة إلى ذكر الدليل على وجود الصانع على ما ذكره الله تعالى في أول هذه السورة في قوله : ( ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ) [البقرة : 21] وههنا مرادهم بقولهم : ( قالوا نعبد إلهك وإله آبائك ) أي : نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك وعلى هذا الطريق يكون ذلك إشارة إلى الاستدلال لا إلى التقليد .

المسألة الثانية : قال القفال : وفي بعض التفاسير أن يعقوب عليه السلام لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان فخاف على بنيه بعد وفاته ، فقال لهم هذا القول تحريضا لهم على التمسك بعبادة الله تعالى .

وحكى القاضي عن ابن عباس : أن يعقوب عليه السلام جمعهم إليه عند الوفاة ، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران ، فقال : يا بني ما تعبدون من بعدي؟ قالوا : نعبد إلهك وإله آبائك ثم قال القاضي : هذا بعيد لوجهين :

الأول : أنهم بادروا إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم واليقين .

الثاني : أنه تعالى ذكر في الكتاب حال الأسباط من أولاد يعقوب وأنهم كانوا قوما صالحين وذلك لا يليق بحالهم .

المسألة الثالثة : قوله : ( إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ) عطف بيان لآبائك . قاله القفال : وقيل أنه قدم ذكر إسماعيل على إسحاق لأن إسماعيل كان أسن من إسحاق .

المسألة الرابعة : قال الشافعي رضي الله عنه : الإخوة والأخوات للأب والأم أو للأب لا يسقطون بالجد وهو قول عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وزيد رضي الله عنهم وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد .

وقال أبو حنيفة : إنهم يسقطون بالجد وهو قول أبي بكر الصديق وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم ، ومن التابعين قول الحسن وطاوس وعطاء ، أما الأولون وهم الذين يقولون : إنهم لا يسقطون بالجد فلهم قولان :

أحدهما : أن الجد خير الأمرين : إما المقاسمة معهم أو ثلث جميع المال ، ثم الباقي بين الإخوة والأخوات [ ص: 70 ] للذكر مثل حظ الأنثيين وهذا مذهب زيد بن ثابت وقول الشافعي رضي الله عنه .

والثاني : أنه بمنزلة أحد الإخوة ما لم تنقصه المقاسمة من السدس فإن نقصته المقاسمة من السدس أعطي السدس ولم ينقص منه شيء واحتج أبو حنيفة على قوله بأن الجد أب والأب يحجب الأخوات والإخوة فيلزم أن يحجبهم الجد ، وإنما قلنا : إن الجد أب للآية والأثر .

أما الآية فاثنان هذه الآية وهي قوله تعالى : ( قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ) فأطلق لفظ الأب على الجد .

فإن قيل : فقد أطلقه في العم وهو إسماعيل مع أنه بالاتفاق ليس بأب .

قلنا : الاستعمال دليل الحقيقة ظاهرا ، ترك العمل به في حق العم لدليل قام فيه فيبقى في الباقي حجة الآية الثانية قوله تعالى مخبرا عن يوسف عليه السلام : ( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ) [يوسف : 38] .

وأما الأثر فما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال : من شاء لاعنته عند الحجر الأسود ، إن الجد أب ، وقال أيضا : ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا ، وإذا ثبت أن الجد أب وجب أن يدخل تحت قوله تعالى : ( وورثه أبواه فلأمه الثلث ) [النساء : 11] في استحقاق الجد الثلثين دون الإخوة كما استحقه الأب دونهم إذا كان باقيا ، قال الشافعي رضي الله عنه : لا نسلم أن الجد أب ، والدليل عليه وجوه :

أحدها : أنكم كما استدللتم بهذه الآيات على أن الجد أب ، فنحن نستدل على أنه ليس بأب بقوله تعالى : ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ) [البقرة : 132] فإن الله تعالى ما أدخل يعقوب في بنيه لأنه ميزه عنهم ، فلو كان الصاعد في الأبوة أبا لكان النازل في البنوة ابنا في الحقيقة ، فلما لم يكن كذلك ثبت أن الجد ليس بأب .

وثانيها : لو كان الجد أبا على الحقيقة لما صح لمن مات أبوه وجده حي أن ينفى أن له أبا ، كما لا يصح في الأب القريب ولما صح ذلك علمنا أنه ليس بأب في الحقيقة .

فإن قيل : اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أن رتبة الأدنى أقرب من رتبة الأبعد فلذلك صح فيه النفي .

قلنا : لو كان الاسم حقيقة فيهما جميعا لم يكن الترتيب في الوجود سببا لنفي اسم الأب عنه .

وثالثها : لو كان الجد أبا على الحقيقة لصح القول بأنه مات وخلف أما وآباء كثيرين وذلك مما لم يطلقه أحد من الفقهاء وأرباب اللغة والتفسير .

ورابعها : لو كان الجد أبا ولا شك أن الصحابة عارفون باللغة لما كانوا يختلفون في ميراث الجد ، ولو كان الجد أبا لكانت الجدة أما ، ولو كان كذلك لما وقعت الشبهة في ميراث الجدة حتى يحتاج أبو بكر رضي الله عنه إلى السؤال عنه ، فهذه الدلائل دلت على أن الجد ليس بأب .

وخامسها : قوله تعالى : ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) [النساء : 11] فلو كان الجد أبا لكان ابن الابن ابنا لا محالة فكان يلزم بمقتضى هذه الآية حصول الميراث لابن الابن مع قيام الابن ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الجد ليس بأب ، فأما الآيات التي تمسكتم بها في بيان أن الجد أب فالجواب عن وجه التمسك بها من وجوه :

أولها : أنه قرأ أبي : ( وإله إبراهيم ) بطرح آبائك إلا أن هذا لا يقدح في الغرض لأن القراءة الشاذة لا تدفع القراءة المتواترة ، بل الجواب أن يقال : إنه أطلق لفظ الأب على الجد وعلى العم ؛ وقال عليه الصلاة والسلام في العباس : "هذا بقية آبائي" وقال : "ردوا علي أبي" فدلنا ذلك على أنه ذكره على سبيل [ ص: 71 ] المجاز ، والدليل عليه ما قدمنا أنه يصح نفي اسم الأب عن الجد ، ولو كان حقيقة لما كان كذلك ، وأما قول ابن عباس فإنما أطلق الاسم عليه نظرا إلى الحكم لا إلى الاسم اللغوي لأن اللغات لا يقع الخلاف فيها بين أرباب اللسان والله أعلم .

أما قوله تعالى : ( إلها واحدا ) فهو بدل ( وإله آبائك ) كقوله : ( بالناصية ناصية كاذبة ) [العلق : 16 ، 15] أو على الاختصاص ، أي تريد بإله آبائك إلها واحدا ، أما قوله : ( ونحن له مسلمون ) ففيه وجوه :

أحدها : أنه حال من فاعل نعبد أو من مفعوله لرجوع الهاء إليه في "له" .

وثانيها : يجوز أن تكون جملة معطوفة على نعبد .

وثالثها : أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة ، أي ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون للتوحيد أو مذعنون .

أما قوله تعالى : ( تلك أمة قد خلت ) فهو إشارة إلى من ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة ، وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنوه الموحدون . و "الأمة" الصنف . "خلت" سلفت ومضت وانقرضت ، والمعنى أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الإسلام والدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه ، فإن أنتم فعلتم ذلك انتفعتم وإن أبيتم لم تنتفعوا بأفعالهم ، والآية دالة على مسائل :

المسألة الأولى : الآية دالة على بطلان التقليد ، لأن قوله : ( لها ما كسبت ) يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره ، ولو كان التقليد جائزا لكان كسب المتبوع نافعا للتابع ، فكأنه قال : إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم ، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق .

المسألة الثانية : الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان ، واتباع محمد عليه الصلاة والسلام ، وتحذيرهم من مخالفته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث