الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ولما تقدم الأمر بالإثخان في فشرد بهم ثم بإعداد القوة، ثم التحريض على القتال بعد الإعلام بالكفاية ثم إيجاب ثبات الواحد لعشرة ثم إنزال التخفيف إلى اثنين; كان ذلك مقتضيا للإمعان في الإثخان، فحسن عتاب الأحباب في اختيار غير ما أفهمه هذا الخطاب، لكون ذلك أقعد في الامتنان عليهم بالعفو والغفران بسبب أن أكثرهم مال إلى فداء الأسارى فإن النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم فيهم فأشار أبو بكر رضي الله عنه بالمفاداة ومال معه الأكثر، وأشار عمر رضي الله عنه بضرب أعناقهم، وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم: "لو نزل من السماء عذاب - أي: في هذا - ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ رضي الله عنهما" فقال تعالى استئنافا واستنتاجا: ما كان أي: ما صح وما استقام لنبي أي: في شرع نبي من الأنبياء مستقل ولا مقرر، ولعله عبر [ ص: 330 ] بوصف النبوة ليفيد مع العموم أن كلا من رفعة القدر والإخبار من الله يمنع من الإقدام على فعل بدون إذن خاص أن يكون له أسرى أي: أن يباح له أسر العدو حتى يثخن في الأرض أي: يبالغ في قتل أعدائه، فهو عتاب لمن أسر من الصحابة غير من نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله من المشركين أو رضي بذلك، وإنما أسند إلى نبي - وقرئ شاذا بالتعريف - ولم يقل: ما كان في شرع نبي، تهويلا للأسر تعظيما للعفو للمبالغة في القيام بالشكر، وهذا كان يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله سبحانه وتعالى: فإما منا بعد وإما فداء قاله ابن عباس رضي الله عنهما، ومادة ثخن تدور على الضخامة، وتارة يلزمها اللين والضعف، وتارة الصلابة والقوة، فحقيقته: يبالغ في القتل فيغلط أمره فيقوى، ويلين له أعداؤه ويضعفوا; ثم بين لهم أن الميل عن ذلك إنما هو لإرادة الأعراض الدنيوية المبكت به اليهود في آخر التي قبلها بقوله تعالى: يأخذون عرض هذا الأدنى كما أن النزاع في الأنفال ميل إلى الدنيا، وكل ذلك بمعزل عن معالي الأخلاق وكرائم السجايا، معللا لعدم الكون المذكور بما تقديره: لأن الأسر إنما يراد به الدنيا، هكذا الأصل ولكنه أبرز في أسلوب الخطاب لأنه أوقع في النفس فقال: تريدون أي: أيها المؤمنون المرغبون في [ ص: 331 ] الإنفاق لا في الجمع، باستبقائهم عرض الدنيا قال الراغب: العرض ما لا ثبات له، ومنه استعاره المتكلمون لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة، أي: المتاع الفداء بأخذ الرجال والله أي: الذي له الكمال كله يريد أي: لكم الآخرة أي: جوهرها لأنه يأمر بذلك أمرا هو في تأكيده ليمتثل كالإرادة التي لا يتخلف مرادها، وذلك بالإثخان في قتلهم لظهور الدين الذي تريدون إظهاره والذي به تدرك الآخرة، ولا ينبغي للمحب أن يريد إلا ما يريد حبيبه والله أي: الملك الأعظم عزيز أي: منزه جنابه العلي عن لحاق شيء مما فيه أدنى سفول حكيم أي: لا يصدر عنه فعل إلا وهو في غاية الإتقان فهو يأمر بالإثخان عند ظهور قوة المشركين، فإذا ضعفت وقوي المسلمون فأنتم بالخيار، ولا يصح ادعاء ولايته إلا لمن ترقى في معارج صفاته، فيكون عزيزا في نفسه فلا يدنسها بالأطماع الفانية، وفعله فلا يحطه عن أوج المعالي إلى حضيض المهاوي، وحكيما فلا ينشأ عنه فعل إلا وهو في غاية الإتقان.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث