الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في اللباس في الصلاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 24 ] ( ويحرم المركب من إبريسم ) أي حرير بأي أنواعه كان وأصله ما حل عن الدود بعد موته داخله ( وغيره إن زاد وزن الإبريسم ويحل عكسه ) تغليبا لحكم الأكثر ولو ظنا كما في الأنوار وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما إنما { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت } أي الخالص من الحرير ، وأما العلم أي بفتح العين واللام وهو الطراز وسدى الثوب فلا بأس ( وكذا إن استويا ) وزنا ولو ظنا ( في الأصح ) إذ لا يسمى ثوب حرير ولا عبرة بالظهور مطلقا خلافا لجمع متقدمين ، ولو شك في الاستواء فالأصل الحل على الأوجه خلافا لبعض نسخ الأنوار وصريح كلام الإمام ويفرق بين النظر للظن في الأولين على ما فيه وعدم النظر إليه في معاملة من أكثر ماله حرام بأن هناك قرينة شرعية دالة على الملك وهي اليد فلم يؤثر الظن معها بل ولا اليقين إذا لم تعرف عين الحرام بخلاف ما هنا

ويظهر منع اجتهاده مع تيسر سؤال خبيرين ولو عدلي رواية عن الأكثر وقضية المتن أن صورة العكس لا خلاف فيها أي يعتد به فلا يكره لبسه وإن قال الجويني المذهب تحريمه لمخالفته للحديث الصحيح بخلاف المستوي الأولى اجتنابه لقوة الخلاف فيه ( ويحل ما طرز ) أو رقع بحرير خالص وهو أعني الطراز [ ص: 25 ] ما يركب على الكمين مثلا للخبر المذكور لكن المعتمد كما في الروضة والمجموع وغيرهما أنه يشترط أن يكون قدر أربع أصابع مضمومة أي معتدلة لخبر مسلم { أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع } قال الحليمي والجويني ويشترط أن لا يزيد مجموع الطرازين على أربع أصابع وخالفهما صاحب الكافي فقال لو كان في طرفي العمامة علم كل واحد أربع أصابع احتمل وجهين والأصح الجواز لانفصالهما وحكم الكمين حكم طرفي العمامة ا هـ . وعبارة الروضة والمجموع كالخبر محتملة لكل من المقالتين لكنها إلى الثاني أقرب فالشرط أن لا يزيد المجموع على ثمانية أصابع وإن زاد على طرازين وما اقتضاه قول الكافي لانفصالهما أن علمي العمامة طرازان منفصلان عنها يجعلان عليها وأنهما حلالان كطرازي الكمين غير بعيد ، وأما اغتفار التعدد في التطريز والترقيع مطلقا بشرط أن لا يزيد كل على أربع ولا المجموع على وزن الثوب [ ص: 26 ] فبعيد مخالف لكل من كلام هؤلاء والروضة والمجموع ، وكذا قول الجيلي وغيره يجوز كل منهما وإن تعددا ما لم يزد وزن الحرير على غيره ، وأفتى ابن عبد السلام بأنه لا بأس باستعمال عمامة في طرفيها حرير قدر شبر إلا أن بين كل قدر أربع أصابع منها فرق قلم من كتان أو قطن . قال الغزي وهذا بناء منه على اعتبار العادة فيه ا هـ فالمراد أن ذلك في حكم التطريف وإنما تقيد بالأربع على الوجه المذكور ؛ لأن العادة كانت كذلك فإذا تغيرت اتبعت لما يأتي ، وصورة المسألة كما هو ظاهر أن السدى حرير وأنه أقل وزنا من اللحمة وأنه لحمها بحرير في طرفيها ولم يزد به وزن السدى ، فإذا كان الملحوم بحرير أشبه التطريف أما التطريز بالإبرة فكالنسج فيعتبر الأكثر وزنا منه ومما طرز فيه كما بحثه السبكي والإسنوي قال نعم قد يحرم في بعض النواحي لكونه من لباس النساء عند من قال بتحريم التشبه أي تشبه النساء بالرجال وعكسه وهو الأصح وما أفاده من أن العبرة في لباس وزي كل من النوعين حتى يحرم التشبه به فيه بعرف كل ناحية حسن وقول الأذرعي الظاهر أن التطريز بالإبرة كالطراز بعيد وإن تبعه غيره ( أو طرف ) أي سجف ظاهره أو باطنه ( بحرير قدر العادة ) [ ص: 27 ] الغالبة لأمثاله في كل ناحية للخبر الصحيح { أنه صلى الله عليه وسلم كانت له جبة مكفوفة الفرجين والكمين بالديباج } وفارق ما مر في الطراز بأنه محل حاجة وقد يحتاج لأكثر من أربع أصابع بخلاف التطريز فإنه مجرد زينة فتقيد بالوارد ، ويجوز لبس الثوب المصبوغ بأي لون كان إلا المزعفر فحكمه : - وإن لم يبق للونه ريح ؛ لأن الحرمة للونه لا لريحه ؛ لأنه لا حرمة فيه أصلا إذ لا يتصور فيه تشبه ؛ لأن النساء لم يتميزن بنوع منه بخلاف اللون - حكم الحرير فيما مر حتى لو صبغ به أكثر الثوب حرم ، وكذا المعصفر على ما صحت به الأحاديث واختاره البيهقي وغيره ولم يبالوا بنص الشافعي على حله تقديما للعمل بوصيته ولا بكون جمهور العلماء سلفا وخلفا على حله لأحاديث تقتضيه بل تصرح به كخبر { كان يصبغ ثيابه بالزعفران قميصه ورداءه وعمامته }

قال الزركشي عن البيهقي وللشافعي نص بحرمته فيحمل على ما بعد النسج ، والأول على ما قبله وبه تجتمع الأحاديث الدالة على حله والدالة على حرمته ، ويرد بمخالفته لإطلاقهم الصريح في الحرمة مطلقا وله وجه وجيه وهو أن المصبوغ بالعصفر من لباس النساء المخصوص بهن فحرم للتشبه بهن كما أن المزعفر كذلك ، وإنما جرى الخلاف في المعصفر دون المزعفر ؛ لأن الخيلاء والتشبه فيه أكثر منهما في المعصفر ويؤيده أن الزركشي لم يفرق فيه بين ما قبل النسج وبعده كما فرق في المعصفر ، واختلف في الورس فألحقه جمع متقدمون بالزعفران واعترض بأن قضية كلام الأكثرين حله ( قوله : والتأنيث باعتبار ) كذا بأصل الشيخ رحمه الله ولا تأنيث إذا جعل تقيد ماضيا ، ومع ذلك سقط بعد باعتبار شيء ولعل الساقط الصنعة وقلمه سبق من المضارع إلى الماضي في قوله بصيغة الماضي والله أعلم ا هـ من هامش . [ ص: 28 ] وفي شرح مسلم عن عياض والمازري صح { أنه صلى الله عليه وسلم كان يصبغ ثيابه بالورس حتى عمامته } واعتمده جمع متأخرون وقضية قول الشافعي ينهى الرجل حلالا أن يتزعفر ، فإن فعل أمرناه بغسله : حرمة استعمال الزعفران في البدن وبه صرح جمع متأخرون للحديث الصحيح { نهى أن يتزعفر الرجل } وسبقهم لذلك البيهقي حيث قال ورد عن ابن عمر أنه صفر لحيته بالزعفران ، فإن صح احتمل أن يكون مستثنى ، غير أن حديث نهي الرجل عن الزعفران مطلقا أصح ا هـ فهو مصرح حتى بحرمة استعماله في اللحية لكن حمله جمع على الكراهة لحديث أبي داود وغيره { أنه صلى الله عليه وسلم كان يصبغ لحيته بالزعفران والورس } وحمل بعض العلماء الحل على نحو اللحية والنهي على ما عداها من البدن ، وبعضهم النهي على المحرم والحل على غيره ، ويؤيد الحل جزم التحقيق بكراهة التطلي بالخلوق وهو طيب من زعفران وغيره ، فلو حرم الزعفران لحرم هذا أو فصل بين كونه غالبا أو مغلوبا على أن المقصود من الخلوق هو الزعفران فتجويزه تجويز للزعفران إذ الفرض بقاء لونه المقصود منه ، ويؤخذ من قول البيهقي غير إلى آخره أنه لا يرد على حرمة المزعفر الأحاديث المصرحة بحل لبسه ؛ لأن الأحاديث الدالة على حرمته أصح ، ويحل أيضا زر الجيب وما جاء عن ابن عمر وغيره مما يصرح بحرمته لعله رأي لهما ، وكيس نحو الدراهم ، وإن حمله وغطاء العمامة وليقة الدواة على الأوجه في الكل خلافا لمن نازع في الثانية ، والثالثة فقد مر حل رأس الكوز من فضة لانفصاله فلا يعد مستعملا له فكذا هاتان أيضا بالأولى ومن هنا أخذ الإسنوي أن ضابط الاستعمال المحرم هنا وفي إناء النقد أن يكون في بدنه وصرح في المجموع بحل خيط السبحة ، قال جمع نعم لا تحل الشرابة التي برأسها لما فيها من [ ص: 29 ] الخيلاء وألحق بها آخرون البند الذي فيه وكان المراد به العقدة الكبيرة التي فوقها الشرابة وخالف بعضهم فقال بحل ذلك ا هـ .

ولك أن تقول إن كانت العلة في خيط السبحة عدم الخيلاء كما في كلام المجموع حرما لما فيهما من الخيلاء أو عدم مباشرته بالاستعمال كالصور التي قبله جاز أو هو الأوجه وأي فرق بينهما وبين كيس الدراهم ، وإن كان يحمل في العمامة ويباشر في أخذها منه ؛ لأن ذلك لا يسمى استعمالا له في البدن ، والمحرم هو الاستعمال فيه لا غير ، ويحرم خلافا لكثيرين كتابة الرجل لا المرأة قطعا خلافا لمن وهم فيه الصداق فيه ولو لامرأة ؛ لأن المستعمل حال الكتابة هو الكاتب كذا أفتى به المصنف ونقله عن جماعة من أصحابنا ونوزع فيه بما لا يجدي ، وإن خالف فيه آخرون ويفرق بين هذا وخياطة ونقش ثوب حرير لامرأة بأن الخياطة لا استعمال فيها بوجه ، وكذا النقش بخلاف الكتابة ، فإنها تعد استعمالا للمكتوب فيه عرفا ؛ لأن القصد حفظه لما كتب فيه فهو كالظرف له بخلاف النقش ، [ ص: 30 ] نعم يشكل على هذا ما مر أن شرط الاستعمال المحرم أن يكون في البدن ، والكاتب غير مستعمل له في بدنه ، اللهم إلا أن يدعى أن العرف يعده مستعملا للمكتوب بيده وفيه ما فيه ،

وقول الماوردي بحل لبس خلع الملوك يحمل على من يخشى الفتنة ولا يدل له إلباس عمر حذيفة أو سراقة رضي الله عنهم سواري كسرى وتاجه ؛ لأنه لبيان المعجزة فهو ضرورة أي ضرورة فأخذ بعضهم منه ككلام الماوردي حل لبس الحرير إذا قل الزمن جدا بحيث انتفى الخيلاء ليس في محله ، ويكره ولو لامرأة تزيين غير الكعبة كمشهد صالح بغير حرير ويحرم به .

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله : ولو شك في الاستواء ) أي وزيادة الحرير ( قوله فالأصل الحل على الأوجه إلخ ) وعلى هذا يفرق بينه وبين مضبب شك في كبر ضبته بالعمل بالأصل فيهما إذ الأصل حل استعمال الإناء قبل تضبيبه وتحريم الحرير لغير المرأة ش م ر ( قوله : ويفرق إلخ ) قضية هذا الفرق حل ما يأخذه من مال من أكثر ماله حرام ، وإن ظن حرمة ذلك المأخوذ بعينه وإلا لم يحتج للفرق وقد يمنع الحل حينئذ .

( قوله ويظهر منع اجتهاده إلخ ) فيه نظر لمخالفته قول الجويني ( قوله : أو رقع ) هذا إذا كان لزينة أما لو كان لحاجة فلو ألحق بالتطريف لم يبعد .

( قوله : [ ص: 25 ] قدر أربع أصابع مضمومة ) ظاهر كلامهم كخبر مسلم المذكور أن المراد قدر الأصابع الأربع طولا وعرضا فقط بأن لا يزيد طول الطراز على طول الأربع ولا عرضه على عرضها ويؤيد إرادة ذلك ما في الخادم عن حكاية بعضهم عن بعض المشايخ أن المراد أصابع النبي صلى الله عليه وسلم وهي أطول من غيرها ا هـ فلولا أن المراد ما ذكرنا لما كان لاعتبار طولها على غيرها معنى ويحتمل أن لا يتقيد الطول بقدر فليتأمل أي في التطريز لا في الترقيع م ر ( قوله : أي معتدلة ) فإن زاد على قدرها امتنع ، وإن لم يزد على وزن الثوب فليس كالنسيج ؛ لأنه للزينة م ر ( قوله : لانفصالهما ) لعل الضمير للطرفين أو ما فيهما ثم رأيت ما ذكره ( قوله : بشرط أن لا يزيد كل على أربع ) أي فلا بد من الفصل بين كل طرازين .

( فرع ) تقطع بعض أجزاء الثوب فرفيت [ ص: 26 ] ينبغي اعتبار الوزن ( قوله : بعيد ) هو المتبادر من تعبيرهم بالتطريز [ ص: 27 ] قوله : وقد يحتاج إلخ ) وقضيته أن الترقيع لو كان لحاجة جازت الزيادة عليها وهو محتمل وإطلاق الروضة يقتضي المنع شرح م ر أقول قد يقال إن الترقيع لحاجة أولى بالجواز من التطريف ؛ لأن الحاجة إليه أتم ونفعه أقوى ( قوله : فإنه مجرد زينة ) قد يتصور فيه الحاجة كالرفو فلعله كالتطريف ( قوله : إلا المزعفر إلخ ) ولو صبغ بعض ثوب بزعفران فهل هو كالتطريف فيحرم ما زاد على الأربعة أصابع أو كالمنسوج من الحرير وغيره فيعتبر الأكثر الأوجه أن المرجع في ذلك إلى العرف فإن صح إطلاق المزعفر عليه عرفا حرم وإلا فلا ، شرح م ر ( قوله : كخبر { كان يصبغ ثيابه بالزعفران } إلخ ) انظره مع أن الكلام في المعصفر [ ص: 28 ] قوله : وكيس نحو الدراهم إلخ ) في شرح م ر أن الأرجح حرمة كيس الدراهم وغطاء العمامة ا هـ وهو منازع في ضابط الإسنوي الآتي .

( فرع )

الوجه حل غطاء الكوز من الحرير ، وإن كان بصورة الإناء إذ استعمال الحرير جائز للحاجة ، وإن كان بصورة الإناء .

( قوله : فقد مر حل رأس الكوز من فضة ) شرطه أن لا يكون على صورة إناء بأن يكون صفيحة وقياسه حل تغطية رأسه بقطعة حرير ليست مخيطة على صورة الإناء بل أولى ؛ لأن باب الحرير أوسع وقد لا تكون مخيطة على صورة الإناء لكن يجعل في أطرافها خيط يزرها لتنعطف أطرافها على رأس الكوز و لا يبعد حلها م ر بل الوجه الحل ، وإن كانت بصورة الإناء ؛ لأنه استعمال لحاجة ( قوله : فكذا هاتان أيضا بالأولى ) قد يفرق بأن تغطية الإناء مطلوبة بخلاف العمامة م ر ( قوله : في يديه ) قضيته جواز ربط الأمتعة وحفظها في ثوب حرير لكن يشكل على هذا الضبط ما تقدم من حرمة ستر الجدار ونحوه به وأن المتبادر من كلامهم حرمة استعمال نحو غرارة الحرير في نقل الأمتعة .

( قوله : وصرح في المجموع بحل خيط السبحة ) ومثل ذلك فيما يظهر الخيط الذي [ ص: 29 ] ينظم فيه أغطية الكيزان من نحو العنبر ، والخيط الذي يعقد عليه المنطقة وهي التي يسمونها الحياصة وأولى بالحل شرح م ر .

( قوله : وخالف بعضهم فقال بحل ذلك ) اعتمده م ر ( قوله : ويحرم خلافا لكثيرين كتابة الرجل ) أي ولو لامرأة ؛ لأن الحرمة للاستعمال وهو الكتابة فلا فرق بين كون المكتوب له رجلا أو امرأة م ر ( قوله لا المرأة ) أي ولو لرجل إلا أن تكون كتابتها سببا لاستعماله بعد ذلك ؛ لأنها حينئذ معينة على معصية م ر ( قوله : لأن المستعمل حال الكتابة هو الكاتب ) المتجه أن ختم الحرير [ ص: 30 ] كالكتابة فيه ؛ لأن استعماله كالكتابة فيه م ر ( قوله : إلا أن يدعى أن العرف يعده مستعملا للمكتوب إلخ ) وعلى ما أشرنا إليه أن قضية كلامهم أن لا تتقيد الحرمة بالبدن لا إشكال هنا ( قوله : يحمل على من يخشى الفتنة ) أي ، وإن طال الزمن م ر وظاهر على هذا الحمل حرمة إلباس الملوك إياه لغيرهم وقوله فأخذ بعضهم إلخ ، على هذا الأخذ القياس حل الإلباس فليتأمل .

( فرع ) هل يحرم إلباس الدواب الحرير كالجدار أو يفرق بنفع الدواب مال م ر للفرق .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث