الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( وهو ) أي المحرر ومدحه بما يأتي مدح لكتابه لاشتماله عليه مع ما تميز به ، وليس مدح الأئمة لكتبهم فخرا بل هو حث على تحري الأولى والأكمل مبالغة في النصح للمسلمين ( كثير الفوائد ) التي ابتدعها مؤلفه ولم يعثر عليها من قبله جمع فائدة وهي ما يرغب في استفادته [ ص: 38 ] من الفؤاد ؛ لأنها تعقل به فترد عليه استفادة ، ومنه إفادة وعرفت بكل نافع ديني أو دنيوي من فاد أتى بنفع ( عمدة في تحقيق المذهب ) أي بيان الراجح وإيضاح المشتبه منه ، وأصله مكان الذهاب ثم استعير لما يذهب إليه من الأحكام تشبيها للمعقول بالمحسوس ثم غلب على الراجح ومنه قولهم المذهب في المسألة كذا ( معتمد ) ترق ؛ لأنه أبلغ من عمدة فهو مغن عنه لولا غرض الإطناب في المدح ( للمفتي ) أي المجيب في الحوادث بما يستنبطه أو يرجحه ولحدوث جوابه وقوته شبه بالفتى في السن من فتي يفتى كعلم يعلم ثم استعير له لفظا الفتوى بالفتح أو الفتيا بالضم ( وغيره ) وهو المستفيد لنفسه أو لإفادة غيره ( من ) بيانية ( أولى ) أصحاب ( الرغبات ) بفتح الغين جمع رغبة بسكونها وهي الانهماك على الخير طلبا لحيازة معاليه .

( تنبيه )

ما أفهمه كلامه من جواز النقل من الكتب المعتمدة ونسبة ما فيها لمؤلفيها [ ص: 39 ] مجمع عليه وإن لم يتصل سند الناقل بمؤلفيها نعم النقل من نسخة كتاب لا يجوز إلا إن وثق بصحتها أو تعددت تعددا يغلب على الظن صحتها أو رأى لفظها منتظما وهو خبير فطن يدرك السقط والتحريف فإن انتفى ذلك قال وجدت كذا أو نحوه ومن جواز اعتماد المفتي ما يراه في كتاب معتمد فيه تفصيل لا بد منه ، ودل عليه كلام المجموع وغيره وهو أن الكتب المتقدمة على الشيخين لا يعتمد شيء منها إلا بعد مزيد الفحص والتحري حتى يغلب على الظن أنه المذهب ولا يغتر بتتابع كتب متعددة على حكم واحد فإن هذه الكثرة قد تنتهي إلى واحد ألا ترى أن أصحاب القفال أو الشيخ أبي حامد مع كثرتهم لا يفرعون ويؤصلون إلا على طريقته غالبا ، وإن خالفت سائر الأصحاب فتعين سبر كتبهم هذا كله في حكم لم يتعرض له الشيخان أو أحدهما ، وإلا فالذي أطبق عليه محققو المتأخرين ولم تزل مشايخنا يوصون به وينقلونه عن مشايخهم وهم عمن قبلهم .

وهكذا أن المعتمد ما اتفقا عليه أي ما لم يجمع متعقبو كلامهما على أنه سهو وأنى به ألا ترى أنهم كادوا يجمعون عليه في إيجابهما النفقة بفرض القاضي ومع ذلك بالغت في الرد عليهم كبعض المحققين في شرح الإرشاد فإن اختلفا فالمصنف فإن وجد للرافعي ترجيح دونه فهو ، وقد بينت سبب إيثارهما وإن خالفا الأكثرين في خطبة شرح العباب بما لا يستغنى عن مراجعته ومن أن هذا الكتاب مقدم على بقية كتبه ليس على إطلاقه أيضا بل الغالب تقديم ما هو متتبع فيه كالتحقيق فالمجموع فالتنقيح ثم ما هو مختصر فيه كالروضة فالمنهاج ونحو فتاواه فشرح مسلم فتصحيح التنبيه ونكته من أوائل تأليفه فهي مؤخرة عما ذكر وهذا تقريب ، وإلا فالواجب في الحقيقة عند تعارض هذه الكتب مراجعة كلام معتمدي المتأخرين واتباع ما رجحوه منها ( وقد التزم ) استئناف أو حال فقد حينئذ واجبة الذكر أو التقدير عند البصريين لتقرب الماضي من الحال واعترضهم السيد الجرجاني ومن تبعه بما رددته عليهم في شرح الهمزية فانظره فإنه مهم .

( مصنفة رحمه الله ) بحسب ما يظهر من قوله في خطبته ناص على ما عليه المعظم [ ص: 40 ] فقول السبكي أن هذا لا يفهم التزاما مراده أنه لا يصرح به ( أن ينص ) فيما فيه خلافا أي غالبا ( على ما صححه ) فيه ( معظم الأصحاب ) ؛ لأن الخطأ إلى القليل أقرب منه إلى الكثير ، وهذا حيث لا دليل يعضد ما عليه الأقلون وإلا اتبعوا ومن ثم وقع لهما أعني الشيخين ترجيح ما عليه الأقل ولو واحدا في مقابلة الأصحاب واعترضهما المتأخرون بما رددته عليهم في خطبة شرح العباب وأشرت إليه فيما مر آنفا ، وبما قررته يندفع الاعتراض على الرافعي بأنه قد يجزم ببحث للإمام أو غيره .

والجواب عنه بأنه إنما يفعل ذلك فيما فيه تقييد لما أطلقوه ورده بأن هذا لا يطرد في كلامه على أن الذي في المجموع وغيره أن ما دخل في إطلاق الأصحاب منزل منزلة تصريحهم به فلعل الرافعي فهم فيما انفرد به واحد أنه موافق لإطلاقهم فنزله منزلة تصريحهم به ( ووفى ) بالتخفيف والتشديد أيالرافعي ويصح على [ ص: 41 ] بعد عوده للمحرر ( بما التزمه ) حسبما ظهر له أو اطلع عليه في ذلك الوقت فلا ينافي استدراكه عليه فيما يأتي ( وهو ) أي ما التزمه ( من أهم ) المطلوبات ( أو ) أي بل هو ( أهم ) وجره مفسد للمعنى ( المطلوبات ) لمن يريد معرفة الراجح من المذهب ، ويصح كون أو للترديد إبهاما على السامع وتنشيطا له إلى البحث عن ذلك وللتنويع إشارة إلى أن معرفة الراجح مذهبا من الأهم بالنسبة لمن يريد الإحاطة بالمدارك وهي الأهم لمن يريد مجرد الإفتاء أو العمل ، ومدركا بالعكس بل في الحقيقة هي الأهم مطلقا وإن قل نائلوها ومن ثم خالف الشافعي وأصحابه في مسائل كثيرة أكثر العلماء

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( قوله التي ابتدعها إلخ ) في كون ما في المحرر وكذلك نظر ظاهر ( قوله [ ص: 38 ] فترد عليه ) ضبب بينه وبين منه ( قوله فهو مغن عنه ) قد يمنع ذلك ؛ لأن ما أفاده الأول من أن عمديته في تحقيق خصوص مذهب الشافعي كما هو المراد لا يستفاد من الثاني بل الثاني أعم كما أن ما في الثاني من التفصيل ليس في الأول فليتأمل لا يقال يلزم من أنه معتمد للمفتي وغيره أنه عمدة في تحقيق المذهب المخصوص ؛ لأنه ممنوع لأن الكون معتمدا للمفتي وغيره قد يكون بتحرير مذهب آخر أو دليل يصح الاعتماد عليه والأخذ به ( قوله للمفتي ) بسكون الياء كما هو القياس ، ويجوز تشديدها مع كسرها على أنه نسبة إلى الساكن الياء نسبة الجزئي إلى الكلي فليتأمل ثم لقائل أن يقول لا معنى لقوله معتمد للمفتي إلا أن المفتي يجيب بما فيه ، ويستند في جوابه لتقرير المحرر وترجيحه فكيف يقيد المفتي بقوله بما يستنبطه أو يرجحه لأن من أجاب بما يستنبطه أو يرجحه لم يعتمد في جوابه على المحرر فليتأمل ، إلا أن يجاب بأن المراد من هذا شأنه يترك شأنه ويعول عليه وفيه نظر .

( قوله بما يستنبطه ) بقي ما لا استنباط فيه ولا ترجيح بل هو نقل محض فقضيته خروج المجيب به عن المفتي ( قوله مشبه ) أي جوابه بدليل ثم استعير إلخ ( قوله أو لإفادة غيره ) يمكن أن يشمل القاضي كالمصنف ( قوله بيانية ) كان المبين قوله وغيره أو وما قبله ويمكن أن من للتبعيض بأن يراد بالرغبات أعم من الرغبات في الفقه والعلم ( قوله من أولي الرغبات ) كأن وجه هذا التقييد أن الوصف حينئذ أقوى وأمدح وإلا فهو معتمد لغير أولي [ ص: 39 ] الرغبات أيضا إذ لهم .

ويصح منهم أن يعتمدوا عليه ( قوله ومن جواز اعتماد المفتي ) أي ما أفهمه كلامه من جواز إلخ فقد أشار بالتضبيب إلى أنه معطوف على من جواز النقل ( قوله فإن اختلفا فالمصنف ) ينبغي أن يقال غالبا ، وإلا فقد اعتمد بعض مشايخنا ممن له غاية الاعتناء بهما ما قاله الرافعي في نظر الأمرد ( قوله ومن أن هذا الكتاب ) أشار بالتضبيب إلى أنه معطوف على من جواز النقل أي وما أفهمه كلامه من أن إلخ ( قوله بما رددته عليهم في شرح الهمزية ) من تأمل ما أجاب به في شرح الهمزية أدنى تأمل عجب من قوله رددته عليهم وقوله فإنه مهم وعبارة ذلك الشرح ما نصه واعترضهم المحقق السيد الجرجاني وتبعه المحقق الكافيجي وغيره بأن هذا غلط منهم سببه اشتباه لفظ الحال عليهم فإن الحال الذي تقربه قد حال الزمان والحال المبين للهيئة حال الصفات ولك رده بأنهما وإن تغايرا لكنهما متقاربان كما هو شأن الحال وعاملها وحينئذ لزم من تقريب الأولى تقريب الثانية المقارنة لها في الزمن فتأمله فإنه مهم إذ تغليط هؤلاء الأئمة الذين لا ينحصرون مع إمكان تأويل كلامهم تساهل ا هـ فتأمل فيه فإنه لا يخفى ما فيه وأعجب من ذلك قوله فإنه مهم هذا والسيد إنما نقل في حاشية المتوسط هذا الاعتراض بلفظ قيل ثم أجاب عنه بجواب حسن أجاب به أيضا في حاشية المطول بعد أن أورد في المطول مضمون ذلك الاعتراض من غير تعرض لنسبة الاشتباه المذكور إليهم ، وأجاب عنه بما لم يرتضه السيد وعبارة حاشية المطول في الجواب ما نصه .

والصواب أن الأفعال إذا وقعت قيودا لما له اختصاص بأحد الأزمنة فهم منها استقباليته ا وحاليتها وماضويتها بالقياس إلى ذلك المقيد لا بالقياس إلى زمان التكلم كما في معانيها الحقيقية إلى أن قال فإذا قلت جاءني زيد ركب كان [ ص: 40 ] المفهوم منه كون الركوب ماضيا بالنسبة للمجيء متقدما عليه فلا تحصل مقارنة الحال لعاملها ، وإذا دخلت عليه قد قربته من زمان المجيء وتفهم المقارنة بينهما فكان ابتداء الركوب متقدما على المجيء لكنه قارنه دواما ، وإذا قلت جاءني زيد يركب دل على كون الركوب في حال المجيء وحينئذ يظهر صحة كلامهم في هذا المقام ا هـ .

وقد عقب الجواب في حاشية المتوسط بقوله فتأمل ا هـ قيل وجه التأمل أن قد في الأصل لتقريب الماضي من الحال ولزم على هذا الجواب أن تكون لتقريب الماضي من الماضي ، والجواب أن قد وضع وضعا عاما صالحا لتقريب الماضي من الحال ولتقريبه من الماضي ا هـ ولو اطلع الشارح على حاشية المطول أو حاشية المتوسط كان الأولى به الاقتصار على ما فيهما ( قوله فقول السبكي إن هذا لا يفهم التزاما إلخ ) أقول قوله ناص على ما عليه المعظم لا يخفى أنه في سياق المدح لكتابه ومن لازم ذلك أنه ملتزم له ، وإلا فلا معنى للمدح به فتأمله وبطريق آخر ما عليه المعظم إما أرجح أو لا إن كان الأول فلا معنى لالتزامه في بعض المواضع دون بعض فتعين أن المراد الالتزام وإن كان الثاني فلا معنى للمدح به ( قوله وهذا حيث لا دليل يعضد ما عليه الأقلون ) فإن قلت لا حاجة لذلك لأن النص على ما صححه المعظم لا يلزم سنة ترجيحه واعتماده ( قلت ) سوق ذلك مساق المدح به صريح في أنه إنما يذكره للاعتماد والترجيح إذ لا مدح بمجرد ذكر ما صححه المعظم مع اعتقاد ضعفه فليتأمل .

( قوله وبما قررته ) أي من قوله غالبا وقوله وهذا حيث إلخ ولا يخفى أن الملتزم النص على ما صححه المعظم فيما فيه تصحيح للمعظم فجزم الرافعي ببحث الإمام وغيره أما فيما ليس فيه تصحيح للمعظم فلا يرد عليه ، وأما فيما فيه تصحيح لهم فإما عن قصد وإما لعدم اطلاعه عليه فإن كان الأول فإما حيث يمكن حمل كلامهم عليه فلا يرد إذ لم يخالف ما صححوه في الحقيقة ، وإما حيث لا يمكن ذلك فلا يرد أيضا ؛ لأن مراده التزام النص على ذلك غالبا وإن كان الثاني فلا يرد لأن المراد التزام النص على ذلك حيث اطلع عليه ( قوله فيما انفرد به واحد ) إن أراد بانفراده أنه ليس للمعظم تصحيح هناك فلا حاجة للجواب عن هذا لخروجه عن الملتزم لأن فرضه فيما للمعظم فيه تصحيح أو أن لهم فيه تصحيحا فإن كان منافيا لذلك الانفراد لم يتأت قوله موافق لإطلاقهم إلخ فيتعين أن يريد أن لهم تصحيحا يمكن حمله على ذلك الانفراد ( قوله بالتخفيف والتشديد )

قال [ ص: 41 ] ابن شهبة الصغير وأوفى بالهمز أيضا ( قوله عوده للمحرر ) والمناسب على هذا عود ما إلى ما التزمه الرافعي ( قوله أي بل هو ) أقول لا يتعين أن بل للإضراب بل يجوز كونها لمطلق الترديد إشارة إلى أنه يكفي في المدح كونه أحد الأمرين أو احتمال كونه الأهم فليتأمل فإن هذا غير ما ذكره بقوله ويصح إلخ فتأمله ( قوله وجره مفسد للمعنى ) لا يخفى أن الجر يلزم عليه اتحاد الإضراب مع ما قبله فهذا مراده بفساد المعنى ( قوله ومدركا بالعكس ) هذا مناف لما قبله لأن معنى هذا أن معرفة الراجح مدركا من الأهم بالنسبة لمن يريد مجرد الإفتاء أو العمل وهذا مناف لقوله السابق في معرفة الراجح مذهبا وهي الأهم لمن يريد مجرد الإفتاء والعمل ؛ لأنها إذا كانت هي الأهم له لم يكن غيرها أهم له وإلا بطل هذا الحصر وأن معرفة الراجح مدركا هي الأهم بالنسبة لمن يريد الإحاطة بالمدارك لأن كونها من الأهم بالنسبة له ينافي انحصار الأهمية بالنسبة له في معرفة الراجح مدركا فليتأمل

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث