الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ثم ليقضوا تفثهم هو في الأصل الوسخ والقذر ، وعن قطرب تفث الرجل كثر وسخه في سفره ، وقال أبو محمد البصري : التفث من التف وهو وسخ الأظفار وقلبت الفاء ثاء كما في مغثور ، وفسره جمع هنا بالشعور والأظفار الزائدة ونحو ذلك ، والقضاء في الأصل القطع والفصل وأريد به الإزالة مجازا أي ليزيلوا ذلك بتقليم الأظفار والأخذ من الشوارب والعارضين كما في رواية عن ابن عباس ونتف الإبط وحلق الرأس والعانة ، وقيل : القضاء مقابل الأداء والكلام على حذف مضاف أي ليقضوا إزالة تفثهم ، والتعبير بذلك لأنه لمضي زمان إزالته عد الفعل قضاء لما فات . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم أنه قال : التفث النسك كله من الوقوف بعرفة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار ، والقضاء على هذا بمعنى الأداء كأنه قيل : ثم ليؤدوا نسكهم . وكان التعبير عن النسك بالتفث لما أنه يستدعي حصوله فإن الحجاج ما لم يحلوا شعث غبر وهو كما ترى ، وقد يقال : إن المراد من إزالة التفث بالمعنى السابق قضاء المناسك كلها لأنها لا تكون إلا بعده فكأنه أراد أن قضاء التفث هو قضاء النسك كله بضرب من التجوز ويؤيده ما أخرجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : قضاء التفث قضاء النسك كله .

وليوفوا نذورهم ما ينذرونه من أعمال البر في حجهم ، وعن ابن عباس تخصيص ذلك بما ينذرونه من نحر البدن ، وعن عكرمة هي مواجب الحج ، وعن مجاهد ما وجب من الحج والهدي وما نذره الإنسان من شيء يكون في الحج فالنذر بمعنى الواجب مطلقا مجازا . وقرأ شعبة عن عاصم «وليوفوا » مشددا وليطوفوا طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة الذي هو من أركان الحج وبه تمام التحلل فإنه قرينة قضاء التفث بالمعنى السابق ، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وجماعة بل قال الطبري وإن لم يسلم له : لا خلاف بين المتأولين في أنه طواف الإفاضة ويكون ذلك يوم النحر ، وقيل : طواف الصدر وهو طواف الوداع وفي عدة من المناسك خلاف بالبيت العتيق أخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن جرير والطبراني وغيرهم عن ابن الزبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما سمى الله [ ص: 147 ] البيت العتيق لأنه أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط » وإلى هذا ذهب ابن أبي نجيح وقتادة وقد قصده تبع ليهدمه فأصابه الفالج فأشير عليه أن يكف عنه ، وقيل : له رب يمنعه فتركه وكساه وهو أول من كساه ، وقصده أبرهة فأصابه ما أصابه ، وأما الحجاج فلم يقصد التسلط على البيت لكن تحصن به ابن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه ، ولعل ما وقع من القرامطة وإن أخذوا الحجر الأسود وبقي عندهم سنين من هذا القبيل ، ويقال فيما يكون آخر الزمان من هدم الحبشة إياه وإلقاء أحجاره في البحر إن صح : إن ذلك من أشراط الساعة التي لا ترد نقضا على الأمور التي قيل باطرادها ، وقيل : في الجواب غير ذلك . وعن مجاهد أنه إنما سمي بذلك لأنه لم يملك موضعه قط ، وفي رواية أخرى عنه أن ذلك لأنه أعتق من الغرق زمان الطوفان ، وعن ابن جبير أن العتيق بمعنى الجيد من قولهم : عتاق الخيل وعتاق الطير ، وقيل : فقيل بمعنى مفعل أي معتق رقاب المذنبين ونسبة الإعتاق إليه مجاز لأنه تعالى يعتق رقابهم بسبب الطواف به ، وقال الحسن وابن زيد : العتيق القديم فإنه أول بيت وضع للناس وهذا هو المتبادر إلا أنك تعلم أنه إذا صح الحديث لا يعدل عنه ، ثم إن حفظه من الجبابرة وبقاءه الدهر الطويل معظما يؤتى من كل فج عميق بمحض إرادة الله تعالى المبنية على الحكم الباهرة .

وبعض الملحدين زعموا أنه بني في شرف زحل والطالع الدلو أحد بيتيه وله مناظرات سعيدة فاقتضى ذلك حفظه من الجبابرة وبقاءه معظما الدهر الطويل ويسمونه لذلك بيت زحل ، وقد ضلوا بذلك ضلالا بعيدا ، وسنبين إن شاء الله تعالى خطأ من يقول بتأثير الطالع أتم بيان والله تعالى المستعان

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث