الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - ( ولا يجوز إخراج تراب الحرم وأحجاره ; لما روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أنهما كانا يكرهان أن يخرج من تراب الحرم إلى الحل ، أو يدخل من تراب الحل إلى الحرم . وروى عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر قال : " قدمت مع أمي أو مع جدتي مكة فأتينا صفية بنت شيبة ، فأرسلت إلى الصفا فقطعت حجرا من جنابه فخرجنا به ، فنزلنا أول منزل ، فذكر من علتهم جميعا ، فقالت أمي أو جدتي : ما أرانا أتينا إلا أنا أخرجنا هذه القطعة من الحرم ، قال : وكنت أنا أمثلهم ، فقالت لي : انطلق بهذه القطعة إلى صفية فردها ، وقل لها : إن الله - عز وجل - وضع في حرمه شيئا لا ينبغي أن يخرج منه ، قال عبد الأعلى : فما هو إلا أن نحينا ذلك فكأنما أنشطنا من عقال " ويجوز إخراج ماء زمزم ، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " استهدى راوية من ماء زمزم ، فبعث إليه براوية من ماء ، ولأن الماء يستخلف بخلاف التراب والأحجار ) .

التالي السابق


( الشرح ) أما حديث ماء زمزم فروى البيهقي بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه قال : { استهدى النبي صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو من ماء زمزم } " وبإسناده عن جابر رضي الله عنه قال : { أرسلني صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة قبل أن يفتح مكة إلى سهيل بن عمرو أن أهد لنا من ماء زمزم ولا تترك ، فبعث إليه بمزادتين } وعن عروة بن الزبير { أن عائشة رضي الله عنها كانت تحمل ماء زمزم ، وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله } " رواه الترمذي وقال : حديث حسن الإسناد ورواه البيهقي هكذا ثم قال : وفي رواية : { حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأداوى والقرب ، وكان يصب على المرضى ويسقيهم } [ ص: 459 ] وأما ) تراب الحرم وأحجاره فروى الشافعي والبيهقي عن ابن عباس وابن عمر أنهما كرها أن يخرج من تراب الحرم وحجارته إلى الحل شيء .

( وأما ) حديث عبد الأعلى الذي ذكره المصنف فرواه الشافعي والبيهقي بلفظ يخالف رواية المصنف ، فلفظهما عن عبد الأعلى قال : " قدمت مع أمي ، أو قال جدتي فأتتها صفية بنت شيبة فأكرمتها ، وفعلت بها قالت صفية : ما أدري ما أكافئها به فأرسلت إليها بقطعة من الركن فخرجنا بها ، فنزلنا أول منزل ، فذكرنا من مرضهم وعلتهم جميعا ، قال : فقالت أمي أو جدتي : ما أرانا أتينا إلا أنا أخرجنا هذه القطعة من الحرم ، فقالت لي وكنت أمثلهم انطلق بهذه القطعة إلى صفية فردها ، وقل لها : إن الله - تعالى - قد وضع في حرمه شيئا فلا ينبغي أن يخرج منه ، قال عبد الأعلى : فقالوا لي : فما هو إلا أن نجينا بدخولك الحرم ، فكأنما أنشطنا من عقل " هذا لفظ رواية الشافعي والبيهقي وغيرهما .

وذكر أبو الوليد الأزرقي في كتاب مكة في فضل الحجر الأسود أنها أعطتهم قطعة من الحجر الأسود ، كانت عندها أصابتها حين اقتلع الحجر في زمن ابن الزبير ، حين حاصره الحجاج ، وهذا معنى رواية الشافعي قطعة من الركن أي الركن الأسود ، والمراد الحجر الأسود والله أعلم وعبد الأعلى هذا تابعي قريشي ، ( وأما ) صفية هذه فهي صحابية قريشية عبدرية وهي صفية بنت شيبة الصحابي ، حاجب الكعبة ، وهو شيبة بن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة . واسم طلحة هذا عبد الله بن عثمان بن عبد الدار بن قصي قالت صفية : { رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الركن بمحجن } " رواه أبو داود ، ولها في الصحيحين خمسة أحاديث عن عائشة .

أما الأحكام ففيه مسائل : ( إحداها ) اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على جواز نقل ماء زمزم إلى جميع البلاد ، واستحباب أخذه للتبرك ، ودليله ما ذكره المصنف مع ما ذكرته ( الثانية ) اتفقوا على أن الأولى أن [ ص: 460 ] لا يدخل تراب الحل وأحجاره الحرم ; لئلا يحدث لها حرمة لم تكن ، ولا يقال : إنه مكروه ; لأنه لم يرد فيه نهي صحيح صريح ، وأما قول صاحب البيان : قال الشيخ أبو إسحاق : لا يجوز إدخال شيء من تراب الحل وأحجاره إلى الحرم فغلط منه ، ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق هذا الذي ادعاه ، ( الثالثة ) قال المصنف لا يجوز إخراج تراب الحرم وأحجاره إلى الحل ، هذه عبارة المصنف ، وكذا قال المحاملي في كتابيه المجموع والتجريد : لا يجوز إخراجهما ، وتابعهما صاحب البيان في هذه العبارة ، وقال صاحب الحاوي : يمنع من إخراجهما ، وقال الدارمي : لا يخرجهما ، وقال كثيرون ، أو الأكثرون من أصحابنا : يكره إخراجهما ، فأطلقوا لفظ الكراهية . ممن قال يكره : الشيخ أبو حامد في تعليقه ، وأبو علي البندنيجي ، والقاضي حسين والبغوي والمتولي وصاحب العدة والرافعي وآخرون .

وقال القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد : قال الشافعي في الجامع الكبير ولا أجيز في أن يخرج من حجارة الحرم وترابه شيئا إلى الحل ; لأن له حرمة قال : وقال في القديم : ثم أكره إخراجهما ، قال الشافعي : ورخص بعض الناس في ذلك ، واحتج بشراء البرام من مكة ، قال الشافعي : هذا غلط فإن البرام ليست من حجارة الحرم ، بل تحمل من مسيرة يومين أو ثلاثة من الحرم . هذا نقل القاضي . وهكذا نقل الأصحاب عن الشافعي نحو هذا فحصل خلاف للأصحاب في أن إخراجهما مكروه أو حرام ، قال المحاملي وغيره : فإن أخرجه فلا ضمان ، قال الماوردي وغيره : وإذا أخرجه فعليه رده إلى الحرم ، قال الشيخ أبو حامد في موضع آخر ، وهو آخر الحج من تعليقه : ذكر الشافعي هذه المسألة في الأمالي القديمة ، وعللها بأن الحرم بقعة تخالف سائر البقاع ، ولها شرف على غيرها بدليل اختصاص النسكين بها ووجوب الجزاء في صيدها فلا تفوت هذه الحرمة لترابها ، والله أعلم .



[ ص: 461 ] فرع ) في حكم سترة الكعبة ، قال صاحب التلخيص : لا يجوز بيع أستار الكعبة ، وكذا قال أبو الفضل بن عبدان من أصحابنا : لا يجوز قطع أستار الكعبة ، ولا قطع شيء من ذلك ، قال ولا يجوز نقله ولا بيعه وشراؤه ، خلاف ما يفعله العامة : يشترونها من بني شيبة ، وربما وضعوه في أوراق المصاحف ، قال : ومن حمل منه شيئا لزمه رده . وحكى الرافعي قول ابن عبدان وسكت عليه ولم يذكر غيره ، فكأنه ارتضاه ووافقه عليه ، وكذا قال أبو عبد الله الحليمي من أئمة أصحابنا : لا ينبغي أن يؤخذ منها شيء ، وحكى الشيخ أبو عمرو بن الصلاح قول الحليمي وابن عبدان ثم قال : الأمر فيها إلى الإمام يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعا وعطاء ، واحتج بما رواه الأزرقي صاحب كتاب مكة ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ينزع كسوة البيت كل سنة ، فيقسمها على الحاج ، وهذا الذي اختاره الشيخ أبو عمرو حسن متعين ; لئلا يؤدي إلى تلفها بطول الزمان .

وقد روى الأزرقي عن عمر رضي الله عنه ما سبق ، وروى الأزرقي أيضا عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما أنهما قالا : تباع كسوتها ويجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين وابن السبيل ، قال ابن عباس وعائشة وأم سلمة : لا بأس أن يلبس كسوتها من صارت إليه من حائض وجنب وغيرهما ، والله أعلم .

( فرع ) لا يجوز أخذ شيء من طيب الكعبة لا للتبرك ولا لغيره ، ومن أخذ شيئا منه لزمه رده إليها ، فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به ثم أخذه ، والله أعلم .



( فرع ) مهم في بيان حدود حرم مكة الذي يحرم فيه الصيد والنبات ، ويمنع أخذ ترابه وأحجاره ، وبيان ما يتعلق به من الأحكام وما يخالف فيه غيره من الأرض ، وفيه مسائل : ( إحداها ) في حدود الحرم ، وقد ذكرها المصنف في أواخر كتاب الجزية مختصرة - والله أعلم - أن الحرم [ ص: 462 ] هو مكة ، وما أحاط بها من جوانبها جعل الله - تعالى - لها حكمها في الحرمة تشريفا لها ، ومعرفة حدود الحرم من أهم ما يعتنى به لكثرة ما يتعلق به من الأحكام وقد اجتهدت في إيضاحه وتتبع كلام الأئمة في إتقانه على أكمل وجوهه بحمد الله - تعالى - ، فحد الحرم من جهة المدينة دون التنعيم عند بيوت بني نفار ، على ثلاثة أميال من مكة ، ومن طريق اليمن ، طرف أضاة لبن على سبعة أميال من مكة ، ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة على سبعة أميال ، ومن طريق العراق على ثنية جبل بالمقطع على سبعة أميال ومن طريق الجعرانة في شعب آل عبد الله بن خالد على تسعة أميال ، ومن طريق جدة منقطع الأعشاش على عشرة أميال من مكة .

هكذا ذكر هذه الحدود أبو الوليد الأزرقي في كتاب مكة وأبو الوليد هذا أحد أصحاب الشافعي الآخذين عنه ، الذين رووا عنه الحديث والفقه .

وكذا ذكر هذه الحدود الماوردي صاحب الحاوي في كتابه الأحكام السلطانية وكذا ذكرها المصنف وأصحابنا في كتب المذهب ، إلا أن عبارة بعضهم أوضح من بعض ، لكن الأزرقي قال في حده من طريق الطائف أحد عشرة ميلا ، والذي قاله الجمهور سبعة فقط ، بتقديم السين على الباء ، وفي هذه الحدود ألفاظ غريبة ينبغي ضبطها فقولهم : بيوت نفار هو - بكسر النون وبالفاء - وقولهم أضاة لبن - بفتح الهمزة وبالضاد المعجمة - على وزن القناة ، وهي مستنقع الماء ، ( وأما ) لبن - فبلام مكسورة ثم باء موحدة ساكنة - كذا ضبطها الإمام الحافظ أبو بكر الحازمي المتأخر في كتابه المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن ، ( وقولهم ) : الأعشاش هو - بفتح الهمزة وبشينين معجمتين - جمع عش ( وقولهم ) في جدة من جهة الجعرانة تسعة أميال هو بتقديم التاء على السين ، ( وأما ) الحدود الثلاثة الباقية فإنها بتقديم السين .

( واعلم ) أن الحرم عليه علامات منصوبة في جميع جوانبه ذكر الأزرقي . [ ص: 463 ] وغيره بأسانيدهم أن إبراهيم الخليل عليه السلام علمها ، ونصب العلامات فيها وكان جبريل عليه السلام يريه مواضعها ، ثم أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بتحديدها ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية رضي الله عنهم . وهي إلى الآن بينة ولله الحمد ، قال الأزرقي في آخر كتاب مكة : أنصاب الحرم التي على رأس الثنية ما كان من وجوهها في هذا الشق فهو حرم ، وما كان في ظهرها فهو حل قال : وبعض الأعشاش في الحل وبعضه في الحرم .



( المسألة الثانية ) حكى الماوردي خلافا للعلماء في أن مكة مع حرمتها ، هل صارت حرما آمنا بقول إبراهيم عليه السلام ؟ أم كانت قبله كذلك ؟ فمنهم من قال : لم تزل حرما ، ومنهم من قال : كانت مكة حلالا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد ، وإنما صارت حرما بدعوته ، كما صارت المدينة حرما بتحريم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانت حلالا ، واحتج هؤلاء بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جملة حديث طويل : { اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما ، وإني حرمت المدينة حراما مأزميها أن لا يراق فيها دم ، ولا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف } " رواه مسلم في آخر كتاب الحج من صحيحه ، وفي رواية لمسلم عن أبي سعيد أيضا أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { إني حرمت ما بين لابتي المدينة كما حرم إبراهيم مكة } " وعن جابر رضي الله عنه قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن إبراهيم حرم مكة ، وإني حرمت المدينة ، ما بين لابتيها لا يعضد عضاهها ولا يصاد صيدها } " رواه مسلم .

وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم المدينة ، وما بين لابتيها } " رواه البخاري ومسلم هذا لفظ البخاري ، ولفظ مسلم ، وفي رواية للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشرف على المدينة قال : " { اللهم إني أحرم ما بين جبليها ، مثل [ ص: 464 ] ما حرم به إبراهيم مكة } " . وعن رافع بن خديج قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها ، يريد المدينة } " رواه مسلم .

وعن عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " { إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة } " رواه البخاري ومسلم .

واحتج القائلون بأن تحريمها لم يزل من حين خلق الله السموات والأرض بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة : " { هذا بلد حرمه الله - تعالى - يوم خلق السموات والأرض ، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة } " رواه البخاري ومسلم وعن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن مكة حرمها الله ، ولم يحرمها الناس } رواه البخاري ومسلم ، ومن قال بهذا أجاب عن الأحاديث السابقة بأن إبراهيم عليه السلام أظهر تحريمها بعد أن كان خفيا مهجورا لا يعلم ، لا أنه ابتدأه ، ومن قال بالمذهب الأول أجاب عن حديث ابن عباس بأن المراد أن الله - تعالى - كتب في اللوح المحفوظ أو غيره أن مكة سيحرمها إبراهيم ، أو أظهر ذلك للملائكة ، ( والأصح ) من القولين أنها ما زالت محرمة من حين خلق الله - تعالى - السموات والأرض والله أعلم .



( المسألة الثالثة ) مذهبنا أنه يجوز بيع دور مكة وإجاراتها وسائر المعاملات عليها ، وكذا سائر الحرم كما يجوز في غيرها ، وستأتي المسألة مبسوطة بدلائلها وفروعها ، حيث ذكرها الأصحاب في آخر باب ما يجوز بيعه إن شاء الله - تعالى - . ( الرابعة ) مذهبنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة صلحا لا عنوة ، لكن دخلها صلى الله عليه وسلم متأهبا للقتال خوفا من غدر أهلها [ ص: 465 ] وستأتي المسألة بدلائلها وفروعها حيث ذكرها المصنف في كتاب السير والغنائم إن شاء الله - تعالى - . ( الخامسة ) مذهبنا جواز إقامة الحدود والقصاص في الحرم ، سواء كان قتلا أو قطعا ، سواء كانت الجناية في الحرم أو خارجه ، ثم لجأ إليه وستأتي المسألة بأدلتها وفروعها حيث ذكرها المصنف في آخر باب استيفاء القصاص إن شاء الله - تعالى -



( السادسة ) في الأحكام التي يخالف الحرم فيها غيره من البلاد ، وهي كثيرة ، نذكر منها أطرافا : ( أحدها ) أنه ينبغي أن لا يدخله أحد إلا بإحرام ، وهل ذلك واجب أم مستحب ؟ فيه خلاف سبق ( الأصح ) مستحب ( الثاني ) يحرم صيده على جميع الناس حتى أهل الحرم والمحلين ، ( الثالث ) يحرم شجره وخلاه ، ( الرابع ) منع إخراج ترابه وأحجاره ، وهل هو منع كراهة أو تحريم فيه الخلاف السابق ، ( الخامس ) أنه يمنع كل كافر من دخوله مقيما كان أو مارا هذا مذهبنا ومذهب الجمهور ، وجوزه أبو حنيفة ما لم يستوطنه ، وستأتي المسألة بأدلتها وفروعها حيث ذكرها المصنف في كتاب الجزية إن شاء الله - تعالى - ( السادس ) لا تحل لقطته لمتملك ، ولا تحل إلا لمنشد ، هذا هو المذهب ، وفيه وجه ضعيف ، ( السابع ) تغليظ الدية بالقتل فيه ، ( الثامن ) تحريم دفن المشرك فيه ويجب نبشه منه ، ( التاسع ) تخصيص ذبح دماء الجزاءات في الحج والهدايا ، ( العاشر ) لا دم على المتمتع والقارن إذا كان من أهله ، ( الحادي عشر ) لا يكره صلاة النفل التي لا سبب لها في وقت من الأوقات في الحرم سواء في مكة وسائر الحرم ، وفيما عدا مكة وجه شاذ سبق بيانه في بابه .

( الثاني عشر ) إذا نذر قصده لزمه الذهاب إليه بحج أو عمرة ، بخلاف غيره من المساجد فإنه لا يجب الذهاب إليه إذا نذره ، إلا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى على أحد القولين فيهما [ ص: 466 ] الثالث عشر ) إذا نذر النحر وحده بمكة لزمه النحر بها ، وتفرقة اللحم على مساكين الحرم ، ولو نذر ذلك في بلد آخر لم ينعقد نذره في أصح الوجهين .

( الرابع عشر ) يحرم استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط في الصحراء . ( الخامس عشر ) تضعيف الأجر في الصلوات بالمسجد الحرام ، وكذا سائر الطاعات ، ( السادس عشر ) يستحب لأهل مكة أن يصلوا العيد في المسجد الحرام ، ( أما ) غيرهم فهل الأفضل صلاتهم في مسجدهم ؟ أم في الصحراء ؟ فيه خلاف سبق في باب صلاة العيد ( السابع عشر ) لا يجوز إحرام المقيم في الحرم بالحج خارجه .



( المسألة السابعة ) مكة عندنا أفضل الأرض ، وبه قال علماء مكة والكوفة وابن وهب وابن حبيب المالكيان وجمهور العلماء ، قال العبدري : هو قول أكثر الفقهاء ، وهو مذهب أحمد في أصح الروايتين عنه وقال مالك وجماعة : المدينة أفضل وأجمعوا على أن مكة والمدينة أفضل الأرض . وإنما اختلفوا في أيهما أفضل ، دليلنا حديث عبد الله بن عدي ابن الحمراء رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على راحلته بمكة يقول لمكة : { والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت } " رواه الترمذي والنسائي وغيرهما ، ذكره الترمذي في جامعه في كتاب المناقب وقال : هذا حديث حسن صحيح وسنزيد المسألة بسطا وإيضاحا إن شاء الله - تعالى - حيث ذكرها المصنف في كتاب النذر ، فيمن نذر الهدي إلى أفضل البلاد .

وعن ابن الزبير : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي } " حديث حسن رواه أحمد في مسنده ، والبيهقي بإسناد حسن . ونقل القاضي عياض في آخر كتاب الحج من شرح صحيح مسلم إجماع المسلمين على أن موضع قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الأرض ، وأن الخلاف فيما سواه .



[ ص: 467 ] الثامنة ) يكره حمل السلاح بمكة لغير حاجة . لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يحل أن يحمل السلاح بمكة } " رواه مسلم .



( التاسعة ) قال أصحابنا : من فروض الكفاية أن تحج الكعبة في كل سنة فلا تعطل وليس لعدد المحصلين لهذا الغرض قدر متعين ، بل الغرض وجود حجها كل سنة من بعض المكلفين ، وستأتي المسألة مبسوطة في أول كتاب السير حيث ذكر الشافعي والمزني والأصحاب فروض الكفاية إن شاء الله - تعالى - . ( العاشرة ) عن أبي ذر رضي الله عنه قال : " { سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض قال : المسجد الحرام ، قلت : ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى قلت : كم بينهما ؟ قال أربعون عاما } رواه البخاري ومسلم



( الحادية عشر ) قال الماوردي في الأحكام السلطانية في خصائص الحرم : لا يحارب أهله فإن بغوا على أهل العدل فقد قال بعض الفقهاء : يحرم قتالهم بل يضيق عليهم حتى يرجعوا عن البغي ، ويدخلوا في أحكام أهل العدل ، قال : وقال : جمهور الفقهاء : يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال ، لأن قتال البغاة من حقوق الله - تعالى - التي لا تجوز إضاعتها ، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها . هذا كلام الماوردي ، وهذا الذي نقله عن أكثر الفقهاء هو الصواب ، وقد نص عليه الشافعي في كتاب اختلاف الحديث من كتب الأم ونص عليه الشافعي في آخر كتابه المسمى بسير الواقدي من كتب الأم .

وقال القفال المروزي ، في كتابه شرح التلخيص في أول كتاب النكاح في ذكر الخصائص : لا يجوز القتال بمكة ، قال : حتى لو تحصن جماعة من الكفار فيها لم يجز لنا قتالهم فيها ، وهذا الذي قاله القفال غلط نبهت عليه لئلا يغتر به .

[ ص: 468 ] فإن قيل ) : فقد ثبت عن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي بعد يوم فتح مكة يقول : { إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له : إن الله قد أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ثم عادت اليوم كحرمتها بالأمس ، وليبلغ الشاهد الغائب } " رواه البخاري ومسلم . وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بمعناه في تحريم القتال بمكة ، وأنها لم يحل القتال بها إلا ساعة للنبي صلى الله عليه وسلم ( فالجواب ) أن معنى الحديث تحريم نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعم كالمنجنيق وغيره ، إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك ، بخلاف ما إذا تحصن كفار في بلد آخر ، فإنه يجوز قتالهم على كل وجه وبكل شيء ، وقد نص الشافعي رضي الله عنه على هذا التأويل في آخر كتابه المعروف بسير الواقدي من كتب الأم والله أعلم .



( الثانية عشرة ) سدانة الكعبة وحجابتها هي ولايتها وخدمتها وفتحها وإغلاقها ونحو ذلك ، وهذا حق مستحق لبني طلحة الحجبيين من بني عبد الدار بن قصي ، اتفق العلماء على هذا ، وممن نقله عن العلماء القاضي عياض في أواخر كتاب الحج من شرح صحيح مسلم ، وذكرته أنا هناك في شرح صحيح مسلم ، وأوضحته بدليله ، قال العلماء فهي ولاية لهم عليها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبقى دائمة أبدا ولهم ولذرياتهم ، لا تحل لأحد منازعتهم فيها ما داموا موجودين صالحين لذلك ، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { كل مأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت } " .



( فرع ) ذكر العلماء أن الكعبة الكريمة بنيت خمس مرات : ( إحداها ) [ ص: 469 ] بنتها الملائكة قبل آدم ، وحجها آدم فمن بعده من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ، ( الثانية ) بناها إبراهيم صلى الله عليه وسلم قال الله - تعالى - : { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت } وقال تعالى : { وإذ يرفع إبراهيم [ ص: 470 ] القواعد من البيت } الآية ، ( الثالثة ) بنتها قريش في الجاهلية ، وحضر النبي صلى الله عليه وسلم هذا البناء قبل النبوة ، ثبت ذلك في الصحيحين ، وكان له صلى الله عليه وسلم حينئذ خمس وعشرون سنة ، وقيل : خمس وثلاثون ، ( الرابعة ) بناها ابن الزبير ثبت ذلك في الصحيحين ، ( الخامسة ) بناها الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك بن مروان ، ثبت ذلك في الصحيح ، واستقر بناؤها الذي بناه الحجاج إلى الآن ، وقيل : إنها بنيت مرتين أخرتين قبل بناء قريش ، وقد أوضحته في كتاب المناسك الكبير ، [ ص: 471 ] قال القاضي أبو الطيب في تعليقه في باب دخول مكة في آخر مسألة افتتاح الطواف بالاستلام : قال الشافعي : أحب أن تترك الكعبة على حالها فلا تهدم ; لأن هدمها يذهب حرمتها ، ويصير كالتلاعب بها ، فلا يريدون بتغييرها إلا هدمها فلذلك استحببنا تركها على ما هي عليه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث