الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل أحاديث تنازع الناس في صحتها نفيت فيها العبادة لأجل ترك واجب فيها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 34 ] فصل وقد جاءت أحاديث تنازع الناس في صحتها . مثل قوله : { لا صلاة إلا بوضوء ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه } فأما الأول : فهو كقوله : { لا صلاة إلا بطهور } وهذا متفق عليه بين المسلمين ; فإن الطهور واجب في الصلاة فإنما نفى الصلاة لانتفاء واجب فيها وأما ذكر اسم الله تعالى على الوضوء ; ففي وجوبه نزاع معروف وأكثر العلماء لا يوجبونه وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها الخرقي وأبو محمد وغيرهما . والثاني : يجب وهو قول طائفة من أهل العلم وهو الرواية الأخرى عن أحمد اختارها أبو بكر عبد العزيز والقاضي أبو يعلى وأصحابه . وكذلك قوله : { لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد } رواه الدارقطني . فمن الناس من يضعفه مرفوعا ويقول : هو من كلام علي رضي الله عنه ومنهم من يثبته كعبد الحق . وكذلك قوله : { لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل } قد رواه أهل السنن وقيل : إن رفعه لم يصح وإنما يصح موقوفا على ابن عمر أو حفصة فليس لأحد أن يثبت لفظا عن الرسول مع أنه أريد به نفي الكمال المستحب [ ص: 35 ] فإن صحت هذه الألفاظ دلت قطعا على وجوب هذه الأمور ; فإن لم تصح فلا ينقض بها أصل مستقر من الكتاب والسنة وليس لأحد أن يحمل كلام الله ورسوله على وفق مذهبه إن لم يتبين من كلام الله ورسوله ما يدل على مراد الله ورسوله ; وإلا فأقوال العلماء تابعة لقول الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ليس قول الله ورسوله تابعا لأقوالهم . فإذا كان في وجوب شيء نزاع بين العلماء ، ولفظ الشارع قد اطرد في معنى ; لم يجز أن ينقض الأصل المعروف من كلام الله ورسوله بقول فيه نزاع بين العلماء . ولكن من الناس من لا يعرف مذاهب أهل العلم وقد نشأ على قول لا يعرف غيره فيظنه إجماعا كمن يظن أنه إذا ترك الإنسان الجماعة وصلى وحده برئت ذمته إجماعا ; وليس الأمر كذلك ; بل للعلماء قولان معروفان في إجزاء هذه الصلاة وفي مذهب أحمد فيها قولان ; فطائفة من قدماء أصحابه - حكاه عنهم القاضي أبو يعلى في شرح المذهب ومن متأخريهم كابن عقيل وغيره - يقولون : من صلى المكتوبة وحده من غير عذر يسوغ له ذلك فهو كمن صلى الظهر يوم الجمعة فإن أمكنه أن يؤديها في جماعة بعد ذلك فعليه ذلك وإلا باء بإثمه كما يبوء تارك الجمعة بإثمه ، والتوبة معروضة .

وهذا قول غير واحد من أهل العلم ، وأكثر الآثار المروية عن السلف من الصحابة والتابعين تدل على هذا . وقد احتجوا بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من سمع النداء [ ص: 36 ] ثم لم يجب من غير عذر ; فلا صلاة له } وأجابوا عن حديث التفضيل بأنه في المعذور الذي تباح له الصلاة وحده كما ثبت عنه أنه قال : { صلاة الرجل قاعدا على النصف من صلاة القائم وصلاة المضطجع على النصف من صلاة القاعد } والمراد به المعذور كما في الحديث أنه خرج وقد أصابهم وعك وهم يصلون قعودا فقال ذلك . ولم يجوز أحد من السلف صلاة التطوع مضطجعا من غير عذر ، ولا يعرف أن أحدا من السلف فعل ذلك ، وجوازه وجه في مذهب الشافعي وأحمد ، ولا يعرف لصاحبه سلف صدق مع أن هذه المسألة مما تعم بها البلوى ; فلو كان يجوز لكل مسلم أن يصلي التطوع على جنبه وهو صحيح لا مرض به كما يجوز أن يصلي التطوع قاعدا وعلى الراحلة ; لكان هذا مما قد بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته وكان الصحابة تعلم ذلك ، ثم مع قوة الداعي إلى الخير لا بد أن يفعل ذلك بعضهم ، فلما لم يفعله أحد منهم دل على أنه لم يكن مشروعا عندهم وهذا مبسوط في موضعه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث