الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في آداب القضاء وغيرها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( وإذا حكم باجتهاد ) وهو من أهله ، أو باجتهاد مقلده ( ثم بان ) أن ما حكم به ( خلاف نص الكتاب ، أو السنة ) المتواترة ، أو الآحاد ( أو ) بان خلاف ( الإجماع ) ، ومنه ما خالف شرط الواقف ( أو ) خلاف ( قياس جلي ) ، وهو ما يعم الأولى ، والمساوي قال القرافي : أو خالف القواعد الكلية قالت الحنفية : أو كان حكما لا دليل عليه أي : قطعا فلا نظر ؛ لما بنوه على ذلك من النقض في مسائل كثيرة قال بها غيرهم لأدلة عنده . قال السبكي : أو خالف المذاهب الأربعة ؛ لأنه كالمخالف للإجماع أي : لما يأتي عن ابن الصلاح ( نقضه ) أي : أظهر بطلانه وجوبا ، وإن لم يرفع إليه ( هو وغيره ) بنحو : نقضته أو أبطلته ، أو فسخته إجماعا في مخالف الإجماع وقياسا في غيره ، والمراد بالنص هنا الظاهر على ما في المطلب عن النص لا معناه الحقيقي ، وهو ما لا يحتمل غيره ، ويؤيده قول السبكي : فمتى بان الخطأ قطعا ، أو ظنا نقض الحكم قال : أما مجرد التعارض لقيام بينة بعد الحكم ، بخلاف ما قامت به البينة التي حكم بها فلا نقل فيه . والذي يترجح أنه لا نقض فيه وأطال في تقريره وكأن هذا مبني على ما يأتي عنه قبيل فصل القائف مع بيان أن الحق في ذلك أنه إن قطع بما يوجب بطلان الحكم الأول أبطل وإلا فلا على أنهم صرحوا بتبين بطلانه إذا بان فسق شاهده أو رجوعه ، أو نحو ذلك ، لكن لا يرد هذا على السبكي ؛ لأن هذا ليس معارضا بل رافعا وشتان ما بينهما .

ويدخل في قوله : باجتهاد خلافا لمن أورده عليه ما لو حكم بنص ، ثم بان نسخه أو خروج تلك الصورة عنه بدليل . وينقض أيضا حكم مقلد بما يخالف نص إمامه ؛ لأنه بالنسبة إليه كنص الشارع بالنسبة للمجتهد كما في أصل الروضة واعتمده المتأخرون وألحق به الزركشي [ ص: 145 ] حكم غير متبحر بخلاف المعتمد عند أهل المذهب أي : لأنه لم يرتق عن رتبة التقليد وحكم من لا يصلح للقضاء ، وإن وافق المعتمد أي : ما لم يكن قاضي ضرورة ؛ لما مر أنه ينفذ حكمه بالمعتمد في مذهبه . ونقل القرافي وابن الصلاح الإجماع على أنه لا يجوز الحكم ، بخلاف الراجح في المذهب . وبعدم الجواز وصرح السبكي في مواضع من فتاويه في الوقف وأطال وجعل ذلك من الحكم ، بخلاف ما أنزل الله ؛ لأن الله أوجب على المجتهدين أن يأخذوا بالراجح وأوجب على غيرهم تقليدهم فيما يجب عليهم العمل به ، وبه يعلم أن مراد الأولين بعدم الجواز عدم الاعتداد به فيجب نقضه كما علم مما مر عن أصل الروضة قال ابن الصلاح وتبعوه : وينفذ حكم من له أهلية الترجيح إذا رجح قولا ولو مرجوحا في مذهبه بدليل جيد وليس له أن يحكم بشاذ ، أو غريب في مذهبه إلا إن ترجح عنده ولم يشرط عليه التزام مذهب باللفظ ، أو العرف كقوله : على قاعدة من تقدمه قال : ولا يجوز إجماعا تقليد غير الأئمة الأربعة في قضاء ، ولا إفتاء ، بخلاف غيرهما . ا هـ .

وسبقه إلى صحة ذلك الاستثناء الماوردي وخالفه ابن عبد السلام . ومر آنفا لذلك مزيد قال البغوي : ولو حكم حاكم بالصحة في قضية من بعض وجوه اشتملت عليها فلمخالفه الحكم بفسادها من وجه آخر كصغيرة زوجها غير مجبر بغير كفء ويلزمه التسجيل بالنقض إن سجل بالمنقوض قاله الماوردي قال السبكي : ومتى نقض حكم غيره سئل عن مستنده وقولهم : لا يسأل القاضي عن مستنده محله إذا لم يكن حكمه نقضا أي ومحله أيضا إذا لم يكن فاسقا ، أو جاهلا كما مر أول الباب . ( لا ) ما بان خلاف قياس ( خفي ) ، وهو ما لا يبعد احتمال الفارق فيه كقياس الذرة على البر في الربا بجامع الطعم فلا ينقضه لاحتماله .

التالي السابق


حاشية الشرواني

( قول المتن : وإذا حكم باجتهاد إلخ ) تنبيه ما يقضي به القاضي ، ويفتي به المفتي الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس ، وقد يقتصر على الكتاب ، والسنة ، ويقال : الإجماع يصدر عن أحدهما ، والقياس يرد إلى أحدهما . وليس قول الصحابي إن لم ينتشر في الصحابة حجة ؛ لأنه غير معصوم من الخطأ ، لكن يرجح به أحد القياسين على الآخر فإذا كان ليس بحجة فاختلاف الصحابة في شيء كاختلاف سائر المجتهدين ، فإن انتشر قول الصحابي في الصحابة ، ووافقوه فإجماع حتى في حقه فلا يجوز له كغيره مخالفة الإجماع ، فإن سكتوا فحجة إن انقرضوا ، وإلا فلا لاحتمال أن يخالفوه لأمر يبدو لهم ، والحق مع أحد المجتهدين في الفروع قال صاحب الأنوار : وفي الأصول ، والآخر مخطئ مأجور لقصده الصواب مغني وروض مع شرحه .

( قوله : أو باجتهاد مقلده ) كان ينبغي حذفه ، أو زيادة ، أو نص إمامه بعد ، أو الآحاد . ( قوله : إن ما حكم به ) هذا التقدير بغير إعراب المتن وقدر المغني حكمه وهو أخصر وأسلم . ( قوله : بان ) الأسبك حذفه . ( قوله : أي قطعا ) أي : انتفى الدليل عليه انتفاء قطعيا . ( قوله : فلا نظر لما بنوه على ذلك من النقض ) أي فلا ينفذ هذا النقض ؛ لعدم القطع بانتفاء الدليل . ( قوله : عنده ) أي : الغير . ا هـ . نهاية . ( قوله أي : أظهر بطلانه ) عبارة الأسنى والمغني وفي تعبيرهم بنقض وانتقض مسامحة إذ المراد بان أن الحكم لم يصح من أصله نبه عليه ابن عبد السلام . ا هـ .

( قوله : وجوبا ) إلى قوله : والمراد في المغني . ( قوله : وإن لم يرفع إليه ) وعليه إعلام الخصمين بانتقاضه في نفس الأمر روض ومغني . ( قوله : بنحو نقضته إلخ ) ولو قال : هذا باطل ، أو ليس بصحيح فوجهان وينبغي أن يكون نقضا . ا هـ . مغني . ( قوله : الظاهر ) يعني ما يشمل الظاهر ( قوله : أو ظنا ) هو محط التأييد . ( قوله : وكان هذا ) أي : قول السبكي : والذي يترجح إلخ ( قوله : مع بيان إلخ ) أي : من الشارح . ( قوله : في ذلك ) أي التعارض المذكور . ( قوله : بتبين بطلانه ) أي : الحكم . ( قوله : لا يرد هذا ) أي : تصريحهم المذكور ( قوله : لأن هذا ) أي : نحو تبين فسق شاهد الحكم .

( قوله : بل رافعا ) الأولى رفع الرافع ( قوله : وينقض ) إلى قوله : لما مر في المغني إلا قوله : أي : لأنه إلى وحكم من إلخ ( قوله : حكم مقلد ) أي : ولي للضرورة . ا هـ . مغني وتقدم في الشارح والنهاية ولو لغير ضرورة فمتى ولاه الإمام ينفذ حكمه ولو مع وجود مجتهد صالح [ ص: 145 ] قوله : حكم غير متبحر ) وسيأتي حكم المتبحر في قوله قال ابن الصلاح : وتبعوا إلخ ( قوله : وحكم من لا يصلح إلخ ) عبارة المغني والأسنى ولو قضى بصحة النكاح بلا ولي وبشهادة من لا تقبل شهادته كفاسق لم ينقض حكمه كمعظم المسائل المختلف فيها ( تنبيه )

هذا كله في الصالح للقضاء ، أما من لم يصلح له فإن أحكامه تنقض ، وإن أصاب فيها ؛ لأنها صدرت ممن لا ينفذ حكمه ، ويؤخذ من ذلك أنه لو ولاه ذو شوكة بحيث ينفذ حكمه مع الجهل ، أو نحوه أنه لا ينقض ما أصاب فيه وهو الظاهر كما جرى عليه ابن المقري . ا هـ . ( قوله : فيما يجب عليهم ) أي : المجتهدين . ( قوله : وبه ) أي بكلام السبكي . ( قوله كقوله : ) أي : قول موليه في عقد التولية . ( قوله : من تقدمه ) الأولى الخطاب . ( قوله : قال ) أي : ابن الصلاح . ( قوله : ذلك الاستثناء ) وهو بخلاف غيرهما ( قوله : ومر آنفا ) أي : في الفروع في التقليد .

( قوله : ويلزمه التسجيل إلخ ) أي : ليكون التسجيل الثاني مبطلا للأول كما كان الحكم الثاني ناقضا للحكم الأول . ا هـ . مغني . ( قوله : إن سجل بالمنقوض ) فإن لم يكن قد سجل بالحكم لم يلزمه الإسجال بالنقض ، وإن كان الإسجال به أولى . ا هـ . مغني . ( قوله : حكم غيره ) وكذا حكم نفسه في قاضي الضرورة أخذا مما مر ويأتي . ( قوله : سئل عن مستنده ) لو قال : نقضت بحجة أوجبت النقض شرعا وامتنع من بيان ذلك لم يقبل نقضه أخذا مما مر . ( قوله : كما مر أول الباب ) أي : مع تقييده بما إذا لم ينه موليه عن السؤال . ( قوله : لا ما بان ) إلى قوله : وخبر أمرت في المغني وإلى قوله : وغيره في النهاية إلا قوله : جزم إلى أنكره ( قوله : لاحتماله ) أي : الفارق وهو كثرة الاقتيات في البر دون الذرة ولا يبعد تأثيره في الحكم أي : بنفي الربوية عن الذرة . ا هـ . بجيرمي .

( قوله : فلا ينقضه إلخ ) ولو قضى قاض بصحة نكاح المفقود زوجها بعد أربع سنين ومدة العدة أو بنفي خيار المجلس ، أو بنفي بيع العرايا ، أو بمنع القصاص في القتل بمثقل ، أو بصحة بيع أم الولد ، أو نكاح الشغار ، أو نكاح المتعة ، أو بحرمة الرضاع بعد حولين ، أو نحو ذلك كقتل مسلم بذمي وجريان التوارث بين المسلم ، والكافر نقض قضاؤه كالقضاء باستحسان فاسد وهو أن يستحسن شيء لأمر يهجس في النفس ، أو لعادة الناس من غير دليل ، أو على خلاف الدليل ؛ لأنه يحرم متابعته ، أما إذا استحسن الشيء لدليل يقوم عليه من كتاب ، أو سنة ، أو إجماع أو قياس فيجب متابعته ولا ينقض مغني وروض مع شرحه ونهاية .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث