الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

والإلهام في القلب تارة يكون من جنس القول والعلم والظن والاعتقاد وتارة يكون من جنس العمل والحب والإرادة والطلب فقد يقع في قلبه أن هذا القول أرجح وأظهر وأصوب وقد يميل قلبه إلى أحد الأمرين دون الآخر ، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " { قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر } " والمحدث الملهم المخاطب ، وفي مثل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث وابصة { : البر ما اطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب والإثم ما حاك في نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك } " وهو في السنن .

وفي صحيح مسلم عن النواس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس } " وقال ابن مسعود : الإثم حزاز القلوب . و ( أيضا فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن يقينا أو ظنا فالأمور الدينية كذلك بطريق الأولى فإنه إلى كشفها أحوج لكن هذا في الغالب لا بد أن يكون كشفا بدليل وقد يكون [ ص: 477 ] بدليل ينقدح في قلب المؤمن ولا يمكنه التعبير عنه وهذا أحد ما فسر به معنى " الاستحسان " .

وقد قال من طعن في ذلك - كأبي حامد وأبي محمد - : ما لا يعبر عنه فهو هوس وليس كذلك ; فإنه ليس كل أحد يمكنه إبانة المعاني القائمة بقلبه ، وكثير من الناس يبينها بيانا ناقصا وكثير من أهل الكشف يلقى في قلبه أن هذا الطعام حرام أو أن هذا الرجل كافر أو فاسق من غير دليل ظاهر وبالعكس قد يلقى في قلبه محبة شخص وأنه ولي لله أو أن هذا المال حلال . وليس المقصود هنا بيان أن هذا وحده دليل على الأحكام الشرعية ; لكن إن مثل هذا يكون ترجيحا لطالب الحق إذا تكافأت عنده الأدلة السمعية الظاهرة . فالترجيح بها خير من التسوية بين الأمرين المتناقضين قطعا فإن التسوية بينهما باطلة قطعا .

كما قلنا : إن العمل بالظن الناشئ عن ظاهر أو قياس خير من العمل بنقيضه إذا احتيج إلى العمل بأحدهما . والصواب الذي عليه السلف والجمهور أنه لا بد في كل حادثة من دليل شرعي فلا يجوز تكافؤ الأدلة في نفس الأمر لكن قد تتكافأ عند الناظر لعدم ظهور الترجيح له وأما من قال : أنه ليس في نفس الأمر حق معين بل كل مجتهد عالم بالحق الباطن في المسألة وليس لأحدهما على الآخر مزية في علم ولا عمل فهؤلاء [ ص: 478 ] قد يجوزون أو بعضهم تكافؤ الأدلة ويجعلون الواجب التخيير بين القولين وهؤلاء يقولون ليس على الظن دليل في نفس الأمر ; وإنما رجحان أحد القولين هو من باب الرجحان بالميل والإرادة كترجيح النفس الغضبية للانتقام والنفس الحليمة للعفو .

وهذا القول خطأ ; فإنه لا بد في نفس الأمر من حق معين يصيبه المستدل تارة ويخطئه أخرى . كالكعبة في حق من اشتبهت عليه القبلة والمجتهد إذا أداه اجتهاده إلى جهة سقط عنه الفرض بالصلاة إليها كالمجتهد إذا أداه اجتهاده إلى قول فعمل بموجبه كلاهما مطيع لله وهو مصيب بمعنى أنه مطيع لله وله أجر على ذلك ; وليس مصيبا بمعنى أنه علم الحق المعين ; فإن ذلك لا يكون إلا واحدا ومصيبه له أجران وهذا في كشف الأنواع التي يكون عليها دليل شرعي لكن قد يخفى على العبد . فإن الشارع بين ( الأحكام الكلية ) . وأما ( الأحكام المعينات التي تسمى تنقيح المناط " مثل كون الشخص المعين عدلا أو فاسقا أو مؤمنا أو منافقا أو وليا لله أو عدوا له وكون هذا المعين عدوا للمسلمين يستحق القتل ، وكون هذا العقار ليتيم أو فقير يستحق الإحسان إليه ، وكون هذا المال يخاف عليه من ظلم ظالم فإذا زهد فيه الظالم انتفع به أهله فهذه [ ص: 479 ] الأمور لا يجب أن تعلم بالأدلة الشرعية العامة الكلية بل تعلم بأدلة خاصة تدل عليها .

ومن طرق ذلك " الإلهام " فقد يلهم الله بعض عباده حال هذا المال المعين وحال هذا الشخص المعين وإن لم يكن هناك دليل ظاهر يشركه فيه غيره . وقصة موسى مع الخضر هي من هذا الباب ليس فيها مخالفة لشرع الله تعالى ; فإنه لا يجوز قط لأحد لا نبي ولا ولي أن يخالف شرع الله لكن فيها علم حال ذاك المعين بسبب باطن يوجب فيه الشرع ما فعله الخضر كمن دخل إلى دار وأخذ ما فيها من المال لعلمه بأن صاحبها أذن له وغيره لم يعلم ، ومثل من رأى ضالة أخذها ولم يعرفها لعلمه بأنه أتى بها هدية له ونحو ذلك . ومثل هذا كثير عند أهل الإلهام الصحيح .

و ( النوع الثاني ) عكس هذا . وهو أنهم يتبعون هواهم لا أمر الله ; فهؤلاء لا يفعلون ولا يأمرون إلا بما يحبونه بهواهم ولا يتركون وينهون إلا عن ما يكرهونه بهواهم وهؤلاء شر الخلق . قال تعالى : { أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا } قال الحسن : هو المنافق لا يهوى شيئا إلا ركبه . وقال تعالى : [ ص: 480 ] { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } وقال عمر بن عبد العزيز : لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه ويخالفه إذا خالف هواه فإذا أنت لا تثاب على ما اتبعته من الحق وتعاقب على ما خالفته . وهو كما قال - رضي الله عنه - لأنه في الموضعين إنما قصد اتباع هواه لم يعمل لله . ألا ترى أن " أبا طالب " نصر النبي صلى الله عليه وسلم وذب عنه أكثر من غيره ; لكن فعل ذلك لأجل القرابة لا لأجل الله تعالى فلم يتقبل الله ذلك منه ولم يثبه على ذلك وأبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أعانه بنفسه وماله لله ; فقال الله فيه : { وسيجنبها الأتقى } { الذي يؤتي ماله يتزكى } { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } { إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى } { ولسوف يرضى } .

( القسم الثالث ) : الذي يريد تارة إرادة يحبها الله ; وتارة إرادة يبغضها الله . وهؤلاء أكثر المسلمين فإنهم يطيعون الله تارة ويريدون ما أحبه ويعصونه تارة ويريدون ما يهوونه وإن كان يكرهه . و ( القسم الرابع ) : أن يخلو عن الإرادتين فلا يريد لله ولا لهواه وهذا يقع لكثير من الناس في بعض الأشياء ويقع لكثير [ ص: 481 ] من الزهاد والنساك في كثير من الأمور . وأما خلو الإنسان عن الإرادة مطلقا فممتنع فإنه مفطور على إرادة ما لا بد له منه وعلى كراهة ما يضره ويؤذيه والزاهد الناسك إذا كان مسلما فلا بد أن يريد أشياء يحبها الله : مثل أداء الفرائض ، وترك المحارم ; بل وكذلك عموم المؤمنين لا بد أن يريد أحدهم أشياء يحبها الله وإلا فمن لم يحب الله ولا أحب شيئا لله فلم يحب شيئا من الطاعات لا الشهادتين ولا غيرهما ، ولا يريد ذلك فإنه لا يكون مؤمنا فلا بد لكل مؤمن من أن تكون له إرادة لبعض ما يحبه الله ; وأما إرادة العبد لما يهواه ولا يحبه الله فهذا لازم لكل من عصى الله فإنه أراد المعصية والله لا يحبها ولا يرضاها .

وأما الخلو عن الإرادتين المحمودة والمذمومة فيقع على وجهين : ( أحدهما ) : مع إعراض العبد عن عبادة الله تعالى وطاعته وإن علم بها فإنه قد يعلم كثيرا من الأمور أنه مأمور بها وهو لا يريدها ولا يكره من غيره فعلها وإذا اقتتل المسلمون والكفار لم يكن مريدا لانتصار هؤلاء الذي يحبه الله ولا لانتصار هؤلاء الذي يبغضه الله .

و ( الوجه الثاني ) : يقع من كثير من الزهاد العباد الممتثلين لما [ ص: 482 ] يعلمون أن الله أمر به المجتنبين لما يعلمون أن الله نهى عنه وأمور أخرى لا يعلمون أنها مأمور بها ولا منهي عنها فلا يريدونها ولا يكرهونها لعدم العلم وقد يرضونها من جهة كونها مخلوقة مقدرة وقد يعاونون عليها ويرون هذا موافقة لله وأنهم لما خلوا عن هوى النفس كانوا مأمورين بالرضا بكل حادث ; بل والمعاونة عليه . وهذا موضع يقع فيه الغلط فإن ما أحبه الله ورسوله علينا أن نحب ما أحبه الله ورسوله وما أبغضه الله ورسوله فعلينا أن نبغض ما أبغضه الله ورسوله وأما ما لا يحبه الله ورسوله ولا يبغضه الله ورسوله كالأفعال التي لا تكليف فيها مثل أفعال النائم والمجنون فهذا إذا كان الله لا يحبها ويرضاها ولا يكرهها ويذمها فالمؤمن أيضا لا ينبغي أن يحبها ويرضاها ولا يكرهها . وأما كونها مقدورة ومخلوقة لله فذاك لا يختص بها بل هو شامل لجميع المخلوقات والله تعالى خلق ما خلقه لما شاء من حكمته وقد أحسن كل شيء خلقه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث