الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة ما ذبحه أو نحره يهودي أو نصراني أو مجوسي

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

مسألة : وكل ما ذبحه ، أو نحره يهودي ، أو نصراني ، أو مجوسي - نساؤهم ، أو رجالهم - : فهو حلال لنا ، وشحومها حلال لنا إذا ذكروا اسم الله تعالى عليه . ولو نحر اليهودي بعيرا أو أرنبا حل أكله ، ولا نبالي ما حرم عليهم في التوراة وما لم يحرم . وقال مالك : لا يحل أكل شحوم ما ذبحه اليهودي ، ولا ما ذبحوه مما لا يستحلونه - وهذا قول في غاية الفساد ، لأنه خلاف القرآن ، والسنن ، والمعقول . [ ص: 144 ] أما القرآن فإن الله تعالى يقول : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم } ] . وقد اتفقنا على أن المراد بذلك ما ذكوه ، لا ما أكلوه ، لأنهم يأكلون الخنزير ، والميتة ، والدم ، ولا يحل لنا شيء من ذلك بإجماع منهم ومنا ، فإذ ذلك كذلك فلم يشترط الله تعالى ما أكلوه مما لم يأكلوه {وما كان ربك نسيا } .

وأما القرآن ، والإجماع : فقد جاء القرآن ، وصح الإجماع بأن دين الإسلام نسخ كل دين كان قبله ، وأن من التزم ما جاءت به التوراة أو الإنجيل ، ولم يتبع القرآن فإنه كافر مشرك ، غير مقبول منه ، فإذ ذلك كذلك فقد أبطل الله تعالى كل شريعة كانت في التوراة ، والإنجيل ، وسائر الملل ، وافترض على الجن ، والإنس : شرائع الإسلام ، فلا حرام إلا ما حرم فيه ، ولا حلال إلا ما حلل فيه ، ولا فرض إلا ما فرض فيه - ومن قال في شيء من الدين خلاف هذا فهو كافر بلا خلاف من أحد من الأئمة . وأما السنة : فقد ذكرنا في كتاب الجهاد من كتابنا هذا من حديث جراب الشحم المأخوذ في خيبر فلم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من أكله ، بل أبقاه لمن وقع له من المسلمين . وروينا من طريق أبي داود الطيالسي نا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال العدوي سمعت { عبد الله بن مغفل يقول دلي جراب من شحم يوم خيبر فأخذته والتزمته فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو لك } . والخبر المشهور من طريق شعبة عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك { أن يهودية أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة فأكل منها } ولم يحرم عليه السلام منها لا شحم بطنها ولا غيره . وأما المعقول : فمن المحال الباطل أن تقع الذكاة على بعض شحم الشاة دون بعض ، وما نعلم لقولهم ههنا حجة أصلا ، لا من قرآن ، ولا من سنة صحيحة ، ولا رواية سقيمة ، ولا قياس . والعجب أنهم يسمعون الله تعالى يقول : { وطعامكم حل لهم } ومن طعامنا الشحم ، والجمل ، وسائر ما يحرمونه أو حرمه الله تعالى عليهم على لسان موسى ، ثم نسخه وأبطله وأحله على لسان عيسى ومحمد عليهما السلام بقوله تعالى عن عيسى [ ص: 145 ] { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } .

وبقوله تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم : { النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } . وبقوله تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } ثم يصرون على تحريم ما يحرمونه مما هم مقرون بأنه حلال لهم ويسألون عن الشحم والجمل أحلال هما اليوم لليهود أم هما حرام عليهم إلى اليوم ؟ فإن قالوا : بل هو حرام عليهم إلى اليوم كفروا ، بلا مرية ; إذ قالوا : إن ذلك لم ينسخه الله تعالى . وإن قالوا : بل هما حلال صدقوا ولزمهم ترك قولهم الفاسد في ذلك . ونسألهم عن يهودي مستخف بدينه يأكل الشحم فذبح شاة . أيحل لنا أكل شحمها لاستحلال ذابحها له أم يحرم علينا تحقيقا في اتباع دين اليهود دين الكفر ودين الضلال ؟ ولا بد من أحدهما ، وكلاهما خطة خسف . ويلزمهم أن لا يستحلوا أكل ما ذبحه يهودي يوم سبت ولا أكل حيتان صادها يهودي يوم سبت ، وهذا مما تناقضوا فيه . وقد روينا عن عمر بن الخطاب ، وعلي ، وابن مسعود ، وعائشة أم المؤمنين ، وأبي الدرداء ، وعبد الله بن يزيد ، وابن عباس ، والعرباض بن سارية : وأبي أمامة ، وعبادة بن الصامت ، وابن عمر : إباحة ما ذبحه أهل الكتاب دون اشتراط لما يستحلونه مما لا يستحلونه .

وكذلك عن جمهور التابعين كإبراهيم النخعي ، وجبير بن نفير ، وأبي مسلم الخولاني ، وضمرة بن حبيب ، والقاسم بن مخيمرة ، ومكحول ، وسعيد بن المسيب ، ومجاهد ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، والحسن ، وابن سيرين ، والحارث العكلي ، وعطاء ، والشعبي ، ومحمد بن علي بن الحسين ، وطاوس ، وعمرو بن الأسود ، وحماد بن أبي سليمان ، وغيرهم ، لم نجد عن أحد منهم هذا القول إلا عن قتادة - ثم عن مالك ، وعبيد الله بن الحسن . [ ص: 146 ] وهذا مما خالفوا فيه طائفة من الصحابة لا مخالف لهم منهم وخالفوا فيه جمهور العلماء . وقولنا هو قول سفيان الثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعد ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأبي سليمان ، وأحمد ، وإسحاق ، وأصحابهم .

وأما المجوس : فقد ذكرنا في كتاب الجهاد أنهم أهل كتاب فحكمهم كحكم أهل الكتاب في كل ذلك : فإن ذكروا : ما روينا من طريق وكيع عن سفيان عن قيس بن مسلم الجدلي عن الحسن بن محمد { كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس من أهل هجر يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم قبل منه ومن لم يسلم ضربت عليه الجزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح منهم امرأة } فهذا مرسل ولا حجة في مرسل . نا حمام نا عبد الله بن محمد الباجي نا أحمد بن مسلم نا أبو ثور إبراهيم بن خالد نا عبد الوهاب عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن رجل مريض أمر مجوسيا أن يذبح ويسمي ، ففعل ذلك ؟ فقال سعيد بن المسيب : لا بأس بذلك - وهو قول قتادة ، وأبي ثور قال أبو محمد : لم يفسح الله تعالى في أخذ الجزية من غير كتابي ، وأخذها النبي صلى الله عليه وسلم من المجوس وما كان ليخالف أمر ربه تعالى . فإن ذكروا قول الله تعالى : { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين } . قلنا : إنما قال الله تعالى هذا بنص الآية نهيا عن هذا القول لا تصحيحا له ; وقد قال تعالى : { ورسلا لم نقصصهم عليك } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث