الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها

جزء التالي صفحة
السابق

الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد [ ص: 2518 ] يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير (42) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من .يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (45)

في الدرسين الماضيين من السورة عالج السياق أغلظ ما في الكيان البشري؛ ليرققه ويطهره ويرتفع به إلى آفاق النور، عالج عرامة اللحم والدم، وشهوة العين والفرج، ورغبة التجريح والتشهير، ودفعة الغضب والغيظ، وعالج الفاحشة أن تشيع في النفس وأن تشيع في الحياة، وأن تشيع في القول، عالجها بتشديد حد الزنا وحد القذف، وعالجها بعرض نموذج شنيع فظيع من رمي المحصنات الغافلات المؤمنات، وعالجها بالوسائل الواقية: بالاستئذان على البيوت وغض البصر وإخفاء الزينة والنهي عن مثيرات الفتنة، وموقظات الشهوة، ثم بالإحصان، ومنع البغاء، وتحرير الرقيق, كل أولئك ليأخذ الطريق على دفعات اللحم والدم، ويهيئ للنفوس وسائل العفة والاستعلاء والشفافية والإشراق.

وفي أعقاب حديث الإفك عالج ما تخلف عنه من غضب وغيظ، ومن اضطراب في المقاييس، وقلق في النفوس.فإذا نفس محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مطمئنة هادئة، وإذا نفس عائشة - رضي الله عنها - قريرة راضية، وإذا نفس أبي بكر - رضي الله عنه - سمحة صافية، وإذا نفس صفوان بن المعطل - رضي الله عنه - قانعة بشهادة الله وتبرئته، وإذا نفوس المسلمين آيبة تائبة، وقد تكشف لها ما كانت تخبط فيه من التيه، فثابت إلى ربها شاكرة فضله ورحمته وهدايته.

بهذا التعليم، وهذا التهذيب، وهذا التوجيه، عالج الكيان البشري حتى أشرق بالنور; وتطلع إلى الأفق الوضيء; واستشرف النور الكبير في آفاق السماوات والأرض، وهو على استعداد لتلقي الفيض الشامل الغامر في عالم كله إشراق، كله نور:

الله نور السماوات والأرض ..

وما يكاد النص العجيب يتجلى حتى يفيض النور الهادئ الوضيء، فيغمر الكون كله، ويفيض على المشاعر والجوارح، وينسكب في الحنايا والجوانح; وحتى يسبح الكون كله في فيض النور الباهر; وحتى تعانقه [ ص: 2519 ] وترشفه العيون والبصائر; وحتى تنزاح الحجب، وتشف القلوب، وترف الأرواح، ويسبح كل شيء في الفيض الغامر، ويتطهر كل شيء في بحر النور، ويتجرد كل شيء من كثافته وثقله، فإذا هو انطلاق ورفرفة، ولقاء ومعرفة، وامتزاج وألفة، وفرح وحبور، وإذا الكون كله بما فيه ومن فيه نور طليق من القيود والحدود، تتصل فيه السماوات بالأرض، والأحياء بالجماد، والبعيد بالقريب; وتلتقي فيه الشعاب والدروب، والطوايا والظواهر، والحواس والقلوب..

الله نور السماوات والأرض ..

النور الذي منه قوامها ومنه نظامها، فهو الذي يهبها جوهر وجودها، ويودعها ناموسها، ولقد استطاع البشر أخيرا أن يدركوا بعلمهم طرفا من هذه الحقيقة الكبرى، عندما استحال في أيديهم ما كان يسمى بالمادة - بعد تحطيم الذرة - إلى إشعاعات منطلقة لا قوام لها إلا النور! ولا "مادة" لها إلا النور! فذرة المادة مؤلفة من كهارب وإليكترونات، تنطلق - عند تحطيمها - في هيئة إشعاع قوامه هو النور! فأما القلب البشري فكان يدرك الحقيقة الكبرى قبل العلم بقرون وقرون.كان يدركها كلما شف ورف، وانطلق إلى آفاق النور، ولقد أدركها كاملة شاملة قلب محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففاض بها وهو عائد من الطائف ، نافض كفيه من الناس، عائذ بوجه ربه يقول: "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة". وفاض بها في رحلة الإسراء والمعراج، فلما سألته عائشة : هل رأيت ربك؟ قال. "نور، أنى أراه".

ولكن الكيان البشري لا يقوى طويلا على تلقي ذلك الفيض الغامر دائما، ولا يستشرف طويلا ذلك الأفق البعيد. فبعد أن جلا النص هذا الأفق المترامي، عاد يقارب مداه، ويقربه إلى الإدراك البشري المحدود، في مثل قريب محسوس:

مثل نوره كمشكاة فيها مصباح. المصباح في زجاجة. الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. نور على نور .

وهو مثل يقرب للإدراك المحدود صورة غير المحدود; ويرسم النموذج المصغر الذي يتأمله الحس، حين يقصر عن تملي الأصل، وهو مثل يقرب للإدراك طبيعة النور حين يعجز عن تتبع مداه وآفاقه المترامية وراء الإدراك البشري الحسير.

ومن عرض السماوات والأرض إلى المشكاة، وهي الكوة الصغيرة في الجدار غير النافذة، يوضع فيها المصباح، فتحصر نوره وتجمعه، فيبدو قويا متألقا: كمشكاة فيها مصباح .. المصباح في زجاجة .. تقيه الريح، وتصفي نوره، فيتألق ويزداد.. الزجاجة كأنها كوكب دري .. فهي بذاتها شفافة رائقة سنية منيرة، هنا يصل بين المثل والحقيقة بين النموذج والأصل حين يرتقي من الزجاجة الصغيرة إلى الكوكب الكبير، كي لا ينحصر التأمل في النموذج الصغير، الذي ما جعل إلا لتقريب الأصل الكبير، وبعد هذه اللفتة يعود إلى النموذج إلى المصباح:

يوقد من شجرة مباركة زيتونة ونور زيت الزيتون كان أصفى نور يعرفه المخاطبون، ولكن ليس لهذا وحده كان اختيار هذا المثل، إنما هو كذلك الظلال المقدسة التي تلقيها الشجرة المباركة، ظلال الوادي المقدس في الطور، وهو أقرب منابت الزيتون لجزيرة العرب، وفي القرآن إشارة لها وظلال حولها: وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين . وهي شجرة معمرة، وكل ما فيها مما ينفع الناس، زيتها وخشبها [ ص: 2520 ] وورقها وثمرها، ومرة أخرى يلتفت من النموذج الصغير ليذكر بالأصل الكبير، فهذه الشجرة ليست شجرة بعينها وليست متحيزة إلى مكان أو جهة، إنما هي مثل مجرد للتقريب: لا شرقية ولا غربية .. وزيتها ليس زيتا من هذا المشهود المحدود، إنما هو زيت آخر عجيب: يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار .. فهو من الشفافية بذاته، ومن الإشراق بذاته، حتى ليكاد يضيء بغير احتراق; ولو لم تمسسه نار .. نور على نور .. وبذلك نعود إلى النور العميق الطليق في نهاية المطاف!

إنه نور الله الذي أشرقت به الظلمات في السماوات والأرض، النور الذي لا ندرك كنهه ولا مداه، إنما هي محاولة لوصل القلوب به، والتطلع إلى رؤياه: يهدي الله لنوره من يشاء .. ممن يفتحون قلوبهم للنور فتراه؛ فهو شائع في السماوات والأرض، فائض في السماوات والأرض، دائم في السموات والأرض، لا ينقطع، ولا يحتبس، ولا يخبو. فحيثما توجه إليه القلب رآه، وحيثما تطلع إليه الحائر هداه، وحيثما اتصل به وجد الله.

إنما المثل الذي ضربه الله لنوره وسيلة لتقريبه إلى المدارك، وهو العليم بطاقة البشر:

ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شيء عليم ..

ذلك النور الطليق، الشائع في السماوات والأرض، الفائض في السماوات والأرض، يتجلى ويتبلور في بيوت الله التي تتصل فيها القلوب بالله، تتطلع إليه وتذكره وتخشاه، وتتجرد له وتؤثره على كل مغريات الحياة:

في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار. ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله، والله يرزق من يشاء بغير حساب .

وهناك صلة تصويرية بين مشهد المشكاة هناك ومشهد البيوت هنا، على طريقة التناسق القرآنية في عرض المشاهد ذات الشكل المتشابه أو المتقارب، وهناك صلة مثلها بين المصباح المشرق بالنور في المشكاة، والقلوب المشرقة بالنور في بيوت الله.

تلك البيوت أذن الله أن ترفع - وإذن الله هو أمر للنفاذ - فهي مرفوعة قائمة، وهي مطهرة رفيعة، يتناسق مشهدها المرفوع مع النور المتألق في السماوات والأرض. وتتناسق طبيعتها الرفيعة مع طبيعة النور السني الوضيء. وتتهيأ بالرفعة والارتفاع لأن يذكر فيها اسم الله: ويذكر فيها اسمه . وتتسق معها القلوب الوضيئة الطاهرة، المسبحة الواجفة، المصلية الواهبة. قلوب الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة .والتجارة والبيع لتحصيل الكسب والثراء، ولكنهم مع شغلهم بهما لا يغفلون عن أداء حق الله في الصلاة، وأداء حق العباد في الزكاة: يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار .. تتقلب فلا تثبت على شيء من الهول والكرب والاضطراب، وهم يخافون ذلك اليوم فلا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.

وهم مع هذا الخوف يعلقون رجاءهم بثواب الله:

ليجزيهم الله أحسن ما عملوا، ويزيدهم من فضله ..

ورجاؤهم لن يخيب في فضل الله: والله يرزق من يشاء بغير حساب من فضله الذي لا حدود له ولا قيود.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث