الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وهو أفضل من الإمامة ، ومن أصحابنا من قال : الإمامة أفضل ; لأن الأذان يراد للصلاة فكان القيام بأمر الصلاة أولى من القيام بما يراد لها ، والأول أصح لقوله تعالى : { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا } قالت عائشة رضي الله عنها : نزلت في المؤذنين ، ولقوله صلى الله عليه وسلم { والأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء ، فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين } والأمين أحسن حالا من الضمين . وعن عمر رضي الله عنه قال : " لو كنت مؤذنا لما باليت أن لا أجاهد ولا أحج ولا أعتمر بعد حجة الإسلام " ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا التفسير المنقول عن عائشة رضي الله عنها مشهور عنها ووافقها عليه عكرمة . وقال آخرون : المراد بالداعي إلى الله تعالى هنا هو النبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول ابن عباس وابن زيد والسدي ومقاتل وفي رواية عن ابن عباس أنه أبو بكر رضي الله عنه . وأما حديث : { الأئمة ضمناء } إلى آخره ، فرواه أبو داود والترمذي وغيرهما من رواية أبي هريرة ولكن ليس إسناده بقوي وذكر الترمذي تضعيفه عن علي بن المديني إمام هذا الفن ، وضعفه أيضا البخاري وغيره ; لأنه من رواية الأعمش عن رجل عن أبي صالح عن أبي هريرة ، ورواه البيهقي أيضا من رواية عائشة وإسناده أيضا ليس بقوي . ولكن يغني عنه ما سنذكره [ ص: 85 ] إن شاء الله تعالى ، والضمان في اللغة هو الكفالة والحفظ والرعاية قاله الهروي وغيره . قال الشافعي في الأم : يحتمل أنهم ضمناء . لما غابوا عليه من الإسرار بالقراءة والذكر وقيل : المراد ضمناء الدعاء ، أي يعم القوم به ولا يخص نفسه به ، وقيل : ; لأنه يتحمل القراءة والقيام عن المسبوق ، وقيل : لأنه يسقط بفعلهم فرض الكفاية وقال الخطابي : قال أهل اللغة : الضامن الراعي ، قال ومعنى الحديث أنه يحفظ على القوم صلاتهم ، وليس هو من الضمان الموجب للغرامة .

وأما أمانة المؤذنين فقيل لأنهم أمناء على مواقيت الصلاة ، وقيل أمناء على حرم الناس يشرفون على موضع عال ، وقيل : أمناء في تبرعهم بالأذان ، وقول المصنف والأمين أحسن حالا من الضمين ، الضمين هو الضامن . قال المحاملي : لأن الأمين متطوع بعمله والضامن يجب عليه فعل ذلك . ( أما حكم المسألة ) فهل الأذان أفضل من الإمامة أم هي أفضل منه ، فيه أربعة أوجه ( أصحها ) عند العراقيين والسرخسي والبغوي الأذان أفضل ، وهو نصه في الأم وبه قال أكثر الأصحاب . قال المحاملي هو مذهب الشافعي قال وبه قال عامة أصحابنا وغلط من قال غيره ، وكذا قال الشيخ أبو حامد إنه مذهب الشافعي وعامة أصحابنا . ( والثاني ) الإمامة أفضل ، وهو الأصح عند الخراسانيين ونقلوه عن نص الشافعي وصححه القاضي أبو الطيب وقطع به الدارمي ( والثالث ) : هما سواء ، حكاه صاحب البيان والشافعي وغيرهما .

( والرابع ) : إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجميع خصالها فهي أفضل وإلا فالأذان . حكاه الشيخ أبو حامد وصاحب البيان وغيرهما ، ونقله الرافعي عن أبي علي الطبري والقاضي أبي القاسم بن كج والمسعودي والقاضي حسين والمذهب ترجيح الأذان ، وقد نص في الأم على كراهة الإمامة فقال : أحب الأذان لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { اللهم اغفر للمؤذنين } وأكره الإمامة للضمان وما على الإمام فيها هذا نصه . [ ص: 86 ] واحتج لمن رجح الإمامة بأن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الخلفاء الراشدين أموا ولم يؤذنوا وكذا كبار العلماء بعدهم . وفي الصحيحين عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم { ليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم . } واحتج من رجح الأذان بحديث معاوية رضي الله عنه قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة } رواه مسلم وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا } رواه البخاري ومسلم . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال " { لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة } سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين ، فإذا قضى النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه ، يقول اذكر كذا واذكر كذا - لما لم يكن يذكر - حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى } رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة ، وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة ، ولكل إقامة ثلاثون حسنة } رواه ابن ماجه والدارقطني والحاكم وقال : حديث صحيح ، وهو من رواية عبد الله بن صالح كاتب الليث ، ومنهم من جرحه ومنهم من وثقه ، وله شاهد يقويه ، وأجاب هؤلاء عن مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على الإمامة . وكذا من بعده من الخلفاء والأئمة ولم يؤذنوا بأنهم كانوا مشغولين بمصالح المسلمين التي لا يقوم غيرهم فيها مقامهم ، فلم يتفرغوا للأذان ومراعاة أوقاته ، وأما الإمامة فلا بد لهم من صلاة ، ويؤيد هذا التأويل ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال " لو كنت أطيق الأذان مع الخلافة لأذنت " .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث