الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 5 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . سورة الإخلاص سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية رضي الله عنه عما ورد في سورة { قل هو الله أحد } أنها تعدل ثلث القرآن وكذلك ورد في سورة ( الزلزلة و { قل يا أيها الكافرون } و ( الفاتحة هل ما ورد في هذه المعادلة ثابت في المجموع أم في البعض ؟ ومن روى ذلك ؟ وما ثبت من ذلك ؟ وما معنى هذه المعادلة وكلام الله واحد بالنسبة إليه عز وجل ؟ وهل هذه المفاضلة - بتقدير [ ص: 6 ] ثبوتها - متعدية إلى الأسماء والصفات أم لا ؟ والصفات القديمة والأسماء القديمة هل يجوز المفاضلة بينها مع أنها قديمة ؟ ومن القائل بذلك وفي أي كتبه قال ذلك ووجه الترجيح في ذلك بما يمكن من دليل عقلي ونقلي ؟

[ ص: 103 ]

التالي السابق


[ ص: 103 ] فصل وإذا علم ما دل عليه الشرع مع العقل واتفاق السلف من أن بعض القرآن أفضل من بعض وكذلك بعض صفاته أفضل من بعض بقي الكلام في كون ( { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن ما وجه ذلك ؟ وهل ثوابها بقدر ثواب ثلث القرآن وإذا قدر أن الأمر كذلك فما وجه قراءة سائر القرآن ؟ فيقال : أما الأول فقد قيل فيه وجوه أحسنها - والله أعلم - الجواب المنقول عن الإمام أبي العباس ابن سريج فعن أبي الوليد القرشي أنه سأل أبا العباس بن سريج عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم { { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن } فقال : معناه أنزل القرآن على ثلاثة أقسام : ثلث منها الأحكام وثلث منها وعد ووعيد وثلث منها الأسماء والصفات . وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات . وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في هذا الحديث ثلاثة أوجه : بدأ بهذا الوجه فروى قول ابن سريج هذا بإسناده عن زاهد عن الصابوني والبيهقي عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ قال : سمعت أبا الوليد [ ص: 104 ] حسان بن محمد الفقيه يقول : سألت أبا العباس ابن سريج قلت : ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم { { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن } ؟ قال : إن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام : فثلث أحكام وثلث وعد ووعيد وثلث أسماء وصفات . وقد جمع في ( { قل هو الله أحد } أحد الأثلاث وهو الصفات فقيل إنها تعدل ثلث القرآن .

الوجه الثاني - من الوجوه الثلاثة التي ذكرها أبو الفرج ابن الجوزي - أن معرفة الله هي معرفة ذاته ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة أفعاله فهذه السورة تشتمل على معرفة ذاته إذ لا يوجد شيء إلا وجد من شيء [ ما خلا الله . فإنه ليس له كفء ] ولا له مثل . قال أبو الفرج : ذكره بعض فقهاء السلف .

قال : والوجه الثالث أن المعنى : من عمل ما تضمنته من الإقرار بالتوحيد والإذعان للخالق كان كمن قرأ ثلث القرآن ولم يعمل بما تضمنته ذكره ابن عقيل .

قال ابن عقيل : ولا يجوز أن يكون المعنى : من قرأها فله أجر ثلث القرآن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات } . قلت : كلا الوجهين ضعيف . أما الأول فيدل على ضعفه وجوه : الأول أن نقول القرآن ليس [ ص: 105 ] كله هو المعرفة المذكورة بل فيه أمر بالأعمال الواجبة ونهي عن المحرمات والمطلوب من العباد المعرفة الواجبة والعمل الواجب والأمة كلها متفقة على وجوب الأعمال التي فرضها الله لم يقل أحد بأنها ليست من الواجبات وإن كان طائفة من الناس نازعوا في كون الأعمال من الإيمان فلم ينازعوا في أن الله فرض الصلوات الخمس وغيرها من شرائع الإسلام وحرم الفواحش : { ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } وإذا كان كذلك وقدر أن سورة من السور تضمنت ثلث المعرفة لم يكن هذا ثلث القرآن . الثاني أن يقال : قول القائل معرفة ذاته ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة أفعاله إن أراد بذلك أن ذاته تعرف بدون معرفة شيء من أسمائه وصفاته الثبوتية والسلبية فهذا ممتنع ولو قدر إمكان ذلك أو فرض العبد في نفسه ذاتا مجردة عن جميع القيود السلبية والثبوتية فليس ذاك معرفته بالله ألبتة ولا هو رب العالمين ذات مجردة عن كل أمر سلبي أو ثبوتي ; ولهذا لم يقل أحد من العقلاء هذا إلا القرامطة الباطنية يقولون : يسلب عنه كل أمر ثبوتي وعدمي فلا يقال موجود ولا معدوم ولا عالم ولا ليس بعالم ولا قادر ولا ليس بقادر ولا نحو ذلك وهؤلاء مع أن قولهم معلوم الفساد بضرورة العقل فإنهم [ ص: 106 ] متناقضون أما الأول فلأن سلب النقيضين ممتنع كما أن جمعهما ممتنع فيمتنع أن يكون شيء من الأشياء لا موجودا ولا معدوما . وأما تناقضهم لا بد أن يذكروا ما ذكروا أنه يسلب عنه النقيضان ببعض الأمور التي يتميز بها ليخبر عنه بهذا السلب وأي شيء قالوه فلا بد أن يتضمن نفيا أو إثباتا بل لا بد أن يتضمن إثباتا وقد بسطنا الرد عليهم في غير هذا الموضع .

ولهذا كان كثير من الملاحدة لا يصلون إلى هذا الحد ; بل يقولون كما قال أبو يعقوب السجستاني وغيره من الملاحدة : نحن لا ننفي النقيضين بل نسكت عن إضافة واحد منهما إليه ; فلا نقول هو موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل .

فيقال لهم : إعراض قلوبكم عن العلم به وكف ألسنتكم عن ذكره لا يوجب أن يكون هو في نفسه مجردا عن النقيضين ; بل يفيد هذا كفركم بالله وكراهتكم لمعرفته وذكره وعبادته وهذا حقيقة مذهبكم . ومن قال من الملاحدة المنتسبين إلى التصوف والتحقيق كابن سبعين والصدر القونوي وغيرهما : إنه وجود مطلق بشرط الإطلاق عن كل وصف ثبوتي وسلبي فهو من جنس هؤلاء .

لكن هؤلاء يقولون هو وجود مطلق فيخصونه بالوجود دون العدم . ثم يقولون هو مطلق والمطلق بشرط الإطلاق عن كل قيد سلبي وثبوتي إنما يكون في [ ص: 107 ] الأذهان لا في الأعيان . وهؤلاء يقولون : الوجود الكلي المقسوم إلى واجب وممكن الذي يجعله الفلاسفة موضوع العلم الإلهي ويسمونه " الحكمة العليا " و " الفلسفة الأولى " إنما يكون كليا في الأذهان لا في الأعيان فليس في الخارج قط وجود هو بعينه واجب وهو بعينه ممكن ولا وجود هو نفسه يتصف به الواجب وهو نفسه يتصف به الممكن ; بل صفة الواجب تختص به وصفة الممكن تختص به ووجود الواجب يخصه لا يشركه فيه غيره ووجود الممكن يخصه لا يشركه فيه غيره .

ولهذا كان كل ما وصف به الرب نفسه من صفاته فهي صفات مختصة به يمتنع أن يكون له فيها مشارك أو مماثل فإن ذاته المقدسة لا تماثل شيئا من الذوات وصفاته مختصة به فلا تماثل شيئا من الصفات ; بل هو سبحانه أحد صمد { لم يلد ولم يولد } { ولم يكن له كفوا أحد } فاسمه ( الأحد دل على نفي المشاركة والمماثلة واسمه ( الصمد دل على أنه مستحق لجميع صفات الكمال كما بسط الكلام على ذلك في الشرح الكبير المصنف في تفسير هذه السورة . وصفات التنزيه كلها ; بل وصفات الإثبات : يجمعها هذان المعنيان . وقد بسط الكلام في التوحيد وأنه نوعان : علمي قولي وعملي قصدي . فقل يا أيها الكافرون اشتملت على التوحيد العملي نصا وهي دالة على العلمي [ ص: 108 ] لزوما . و { قل هو الله أحد } اشتملت على التوحيد العلمي القولي نصا وهي دالة على التوحيد العملي لزوما . ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في ركعتي الفجر وركعتي الطواف وغير ذلك وقد ثبت أنه كان يقرأ أيضا في ركعتي الفجر بآية الإيمان التي في البقرة { قولوا آمنا بالله } في الركعة الأولى وآية الإسلام التي في آل عمران : { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } . والمقصود هنا أن صفات التنزيه يجمعها هذان المعنيان المذكوران في هذه السورة : أحدهما نفي النقائص عنه وذلك من لوازم إثبات صفات الكمال فمن ثبت له الكمال التام انتفى النقصان المضاد له والكمال من مدلول اسمه الصمد .

والثاني أنه ليس كمثله شيء في صفات الكمال الثابتة وهذا من مدلول اسمه الأحد . فهذان الاسمان العظيمان - الأحد الصمد - يتضمنان تنزيهه عن كل نقص وعيب وتنزيهه في صفات الكمال أن لا يكون له مماثل في شيء منها . واسمه الصمد يتضمن إثبات جميع [ ص: 109 ] صفات الكمال فتضمن ذلك إثبات جميع صفات الكمال ونفي جميع صفات النقص فالسورة تضمنت كل ما يجب نفيه عن الله وتضمنت أيضا كل ما يجب إثباته من وجهين : من اسمه الصمد ومن جهة أن ما نفي عنه من الأصول والفروع والنظراء مستلزم ثبوت صفات الكمال أيضا .

فإن كل ما يمدح به الرب من النفي فلا بد أن يتضمن ثبوتا بل وكذلك كل ما يمدح به شيء من الموجودات من النفي فلا بد أن يتضمن ثبوتا وإلا فالنفي المحض معناه عدم محض والعدم المحض ليس بشيء ; فضلا عن أن يكون صفة كمال . وهذا كما يذكره سبحانه في آية الكرسي مثل قوله : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم } فنفي أخذ السنة والنوم له مستلزم لكمال حياته وقيوميته فإن النوم ينافي القيومية والنوم أخو الموت ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون . ثم قال : { له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } فنفي الشفاعة بدون إذنه مستلزم لكمال ملكه ; إذ كل من شفع إليه شافع بلا إذنه فقبل شفاعته كان منفعلا عن ذلك الشافع فقد أثرت شفاعته فيه فصيرته فاعلا بعد أن لم يكن وكان ذلك الشافع شريكا للمشفوع إليه في ذلك الأمر المطلوب بالشفاعة ; إذ كانت بدون إذنه لا سيما والمخلوق إذا شفع إليه بغير إذنه فقبل الشفاعة فإنما يقبلها لرغبة أو لرهبة : إما من [ ص: 110 ] الشافع أو من غيره وإلا فلو كانت داعيته من تلقاء نفسه تامة مع القدرة لم يحتج إلى شفاعة والله تعالى منزه عن ذلك كله كما قال في الحديث الإلهي : { يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني } . ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالشفاعة إليه فكان إذا أتاه طالب حاجة يقول : { اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء } أخرجاه في الصحيحين ; وكان مقصوده أنهم يؤجرون على الشفاعة وهو إنما يفعل ما أمره الله به . وكذلك قوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } بين أنهم لا يعلمون من علمه إلا ما علمهم إياه كما قالت الملائكة : { لا علم لنا إلا ما علمتنا } فكان في هذا النفي إثبات أن عباده لا يعلمون إلا ما علمهم إياه فأثبت أنه الذي علمهم لا ينالون العلم إلا منه . فإنه : { الذي خلق } { خلق الإنسان من علق } و { علم بالقلم } { علم الإنسان ما لم يعلم } . ثم قال : { وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما } أي لا يكرثه ولا يثقله . وهذا النفي تضمن كمال قدرته فإنه مع حفظه للسموات والأرض لا يثقل ذلك عليه كما يثقل على من في قوته ضعف . وهذا كقوله تعالى : { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب } فنزه نفسه عن مس اللغوب . قال أهل اللغة [ ص: 111 ] اللغوب الإعياء والتعب . وكذلك قوله : { لا تدركه الأبصار } الإدراك عند السلف والأكثرين هو الإحاطة .

وقال طائفة هو الرؤية وهو ضعيف ; لأن نفي الرؤية عنه لا مدح فيه فإن العدم لا يرى . وكل وصف يشترك فيه الوجود والعدم لا يستلزم أمرا ثبوتيا فلا يكون فيه مدح إذ هو عدم محض بخلاف ما إذا قيل لا يحاط به فإنه يدل على عظمة الرب جل جلاله . وإن العباد مع رؤيتهم له لا يحيطون به رؤية كما أنهم مع معرفته لا يحيطون به علما وكما أنهم مع مدحه والثناء عليه لا يحيطون ثناء عليه ; بل هو كما أثنى على نفسه المقدسة .

ولهذا قال أفضل الخلق وأعلمهم : { لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك } وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر . والمقصود هنا الكلام على معنى كون { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن وبيان أن الصواب القول الأول .

الوجه الثالث الذي يدل على فساد القول الثاني أن يقال : قول القائل " معرفة أفعاله " إن أراد بذلك معرفة آياته الدالة عليه فهذه من تمام معرفته ويبقى معرفة وعده ووعيده وقصص الأمم المؤمنة والكافرة لم يذكره وهو القسم الثاني من أقسام معاني القرآن كما لم يذكر أمره ونهيه . وإن جعل هذه من مفعولاته فمعلوم أن معرفة الوعد والوعيد والقصص المطلوب فيها الإيمان باليوم الآخر وجزاء الأعمال [ ص: 112 ] كما أن المطلوب بالأمر والنهي طاعته فإنه لا بد من الإيمان بالله واليوم الآخر ومن العمل الصالح لكل أمة كما قال تعالى : { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } .

الوجه الرابع أن يقال : ما ذكره من نفي المثل عنه ومن نفي الولادة مذكور في غير هذه السورة فلم يختص بهذا المعنى .

الوجه الخامس أن يقال : هب أنها تضمنت التنزيه كما ذكره الله فمعرفة الله ليست بمعرفة صفات السلب بل الأصل فيها صفات الإثبات والسلب تابع ومقصوده تكميل الإثبات كما أشرنا إليه من أن كل تنزيه مدح به الرب ففيه إثبات ولهذا كان قول " سبحان الله " متضمنا تنزيه الرب وتعظيمه ففيها تنزيه من العيوب والنقائص وفيها تعظيمه سبحانه وتعالى كما قد بسط الكلام على ذلك في مواضع .

وأما القول الثالث وهو المراد به أن من عمل بما تضمنته كان كمن قرأ ثلث القرآن ولم يعمل بما تضمنته فهذا أيضا ضعيف وما نفاه من المعادلة فهو مبني على قول من اعتبر في مقدار الأجر كثرة الحروف وهو قول باطل كما قد بين في موضعه وذلك أن العمل بها إن أراد [ ص: 113 ] به العمل الواجب من التصديق بمضمونها وتوحيد الله فهذا أجره أعظم من أجر من قرأ القرآن جملة ولم يعمل بذلك فإنه إن خلا عن الإيمان بمضمون القرآن فهو منافق وإن خلا عما يجب عليه من العمل فهو فاسق .

ومعلوم أن هذا لو قرأ القرآن عشر مرات لم يكن أجره مثل أجر المؤمن المتقي . وأيضا فإن هذا الأجر على الإيمان بمضمونها سواء قرأها أو لم يقرأها والأجر المذكور في الحديث هو لمن قرأها فلا بد أن يكون قد قرأها مع الإيمان بما تضمنته .

وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل قراءتها تعدل ثلث القرآن وقرأها على أصحابه وأخبرهم أنه قرأ عليهم ثلث القرآن : فكانت قراءته لها تعدل قراءته هو للثلث . وكذلك الرجل الذي جعل يرددها . وكذلك إخباره لهم بأنها تعدل ثلث القرآن وإنما يراد به ثلثه إذا قرءوه هم لم يرد به الثلث إذا قرأها منافق لا يؤمن بمعنى { قل هو الله أحد } .

ثم إن كون المراد بذلك من قرأ الثلث بلا إيمان بها معنى ليس في اللفظ ما يدل عليه وإنما يدل اللفظ على نقيضه .

وهذا التأويل وأمثاله هو من تحريف الكلم عن مواضعه الذي ذم الله عليه من فعل ذلك من أهل الكتاب وهو نوع من الإلحاد في كلام الله ورسوله . وقد ذكر أبو حامد الغزالي وجها آخر غير هذه الثلاثة فقال في كتابه : " جواهر القرآن ودرره " أما قوله : { { قل هو الله أحد } [ ص: 114 ] تعدل ثلث القرآن } ما أراك تفهم وجه ذلك فتارة تقول : ذكر هذا الترغيب في التلاوة وليس المعنى به التقدير وحاشا منصب النبوة عن ذلك . وتارة تقول : هذا بعيد عن الفهم والتأويل فإن آيات القرآن تزيد على ستة آلاف آية فهذا القدر كيف يكون ثلثها ؟ وهذا لقلة معرفتك بحقائق القرآن ونظرك إلى ظاهر ألفاظه فتظن أنها تعظم وتكثر بطول الألفاظ وتقصر بقصرها . وذلك كظن من يؤثر الدراهم الكثيرة على الجوهرة الواحدة نظرا إلى كثرتها . فاعلم أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن قطعا وترجع إلى الأقسام الثلاثة التي ذكرناها في مهمات القرآن وهي : معرفة الله ومعرفة الآخرة ومعرفة الصراط المستقيم . فهذه المعارف الثلاثة هي المهمة والباقي توابع . وسورة الإخلاص تشتمل على واحدة من الثلاث وهي معرفة الله وتقديسه وتوحيده عن مشارك في الجنس والنوع وهو المراد بنفي الأصل والفرع والكفء . والوصف بالصمد يشعر بأنه السيد الذي لا يقصد في الوجود للحوائج سواه . نعم ليس فيها حديث الآخرة والصراط المستقيم . فلذلك تعدل ثلث القرآن . أي ثلث الأصول من القرآن كما قال : { الحج عرفة } أي هو الأصل والباقي تبع .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث