الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة ما ذكره القشيري عن أبي سليمان من قوله الرضا ألا تسأل الله الجنة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 678 ] وسئل شيخ الإسلام رحمه الله عما ذكر الأستاذ القشيري في ( باب الرضا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال : الرضا ألا يسأل الله الجنة ولا يستعيذ من النار . فهل هذا الكلام صحيح ؟ ؟ .

التالي السابق


فأجاب : الحمد لله رب العالمين : الكلام على هذا القول من وجهين : ( أحدهما : من جهة ثبوته عن الشيخ . و ( الثاني من جهة صحته في نفسه وفساده . أما " المقام الأول " فينبغي أن يعلم أن الأستاذ أبا القاسم لم يذكر هذا عن الشيخ أبي سليمان بإسناد وإنما ذكره مرسلا عنه وما يذكره أبو القاسم في رسالته عن النبي صلى الله عليه والصحابة والتابعين والمشايخ وغيرهم . تارة يذكره بإسناد وتارة يذكره مرسلا وكثيرا ما يقول : وقيل كذا - ثم الذي يذكره بإسناد تارة يكون إسناده [ ص: 679 ] صحيحا وتارة يكون ضعيفا ; بل موضوعا . وما يذكره مرسلا ومحذوف القائل أولى وهذا كما يوجد ذلك في مصنفات الفقهاء . فإن فيها من الأحاديث والآثار ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع . فالموجود في ( كتب الرقائق والتصوف من الآثار المنقولة فيها الصحيح وفيها الضعيف وفيها الموضوع . وهذا الأمر متفق عليه بين جميع المسلمين لا يتنازعون أن هذه الكتب فيها هذا وفيها هذا ; بل نفس الكتب المصنفة في " التفسير " فيها هذا وهذا مع أن أهل الحديث أقرب إلى معرفة المنقولات وفي كتبهم هذا وهذا فكيف غيرهم .

والمصنفون قد يكونون أئمة في الفقه أو التصوف أو الحديث ويروون هذا تارة لأنهم لم يعلموا أنه كذب وهو الغالب على أهل الدين ; فإنهم لا يحتجون بما يعلمون أنه كذب وتارة - يذكرونه وإن علموا أنه كذب : إذ قصدهم رواية ما روي في ذلك الباب ورواية الأحاديث المكذوبة مع بيان كونها كذبا جائز . وأما روايتها مع الإمساك عن ذلك رواية عمل فإنه حرام عند العلماء كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين } . وقد فعل كثير من العلماء [ ص: 680 ] متأولين أنهم لم يكذبوا وإنما نقلوا ما رواه غيرهم وهذا يسهل إذ رووه لتعريف أنه روي لا لأجل العمل به ولا الاعتماد عليه .

و ( المقصود هنا أن ما يوجد في " الرسالة " وأمثالها : من كتب الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من المنقولات عن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من السلف فيه : الصحيح والضعيف والموضوع . فالصحيح الذي قامت الدلالة على صدقه والموضوع الذي قامت الدلالة على كذبه والضعيف الذي رواه من لم يعلم صدقه إما لسوء حفظه وإما لاتهامه ولكن يمكن أن يكون صادقا فيه ; فإن الفاسق قد يصدق والغالط قد يحفظ . وغالب أبواب " الرسالة " فيها الأقسام الثلاثة . ومن ذلك ( باب الرضا فإنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا } . وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه وإن كان الأستاذ لم يذكر أن مسلما رواه لكنه رواه بإسناد صحيح .

وذكر في أول هذا الباب حديثا ضعيفا - بل موضوعا - وهو حديث جابر الطويل الذي رواه من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر فهو وإن كان أول حديث ذكره في الباب [ ص: 681 ] فإن أحاديث الفضل بن عيسى من أوهى الأحاديث وأسقطها ولا نزاع بين الأئمة أنه لا يعتمد عليها ولا يحتج بها ; فإن الضعف ظاهر عليها وإن كان هو لا يتعمد الكذب فإن كثيرا من الفقهاء لا يحتج بحديثهم لسوء الحفظ لا لاعتماد الكذب وهذا الرقاشي اتفقوا على ضعفه كما يعرف ذلك أئمة هذا الشأن ; حتى قال أيوب السختياني : لو ولد أخرس لكان خيرا له وقال سفيان بن عيينة : لا شيء وقال الإمام أحمد والنسائي : هو ضعيف . وقال يحيى بن معين : رجل سوء .

وقال أبو حاتم وأبو زرعة : منكر الحديث . وكذلك ما ذكره من الآثار ; فإنه قد ذكر آثارا حسنة بأسانيد حسنة مثل ما رواه عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال : " إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض " فإن هذا رواه عن شيخه أبي عبد الرحمن السلمي بإسناده والشيخ أبو عبد الرحمن كانت له عناية بجمع كلام هؤلاء المشايخ وحكاياتهم وصنف [ في ] الأسماء ( كتاب طبقات الصوفية و ( كتاب زهاد السلف وغير ذلك وصنف في الأبواب ( كتاب مقامات الأولياء وغير ذلك ومصنفاته تشتمل على الأقسام الثلاثة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث